سبع مستويات للوصول إلى ظلم اللغة: قراءة فى ديوان “مساكين يعملون فى البحر” لعبد الرحمن مقلد

 

قراءة فى ديوان “مساكين يعملون فى البحر” لعبد الرحمن مقلد

أولا: العتبات
وفقًا للمبدأ التداولى من مبادئ العتبات الشعرية وهو “سؤال يتحرى أركان العملية التواصلية للعتبة الشعرية بالتالى النص الشعرى وتحديد طبيعتها وأهدافها، وطبيعة العلاقات بين محافل العملية الشعرية وكفاءتها وأشكالها بوصفها جزءًا من الاستراتيجية الفنية والتواصلية والاقتصادية الإبداعية للشعرية.
وباعتبار المؤلف هو المسئول عن إرسال العتبة، ويترتب عن تحديد الكشف عن أهداف الرسالة العتباتية ونوعيتها.
وكذا إذا كانت العتبات الذاتية هى “كل العتبات التى يضعها المؤلف كالعناوين والمقدمات والإهداءات والعناوين الفرعية وتوزيع البياض والسواد …، وكونه مرسلها يجعلها أكثر مسئولية وتعبيرًا وتمثيلا لرؤية الممارسة الشعرية وقضايا النص وحيثياته”.
ووفقًا لذلك يكون عنوان النص والاقتباسات الأربعة التى وضعها المؤلف فى صفحة سماها بالتصدير (ص 7) بالإضافة إلى العنوان عتبات ذاتية تفاعلية وتداولية أرادت الذات الشاعرة (مقلد) إرسالها إلى المتلقى لتشكل جزءًا لا ينفصل عن النص، ويساهم فى رسم رؤية النص وتحقيق أهدافه، بالتالى لا يجب المرور منها دون توقف لاستجلاء هذه الرسالة.
ومع الأخذ بالاعتبار، المبدأ المكانى وهو “التموضع المكانى للعتبة فى خارطة العمل وموقفها بالنسبة إلى النص وإلى العتبات الأخرى، ويتحدد وفق استراتيجية هادفة لطبيعة علاقة العتبة بالنص والوجهة المفترضة لحركة المتلقى بينهما” (راجع عتبات النص الشعرى الحديث/ د.صادق القاضى/ أروقة ط 2014ص 30 وما بعدها)، فإن تموضع العتبات (العنوان / الاقتباسات) سابق على الدخول إلى النص، ووفقا للحركة الطبيعية للمتلقى (القارئ) هو إتباع ترتيب الصفحات، ولا يمكن للقارئ الوصول إلى نصوص المجموعة الشعرية إلا بعد الاطلاع على العتبات.

1 – العتبتان الثانية والأولى:
قد يعجب البعض من أننى قدمت العتبة الثانية على الأولى، إذ نرى أن العتبة الأولى هى مجرد استلهام للثانية، وعنوانًا منها إليها، وكون الأولى مقطعا من الثانية رسما ومعنى.
1/1 [[[ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا]]] سورة الكهف الآية 79.
تتحدد القوة الإنجازية للرسالة العتباتية فى المتلقى من مستوى نجاح الرسالة فى إيصال فحواها قصدا أو تأويلا أو وفقا لمؤشر “مبدأ البنية الدلالية للفعل الإنجازى الواصفة لقيمته العملية” (راجع/ الثابت والمتحول / ادونيس / دار العودة ج3 ط1 1978).
ووفقا لذلك سيكون من الأقيم الاطلاع على الاقتباس فى إطاره الأول فى نصه المستعلى منه فى سبيل فهم الرسالة الدلالية للاقتباس فى النص الجديد، وفقا للإرادة الشعرية.
يقول القرطبى فى تفسيره قوله تعالى: “أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر” استدل بهذا من قال: “إن المسكين أحسن حالا من الفقير”، وقد مضى هذا المعنى مستوفى من سورة “براءة”. وقد قيل: إنهم كانوا تجارًا، ولكن من حيث هم مسافرون عن قلة فى لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة خطب عبر عنهم بمساكين; إذ هم فى حالة يشفق عليهم بسببها، وهذا كما تقول لرجل غنى وقع فى وهلة أو خطب: مسكين. وقال كعب وغيره: كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى، وخمسة يعملون فى البحر. وقيل: كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر. وقد ذكر النقاش أسماءهم; فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما; والثانى أعور، والثالث أعرج، والرابع آدر، والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم; والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، وكان البحر الذى يعملون فيه ما بين فارس والروم; ذكره الثعلبى. وقرأت فرقة: “لمساكين” بتشديد السين، واختلف فى ذلك فقيل: هم ملاحو السفينة، وذلك أن المساك هو الذى يمسك رجل السفينة، وكل الخدمة تصلح لإمساكه فسمى الجميع مساكين. وقالت فرقة: أراد بالمساكين دبغة المسوك وهى الجلود واحدها مسك. والأظهر قراءة مساكين بالتخفيف جمع مسكين، وأن معناها: إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغى أن يشفق عليهم. والله أعلم.

2/1 وفقا لهذا نستخلص الآتى: ـ إن شخوص الحكاية هم جماعة من المساكين (الضعفاء) أصحاب السفينة وأصحاب الحضور الفيزيائى فى الحكاية (مفعول به) على وشك وقوع غضب على سفينتهم من الشخص الاخر فى الحكاية ملك غاصب صاحب الحضور الهلامى المهيمن (فاعل).
3/1 ـ إن رسول العناية الإلهية قد وصل إلى هؤلاء المستضعفين فى توقيت مناسب (قبل بداية وقوع فعل الغصب)، والغريب أن هذا الرسول لم يحاول قيادة المستضعفين كالعادة لمواجهة فعل الاغتصاب، وإنما حاول إيجاد حيلة لإفساد جدوى فعل الاغتصاب على المغتصب به يحرر السفينة وملاكها من سطوت المغتصب (خرق السفينة).
4/1 أما الأغرب فهو انتهاء الحكى عن هؤلاء المساكين بدون أن تخبرنا الآيات هل نجحت حيلة هذا الرسول وأفلتت السفينة من الغصب، أم اغتصبت، وبدون أن تخبرنا عن إرادة الرب فى الإفلات من عدمه، كما سيحدث لاحقا مع الغلامين [فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما].
5/1 وهذا يفتح الاحتمال أمام خيارين لا ثالث لهم:
الأول/ نجاح حيلة الرسول ونجاة السفينة
الثانى/ فشل الحيلة واغتصاب السفينة

2 ـ العتبة الثالثة:
اجتزأت الإرادة النصية مقطعا آخر من قول لأبى يزيد البسطامى “قالوا إن سبعة آلاف من السنين قد مضت ولكن النرجس لا يزال غضا طريا لم يصل إليه كف أى أمل بعد”.
المبدأ الوظيفى هو سؤال عن الجدوى والأهمية والضرورة. وهو السؤال الأكثر احتكاكًا بالقيمة العملية والبرجماتية والواقع التجريبى للمصاحبات العتباتية واختبار الكفاءة العتباتية التى تختلف وظيفيًا عن العتبة الأخرى. فى حالتى الحضور والغياب حيث العتبة إجراء يستند على رؤية وحضور، أو محو العتبة قرار يتكئ على خلفية فلسفية وتخطيط وظيفى منهجى متكامل.
وهنا يثور السؤال لماذا قامت الذات الشاعرة (مقلد) بوضع العتبات بهذا الشكل المتتابع فى بداية النص، وبهذا الترتيب مع اختيار الاجتزاء فى العتبة الثانية؟
ولا يمكننا تفسير ذلك إلا من خلال ما يسمى بالعتبات الذهنية المعنوية وهى (المعلومات الشخصية والمهنية والاعتبارية التى يعرفها المتلقى مسبقا عن المؤلف وعن النص حيث يقرأ النص فى ضوئها) أو اتباع جيرار جنيت فى تسميتها بـ”العتبات الفعلية”.
فيجب الوضع فى الاعتبار أننا أمام شاعر ومثقف يعرف كيف يستخدم من أدواته ما شاء، وكذا اعتراف المتلقى بحق الشعرية فى استخدام ما شاءت كيف ما شاءت.
1/2 الإجابة/ إذا اجتزأت الشعرية هذا المقطع من سياقه دافعة إياه إلى التصدير ليمثل عتبة للمتن الشعرى فإنها بالتأكيد فعلت ذلك عن عمد يوضحه العودة للجزء المحذوف، حيث نجد أنه يدفع المتلقى جبرًا إلى عوالم خارج سياقات النصية المتعمدة، هنا بالتالى فقد أرادت النصية انتزاع هذا المقطع من سياقه إلى سياق آخر، هو السياق الموضعى له فى المجموعة الشعرية الجديدة “مساكين يعملون فى البحر” ليكون مكملًا للعتبة السابقة، ويقع ضمن معطيتها الدلالية لمحاولة فهم النص.
2/2 يبدأ المقطع بكلمة “قالوا”، والتى تدل على عدم مشاهدة الراوى للحدث المحكى عنه، وأنه نقل إليه عبر شخوص هو غير قادر على تحديد أسمائهم مما يفتح الاحتمالية على أقصى اتساع لها فى صدق المروى عنه أو عدمه.
(سبعة آلاف من السنين قد مضت) مرت من ماذا؟
إذا عدنا إلى المقطع 1/2 من كتابنا هذا، فلا مناص من أن نقول إن السنين مرت من يوم ارتكاب فعل العيب فى السفينة (خرقها)، وبنفس المنطق يكون النرجس المذكور فى هذا المقطع (النرجس لا يزال غضا طريا لم يصل إليه كف أى أمل بعد) هو الملك الغاصب باعتباره الوحيد فى النص السابق الذى يحتمل الوصف بالنرجسية ويكون (الأمل) الذى لم يصل هو أمل المساكين فى الإفلات من غصب هذا الملك، وتكون الإرادة الشعرية قد وضعت المسكوت عنه فى النص القرآنى مرجحة الخيار الثانى فى الاحتمالية الواردة فى المقطع 5/1.
3/2 ما الذى استندت إليه الذات الشاعرة فى اتباع العتبة الثالثة إلى العتبة الثانية، وما هى العلاقة بين العتبتين؟
الإجابة هى أن العتبة الثانية باعتبارها المركز غير المنتزع من سياقه، بالتالى يمكن العودة إلى نصه نجدها الآية (79 من سورة الكهف ) وأن المخلص (القائم بفعل خرق السفينة) وصفته الآية 65 من نفس السورة (وعلمناه من لدنا علمًا) إذا فهو أعلم أهل النص، والذى ذهب أغلب المفسرين لأنه الخضر عليه السلام.
فإذا كان الخضر عند فرق الصوفية الإسلامية المنتمى إليها أبو يزيد البسطامى هو القطب الأكبر، وباعتبار البسطامى أحد أهم أعلام الصوفية، وباعتبار التناقل المفترض بين التابع والمتبوع يكون البسطامى هو العارف الأكبر بما كان يعرف الخضر.
4/2 فإذا ما اتفقنا مع القاعدة الدينية (إطلاق قدرة الرب (الخالق) ومحدودية قدرة العبد (المخلوق) وبالعودة إلى السياق الكلى للعتبة الثانية (79 الكهف) نجدها من سياق حكاية المساكين من ثلاث حكايات أتى بها السياق القرآنى فى تعليم الخضر للنبى موسى كالآتى:
قال تعالى (أما الغلام…..
كما قال (أما الجدار……
وباعتبار الدقة المتناهية للألفاظ فإن قتل الغلام وإقامة الجدار فعلان جاء كلاهما وفقا لإرادة الخالق المهيمن، فبالتالى لا مجال لنقاش ما إذا كان الفعلان قد أتيا ثمارهما وفقا لسياق الآية (فقتله/ فأقامه) على الترتيب ووفقا لانعدام محدودية الرب وإطلاق مشيئته فى تحقيق ما شاء.
بينما جاء خرق السفينة وفقًا لإرادة الخضر نفسه (فأردت أن أعيبها) فوفقًا لمحدوديته، بالتالى ترجح الخيار الثانى فى الفقرة 1/5.
وانطلاقًا من هذه المحدودية، فإنه لا يجوز لهذا العبد وفقا للآية (65 الكهف) أن تصيب أفعاله أهدافها، لذا يجب أن تخطئ إحداها وإلا ارتفع من مرتبة العبد إلى مرتبة الرب، فإن كانت الآيات قد أكدت نجاح فعلين من الثلاثة (فقتله / فأقامه) للغلام والجدار على الترتيب، فإنه لا مفر من إقرار فشل الفعل الثالث فى تحقيق هدفه بالتالى اغتصاب السفينة من ملاكها.

3 ـ العتبة الرابعة:
“صيادون عجائز
لم يعد لديهم قوارب، لم يعد لديهم شباك
يجلسون على صخرة ويدخنون غلاينهم
ويتأملون أحزان الترحال والظل ..”
يانسيس ريتسوس ت : رفعت سلام
1/3 لا يمكن أن ينصرف التعبير عن أن الصيادين العجائز فى العتبة الرابعة هم مساكين العتبة الثانية و(لم يعد لديهم قوارب) وقد كانت لديهم قوارب، وأصبحوا الآن لا يملكونها لا تفيد هذا إلا التأكيد على فشل فعل خارق السفينة فى صرف نظر المغتصب النرجسى عنها وتركها إلى أهلها، فاستولى عليها وترك لهم حسرة الجلوس على صخرة، أى صخرة، وهم لم يعتادوا إلا الجلوس على ماء البحر يندبون حظهم فى مواجهة غاصب أفرط قوة من أن يواجهوه أو أن تنجح حيلة العليم المرسل من قبل الخالق الأكبر فى الإفلات من مخالب ظلمه.
وهذا الجلوس ما هو إلا انتظارًا غير طوعى يفهم من الإطار الكلى للعتبة الأولى (سورة الكهف) مماثل لنومة أصحاب الكهف فى بداية السورة فى انتظار طويل لتغير الزمن لصالح (الفتية المؤمنون بربهم) وهؤلاء بدورهم لم تخبرنا الآيات عن مصيرهم إذ تنتهى ببناء المسجد عليهم بدون أن نعرف مصير الفتية.

العتبة الخامسة:
“وأنا كما ترى أقرب إلى الطول والنحول وقد قوست ظهرى مهنة الكاتب واحتقار الرياضة البدنية وأقف بشيء من الميل ـ كما تقول أمى ـ وحين أقرأ وأنا جالس القرفصاء على كرسى الذى لا مسند له أحس أن كل نَقْصٍ فى مظهرى العادى يزداد شناعة: فأنا أتداعى وأنكمش، وكأن حياتى تهرب وتغادرنى لتذهب مع حياة أولئك الرجال والنساء الذين أشاطرهم بفكرى وقائعهم الغريبة..”
“اعتراف منتصف الليل”
جورج ديهامل ت: شكرى عياد

بالتأكيد الإرادة النصية حين أتت بهذه العتبة لم تكن تقصد (سلافان ولا رب عمله/ سيرو ولا شحمة أذنه المدلاة) إنما قصدت عمل “سلافان” بشد شحمة أذن سيرو التى رآها سلافان مهمة ويراها سيرو بيئة ومهينة وتافهة، والتى تماثل فعل الخرق فى العتبة الثانية نوعًا وقيمة، حيث رآها الخارق (الخضر) تفى بالغرض، بينما انصرفت الإرادة النصية إلى جعلها بلا قيمة، ووقع بالفعل الغصب على السفينة، فصنع هذا التماثل بين الفعلين (الخرق للسفينة / شد الشحمة) فلما فقد “سلافان” عمله بسبب فعلته، وأصبح وضيعًا فى مجتمعه، فمن الطبيعى أن تسقط ذات النتائج على فعل “الخضر” فى مجتمع المساكين، وطبيعى أن يشعر هو (الخضر) بالذنب فتهرب روحه منه لتشاطر هؤلاء وقائعهم الغريبة.
ليبقى سؤال واحد لم تستطع العتبات وتموضوعها فى بداية النص الإجابة عليه وهو: “إذا استطاعت العتبات الترابط فيما بين شخوصها امتدادًا من العتبة الثانية إلى الخامسة، وحمله كل شخصية فى تموضوعها داخل عتبتها عبء إكمال استنتاج فعل شخصية فى العتبة السابقة
فمن يسمع سلافان ؟ وهذا يولد سؤال آخر:
هل ستهتم الإرادة الشعرية (مقلد) بهذا أم ستهمله؟
3/2 بالاعتراف السابق للذات الشاعرة بالقدرة والقصدية يكون اختيارها لأن تكون العتبة الرابعة والخامسة لنصها من ثقافة أخرى غير ثقافة العتبات الثلاثة
الاولي
، ووفقًا للوظيفية العتباتية ما هو إلا خروج بالنص الشعرى الوارد بعد هذه العتبات من أسر فضاء ثقافة العتبات الثلاثة الأولى إلى فضاء الإنسانى (البشرى) كله أينما كان.
وبهذا كله نخلص إلى معطيات العتبات الأربع الأولى السابقة على النص (عنوان المجموعة / الاقتباسات الواردة بصفحة التصدير):
1/ وجود ملك غاصب نرجسى (غائب) ينجح عبر الزمن فى الاغتصاب (هو فاعل المتحكم فى الأحداث)
2/ وجود مساكين (صيادون) مغتصبون ولا يقون على دفع الغصب (مفعول به)
3/ فشل حيلة رسول العناية (العليم) فى إفشال فعل الغصب من الأول على الثانى (فاعل فاقد للتأثير فى الحدث) فأحس بالذنب فانضم معنويا إلى زمرة المساكين
4/ حكايات النص المستعلى عنه تنتهى بدون معرفة مصير الضعفاء
5/ أعلم أهل النص يقوم علمه على الظن
6/ طول أمد الاغتصاب والظلم
7/ وجود شخصية لم تؤثر فى العتبات اختلقتها الذات الشاعرة
ثانيا: سيرة المساكين
إذا ما وضعنا فى الاعتبار تموضع العتبات الخمس خارج النص، فإنه من الطبيعى أن تكون النصية متصلة موضوعيا متمحورة حول سيرة المساكين، وتكون المقاطع الداخلية (القصائد) إعادة إنتاج لسيرتهم ورسم للمشهد من عدة زواية زمكانية تخرج الحديث من وعن وإلى أفراد الجموع المساكين.
إذا وضنا فى الاعتبار محاولاتنا السابقة فى تأويل العتبات فإن شاعرية بهذا الحجم لا تهدر الأسطر أو تضعها مجانية مباحة:
هُنالِكَ مَنْ يَترقَبُ
عشْرَ عَصَافيرَ فَوقَ جِدَارٍ
ومَنْ يَجَمَعُ التِّينَ
مَنْ يَتَولَّى الحِرَاسَةَ فى الَليلِ
مَنْ يَحْلِجُ القُطنَ
أو يَحفُرُ الِبئْرَ ص 172

ما الرسالة الباطنة لهذا المقطع؟
ـ هل هنالك من هذه الجماعة خمسة أنواع (مراقب العصافير / جامع التين / حارس الليل / حالج القطن / حافر البئر) أم ذهبت الإرادة الشعرية إلى التلاعب بالمتلقى باستخدام التقديم والتأخير فأخرت السطر (عشْرَ عَصَافيرَ فَوقَ جِدَارٍ)، وقدمت عليه السطر (هُنالِكَ مَنْ يَترقَبُ) ليكون العصافير عشرة، خمسة يقومون بالعمل وخمسة أغفل النص أعمالهم أو أنهم غير قادرين على العمل.
وإن كنا نرى تغليب الاحتمال الثانى خصوصا إذا عدنا كعادتنا للعتبة الثانية فى النص، وتفسير القرطبى لها فإن (المجزوم/ الأعور/ الأعرج/ الأدر/ المحموم) هم القائمون بالعمل، ويمكن توزيع الأعمال الجديدة عليهم كل حسب عاهته، بينما (الأعمى/ الأصم / الأخرس / المقعد / والمجنون) لا يقون على القيام بأى عمل، فأغفل النص الجديد توزيع العمل عليهم، وهذا يتفق مع الوضعية الجديدة بعد فقدان السفينة، وهو يقودنا بالتالى إلى أن الإرادة النصية لأن تقوم باجترار ذكريات المساكين مع السفينة والبحر، وإن بقى فعل الغصب وفاعله ومهنتهم الرئيسية باقون فى خلفية ذاكرة المساكين، ودليلنا على هذا خلو المجموعة الشعرية من الألفاظ ( سفينة / مركب)، وجاء لفظ (مراكب) مرة واحدة نوردها مع اللفظ بحر.

أورد النص لفظ بحر برسوم وتصاريف مختلفة 12 مرة، كان منها أربع فى العتبات نرى طرحها، أم الثمانية الأخرى: “وأذكرُ أنى الوَحيدُ الذى غَادرَ المُدنَ السَاحِليةَ للبَحرِ 52 / أو أَشترى بُرتُقَالاً ـ أُقشِّرُهُ وأُغنِّى على سَاحِلِ البَحرِ 57)، وهى هنا مجرد تموضع مكانى للمساكين بعد مغادرة البحر بغير أن تبوح النصية بالحنين، إلا أنها ستعود لتبوح بهذا الحنين فى ذكر عادة البحارة فى إرسال خطاباتهم إلى البحر من خلال زجاجات الخمر المغلقة مرة (وقلتُ: سأُودِعُه فى زُجَاجةِ خَمرٍ ـ وأقذِفُها باتساعِ يَدىَّ إلى البَحرِ 59) ومرة أخرى الحنين إلى الاقلاع البحرى للأمنيات باستعمال مراكب ورقية (سوف نَذْهبُ للبَحر ـ نَتركُ فيه مَرَاكِبَنا الوَرَقِيةَ 22)، والثالثة من خلال عدم الاعتراف بالأعمال الجديدة واستمرار تعريفهم لأنفسهم بأنهم عمال البحر (فى الحَقيقةِ ـ لم نَكْترِثْ للمُلوكِ ـ ولا للعَبيدِ ـ ونَعملُ فى البَحرـ مُنذُ قَديمٍ .. 11 )، وقد وضعت الإرادة النصية هذه الأسطر الأخيرة فى بداية النص الشعرى كشاهد على اتفاق الإرادة النصية مع مسكينها فى عدم الاعتراف بمغادرة البحر؟
وكما أوردت النصية حنين المساكين لبحرهم، سجلت أحزانهم معه مرة بمغادرة الأحبة وانتظار الأمل فى عودتهم وأخرى بالفقدان النهائى (ولا نَتذَكرُ أبنَاءَنا ـ فى البَرَارِى يَلوحُون ـ أو يَهدِمونَ بُيوتًا مِن الرَملِ ـ فى اليَابسِ الضَحلِ ـ يَبكُون للبَحرِ حَتى نَعودَ 13 / هَا أنتَ فى رِحلةٍ ـ لا يَعودُ المُسافِرُ منها ـ ونحنُ على آخِرِ البحْرِ95)
أما المرة الأخيرة التى ستضع فيها النصية لفظ “بحر” هى (والشُرفات التى أغلقَتْهَا الأيَادى ـ وكانت تُطلُّ على البَحرِ 147)، ومن الطبيعى بعد احتجاب البحر بإغلاق النوافذ أن لا تورد النصية فيما بقى من أسطرها الشعرية لفظ البحر مرة أخرى، لأن ابطال النص لا يروه الآن، وكأن الغاصب لم يكتف بغصب السفينة وإخراجهم من البحر بل منعهم من رؤيته.
الملاحظ أن الأيادى التى أغلقت النوافذ فاعل مجهول، أى أيادى، وهى تتفق فى هذا مع الملك (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (الكهف 79) وهذا ما ستتبعه النصية دائما فى أن يكون الفاعل المعتدى الوارد فى الجملة (مزيف. جماد) مما لا يحتمل معه أن تنصرف إرادته للظلم، وكأن النصية توحى بحتمية وقوع الظلم على المساكين، بصرف النظر عن وجود الظالم أو انصراف إرادته إلى وقوع الظلم:
(ابنُك الكَهلُ الذَى حَملَته أَجِنحَةٌ ـ وطَارتْ 115)
(تُعوِّدُنا الطُرقاتُ عليها ـ وتَصْحَبُنا فى مَتاهَتِها ـ 128
نحن الأَراملُ واليتَامَى ـ والمَساكينُ ـ الذين هَوى عليهم سقفُهم 121)
وحين يحاول المساكين الرحيل عن مدن البحر مظنة الهروب من التعدى (وأذكرُ أنى الوَحيدُ ـ الذى غَادرَ المُدنَ السَاحِليةَ للبَحر ـ قبلَ انتِشَارِ الطَاعُونِ بِها 52) سيواجهون تعديا أيضا (ثم نَرحَلُ فى القَاطِراتِـ ونَسقُطُ فى أى أرْضٍ ـ كحَبَّاتِ مِسْبَحَةٍ 128) ليواجهون موتا فى المدن الجديدة (تَجىء فارًا من خيالِك
لاهثًا خَلفَ القِطاراتِ التى
قذفتك فى مُدنٍ تُرتبُ
للخُرافيين والشُعراء
مُتسعًا ليبنوا حَتفَهم 117)

سيدرك المساكين أن التعدى فى مدن البحر يكافئ التعدى فى مدن الغياب:
(ثلاثٌ وعشرونَ قَاطرةً عِشتُ فيها ـ ونادمْتُ أصحابَها ـ وأكلْتُ طَعامَهُمُ ـ وشربْتُ سَوائِلَهُم ـ ثلاثٌ وعشرونَ قاطرةً ـ غادرَتْ للشّمالِ وودَّعْتُها ـ وسَقطْتُ بضَربَةِ فأسٍ ـ لأنتظرَ القَاطراتِ الجديدةَ ـ ها أنا ذا أتسَلَّى بجَمْعِ الثمارِ ـ التى تَتساقطُ من شَجرِ التوتِعند المحَطةِ ـ منذ ثلاثٍ وعشرينَ قاطرة ـ لم يمُرَّ سواها 68).
ها قد أدرك المساكين أن التعدى، كما أخرجهم من البحر يقيم معهم فى مدن الساحل، ويترقبهم فى الرحيل فاهتموا بجمع ثمار شجر التوت المتساقط، ولم يهتموا بأوراق التوت، واستنادًا إلى المعرفة الجمعية فإن أوراق التوت كانت الساتر الأول لعورة البشر، فمساكين النصية أهملوا ستر عوراتهم كدليل على فقدانها الحرمة لديهم منصرفين إلى محاولة سد الجوع للبقاء (وأرواحُنا تَتشَهى ـ البَقاءَ ـ البَقَاءَ فَقطْ 14)، لكن النصية (68) كانت تتحدث بصياغة المفرد (عشت فيها)، ثم بالمشاركة بين الفرد والمجموع (أكلت طعامهم)، وجعلت الجماعة فى حكم المنسوب إلى القاطرة لتؤكد على كثرة محاولات الخروج وجماعيتها وفشلها وعودة الخارجين ومحاولاتهم من جهة ومن أخرى أن ما انطبق على المجموع طبيعى جدا أن ينطبق على الأفراد، كل على حده، وما انطبق على فرد ينطبق على المجموع بالمشاركة بينهم، فهم متشاركون فى وقوع التعدى فى مسيرة القاطرات فى الحظ العثر مما دفعهم لتحميل الحب أخطاء المسيرة:
(أكانَ على الحُبِّ ـ فى ذلكَ اللَيلِ ـ أنْ يَشترى لِى ـ حِذَاءً وثوبًا ـ ويترُكنِى فى القِطَارِ ـ أطالِعُ حَظِّى ـ كفَزَّاعَةٍ أتَرَقَّبُ 126 ) هنا عبرت الإرادة النصية عن فزع المساكين من حظهم كمتوافق مع سيرتهم مع حظهم على طوال المجموعة الشعرية، فهم مقتولون بضربته مرة (31) وخائن مرة (من يَضمنُ الحَظَّ ألا يَخونَ 75)
ويمنع من العودة مرة (نُصَلِّى ليتركَنَا الحَظُّ ـ حتى نَعودَ لأعَشاشِنا 72) ومختار بشكل عبثى مرة ( لكنَّ وَالدى الذى أَوْصَى ـ طيورَ البيتِ أنْ تَختارَ لى حَظي87) بينما كان يساعدهم على احتمال التعدى (ومن حَظِّنا أنْ فقدْنَا خَيالاتِنا ـ عن نِسَاءٍ عَلى الشَطِّ ـ يَصنعْنَ غَزْلًا جديدًا لأنوالِهن ـ ويُبقينَ قُمصَانَنَا فى الأَسِرَّةِ ـ تَحْمِى رَوائِحَنا ـ ولا نَتذَكرُ أبنَاءَنا 12) وبهذا فشل المساكين فى الهروب من التعدى أو من حظهم العثر فحاولوا الدفاع عن أنفسهم (أسْلِحَةً صَدِئَاتٍ ـ تُدافعُ عن حقِّنا فى الحَياةِ ـ نُؤلِّفُ حِزبًا جَديدًا تكونُ مَقرَّاتُه ـ دَوراتِ المِياهِ العُموميةِ149)، وحملت التجربة فى بدايتها أسباب فشلها، فلا جدوى من أسلحة أكلها الصدأ أو أحزاب دورات المياه فيعتادون التعدى ويستسلمون (لا تُفكرْ فى خِداعِ الجاذبيةِ ـ لا تُفكرْ يا صَديقى الفَذَّ ـ فى الطَيرانِ ـ مقعدُك الوَثيرُ هنا ـ على عُشبِ الحَديقةِ ـ خَاضعًا لمُسلماتِ الأَرضِ ـ أَعِدَّ رُوحَك ريثما تَأتى الهَزائمُ كلّها ـ أعِدَّ روحَك غَضةً وَتريَةً 119/120)
(أَنا مِثلُكم لا أَزَالُ أُرَقّقُ عَينى بالدَمِعِ أو أَنحَنِى ـ حِينَ تُقبَضُ عِشرون رُوحًا ـ بضَربَةِ حَظٍّ ـ وأحَزنُ حِينَ يَموتُ من الاختِنَاقِ ـ مَريضُو التَنَفّسِ ـ أَنحَبُ حِينَ يُودّعُ خَمسُون ـ طِفِلًا ـ حَقائِبَهم تَحتَ هَذا القِطَارِ ـ وأهْرُبُ فى خَندَقٍ ـ حِين تَقِصِفُ طَائرَةٌ فِى العَرَاءِ جُنًودًا ـ وأَصرُخُ والبَيتُ يهوِى عَلى قَاطِنِيه ـ ويَسقُطُ بَعضُ ضَحَاياى فى البِئرِ ـ يُغْمَى عَلى ـ وأُرجُوحَةٌ تَتفَلّتُ ـ يَصَعدُ مِنها صَبِى إلى حَتفه ـ صَدقُونى أنا مِثلُكم أَتَألّمُ ـ دون دِمٍ سَاخِنٍ ـ أو خُدوشٍ عَلى الجِلدِ ـ تُوجعُنى ثُمّ أَبرأُ مِنها ص 30/31 )

ثالثا : حقوق المساكين
لم تورد النصية أن ثمة حقوقًا لمساكينها محفوظة من التعدى، فقد ضاعت سفينتهم قبل بدء النصية، وهم لا يفكرون فى ستر عوراتهم (68) هم يفكرون فقط فى سد الجوع (68 ) والبقاء على الحياة فقط (14) وهذا أيضا ستحرمهم النصية منه:
( لنا الجُوعُ مُتسَعٌ ـ والشَرابُ سيكفى الجَميعَ 12 ) كما ستستباح دماؤهم فرديًا وجماعيًا إذا جاء لفظ (دم) بتنويعاته فى النصية 14 مرة، ناهيك عن عنوانين (الدم / دم يغطى الوادى الأخضر) وقد جاءت كلها تحكى عن دم مسفوك أو متغير عن أداء دوره، فجاء مسفوكا فى: (وآخِرُ نظْرَةٍ لِدَمِى يَسيرُ على المَاكينةِ 91) و(وللدَمِ هذا الذى ترك الأرض حمراء 145) و(كيفَ تَرُوحُ دماؤكَ هَدْرًا ـ دَمُك القِبْطِى يُغطِّى الوَادى الأَخضَر) و(كى ندفعَ العَدْو عَنه ـ وكانت دِمَانا السَبيلَ ـ وكان لنا السِّجْنُ والسُورُ ـ والجُوعُ والفقرُ186 ) و(نَرى دَمَنا يَتدفقُ 45) كما لا يؤدى الدم دورًا فى (مِنْ زُجَاجَةِ خَمِرٍ يَشُجُّ بِها رَأسَه ـ دون أن يَتدَفّقَ أَى دَمٍ سَاخِنٍ 28) و(صَدقُونى أنا مِثلُكم أَتَألّمُ ـ دون دِمٍ سَاخِنٍ 32) و(هذا دَمى يَتيبَّسُ 55) و(وشُفِيتُ من حُمَّى دَمى 87)، وقد جاء الدم طبيعيا مصابًا بالحنين مرة واحدة (أو أَصابَ الحَنينُ دِمَاى).
فشل المساكين فى إيقاف التعدى أو حفظ أى حقوق لهم، لكن النصية لم تشأ أن تترك هؤلاء بلا ذنب أو خطيئة، فسجلت أنهم راحوا يسيلون دماء بعضهم البعض فى نص “الدم”:
أُرَتِبُ كَى أَنْصبَ الفَخَّ ـ أَنْظُرُ كيفَ حَفرْنَا ـ بأذْرُعِنا البئرَ ـ هذى التى نَتسابقُ مَنْ يَدفعُالآخَرَ الآن فيها ـ ولستُ بمُحْتَفلٍ وأنَا أعْتَليكَ ـ وأنت تَخورُ عَلَى الأَرضِ كالثَوْرِ والشَصُّ يَفْلقُقَلبَك ……… لكنه الدَمُ – هذا الذى مَلأَ الأَرضَ – أنبأنى أنَّ موتى أوشكَ ـ أنك سوف تَحوزُ نَصيبيك ـ حَقلى وحقلك 40 ) إذا فقد كان الصراع على الحقل على محاولة لسد الجوع، وهنا يجب التوقف لبحث أدات القتل التى فلقت القلب (الشص ـ أداة حديدية من أدوات الصيد) وهنا تؤكد النصية على احتفاظ مساكين البحر بأدواتهم كدليل على الاحتفاظ بذاكرة البحر، لماذا جعلت النصية من صراع الموت صراعا على الحقل هل أرادت إدانة مساكين البر (الحقل) وتبرئة مساكين البحر (السفينة)؟
ـ مستويات الظلم فى نصية المساكين
لم تكتف النصية بالظلم الواقع على المساكين قبل بدايتها بل تعدته إلى اختلاق سيرة مأساوية جديدة أبشع بمراحل من واقعة الغصب، فإذا كان المستوى الأول هو واقعة اغتصاب السفينة، وكان المستوى الثانى أكثر اتساعا من الأول فأوقع التعدى على كل حقوق المساكين إلى أن انتهك حقهم فى الطعام والبقاء وكذا ظلم المساكين للمساكين فى المستوى الثالث، والمستوى الرابع إن ظلمت النصية مساكين الحقل لصالح مساكين البحر كما ذكرنا أنفا.

كذا تجاوزت “النصية” مساكين البشر إلى مساكين آخرين يشاركونهم أماكنهم:
(وأقصَّ مَأساتى لكُمْ ـ يا كائناتِ الحُجْرةِ المتورطِينَ مَعِى ـ ولكنَّ المصائرَ باغتَتْنِى خُلْسَةً 85) فلا مجال لتأويل التورط ها هنا إلى المأساة أو المصائر كمستوى خامس للظلم، أما السادسة فكانت ظلم المساكين كأفراد لأنفسهم ( ولا نَتذَكرُ أبنَاءَنا ـ فى البَرَارِى يَلوحُون ـ أو يَهدِمونَ بُيوتًا مِن الرَملِ 13) هنا تخالف النصية عادة المصيفين فى بناء بيوت الرمل إلى هدمها، وإذا أخذنا فى الاعتبار اعتياد التلويح للعائدين، والخيارية مع هدم بيوت الرمال يكون اعتياديا ومتكررا ايضا.
كذا تستمر النصية فى إيقاع هدم مفردات حياة المساكين بأيديهم، إذ تأتى اللفظ هدم بتنويعاته (وهَا هُو ذَا يَتَهَدمُ تَارِيخُه فى يَديِه 29 ) (ننسِفَ مَبْنَى البَريدِ ـ ودَارَ الحُكُومَةِ ـ نَهدمَ دَارَك أنتَ 47)، بينما جاء التخريب بفاعل جماد وبشكل تلقائى وهذا ما ستحافظ عليه النصية أيضا (وبالرِيحِ أُخرى تَدقُّ عِظَامى 132).
تركت النصية للمساكين الأفعال السلبية الدالة على الحزن (الأناشيدُ تُجْبِرُنا أنْ نَفِرَّ ـ وأنْ نَقتلَ الضِحْكَ)، بينما منعت جماعة أو أى منهم فردى أو أى مجموعة منهم من الوجود فى موقع الأعراب فاعلا أبدا لفعل إيجابى فراح (يُرَاقِبُهم سُعَدَاءَ يَدُقُون أَوتَادَهَم ـ وكِلابُ الحِرَاسَةِ تَتبَعُهم أيَنما يَذْهَبُون ـ يَرى الطَيرَ يَشرَبُ مِنْ مَائِهم ـ والنَباتَ.. ـ الجَمِيلَاتِ يَرقُصنَ فِى الفَجرِ.. 29 ) لاحظ اللفظ الجميلات ولأنهن الفاعلات فى فعل الرقص، فكان يجب أن يكون إعرابه فاعلا مرفوعا بالضمة، بينما عمدت النصية لجعل الجملة كلها (الجميلات يرقصن فى الفجر) معطوفة على كلمة النبات فى السطر السابق عليها، وكلمة النبات بدورها معطوفة على الطير، فجاء المساكين معطوفين على أضعف الكائنات الطير والنبات، بينما جاء الفاعل مجهولا (يدقون أوتادهم) محروس بالكلاب.
ويبقى فى الاستشهاد السابق هذا المترقب، فلا يمكن تأويله إلا فى ضوء العتبة الثانية ألا كنبي المساكين (الخضر) أو مرافقه من المساكين (موسى)، وهذا يقودنا إلى استجلاء صورتيهما فى النص معا، ونجد النصية (أن أرتخى لأُحِسَّ بسُرعةِ نَبضِى ـ وأن أُشبهَالبَبَّغاءَ.. 51) (ولَكِنه لَاذَ بالصَمتِ ـ أشْبَه بالببغَاءِ الذى فقدَ السمْعَ ـ حينًا يَرى الناسَ 77). هكذا استعانت النصية بالتداخل الضميرى (أنا / أنت / هو)، فى تعاملها مع صيغة المفرد على طوال النص ووصفته بالخمول والتراخى والترقب، ثم شبهته بالبغبغاء مرتين، وفى الثانية رفضت أن تترك له حتى ميزة الببغاء فى ترديد ما يقال حوله فأصمته بالصمم.

5 تعليقات

  1. Avatar شيماء مجدي

    وجهة نظر وتحليل جميل ..
    بالتوفيق استاذي ??

  2. Avatar شيماء مجدي

    وجهة نظر تحترم وتحليل جميل ..
    بالتوفيق ??

  3. Avatar شيماء مجدي

    وجهة نظر و تحليل جميل ..
    بالتوفيق ??

  4. Avatar شيماء مجدي

    وجهة نظر تحترم و تحليل جميل ..
    بالتوفيق ??

  5. Avatar شيماء مجدي

    وجهة نظر تحترم وتحليل جميل ..
    بالتوفيق ??

اترك رد