تاريخ رماد


 
الصدى- تاريخ رماد للكاتبة نرمين المفتي

كلما دخلت المتحف العراقي، اقف صامتة امام خزانة تعرض قلادة من تل العبيد يعود تاريخها الى العصور الحجرية الاولى، تقريبا الالف السادس قبل الميلاد و اتساءل اي عاشق كبير كان ذلك العراقي القديم الذي ابتكر قلادة اهداها الى حبيبته؟ اي عاشق كبير توصل الى كيفية صنع خرز من بقايا العظام و لظمها بخيط ابتكره من عروق النباتات.. و تستمر شواخص العشق العراقي في اسورة عظمية و من ثم في تاج ذهبي و في اساور و قلائد و ازرار قميص من الذهب و الاحجار الكريمة و اصبح العاج بديلا عن العظم. عشق كبير للمرأة، للأرض و للبلد، و الدليل ان لا توثيق للرماد في اية حضارة سوى الحضارات العراقية.

ففي اسطورة تعود الى اوروك، الالف الثالث قبل الميلاد، تحرق جيوش العدو المملكة و تبدأ الملكة الام بالبكاء و يأتيها ابنها الملك، يقبل يديها قائلا انهم دمروا اوروك مرتين سابقا و اعدنا بناءها من الرماد، هذه المرة ايضا الرماد موجود.. في جنوب كركوك، تل بسبع طبقات تاريخية، اسمه تل الرماد ( Kül Tepe ) و يقال ان في موقع التل كانت مدينة في مرمى نيران حروب الاشوريين مع الجنوب، و احترقت لسبع مرات و تمت اعادة بنائها من الرماد سبع مرات.. و في العصر الحديث، و في الحروب و اعمال العنف التي شهدتها و تشهدها العراق، كان و ما يزال صاحب البيت الذي يدمر بسبب العنف و التفجيرات، يقوم باعادة بنائه في اليوم التالي. العراق، و ان حاولوا تقسيمه و اضعافه، الا انه يستمر ممتددا كحلم من جبله حتى بحره و من بساتينه حتى صحرائه.. دائما هناك رماد لاعادة البناء.

منذ ان ابتلى العراق بالحروب، اصبحت مواقعه الاثرية مطمحا و مواقع تهريب، هناك مواقع بدا واضحا ان من نقب بها و نهبها مختصون بسبب دقة الحفر و اخراج اللقى بحرفية و هناك مواقع تم تخريبها على ايدي مهربين اعداء للتاريخ و الحضارات و مع الاسف بينهم عراقيون ( بالاسم فقط و ليس بالانتماء)، و تم نهب 15 الف قطعة اثرية اصيلة من المتحف العراقي الذي يعد تاسع اكبر متحف تاريخي في العالم في التاسع من نيسان 2003 و الايام التي تلته و تم نهب و تدمير المتاحف في المحافظات وصولا الى متحف نينوى التاريخي. ان استهداف الاثار العراقية انما هو استهداف للعراقي، ذاكرته و منجزه الحضاري و ثقافته، و مهما كان موجعا يبقى هنا و هناك، في اية بقعة عراقية، الرماد.. سنجمعه، بأكفنا و نعيد من اعيننا صورا حفظناها لكل ما تم تدميره و تحطيمه و نعيد البناء ثانية.. و ليس غريبا ان كلمة ( فينيكس) التي تشير الى طائر العنقاء في الحضارة الاغريقية تعني نوعا من النخيل. فهذا الطائر الذي جاء ذكره في قصة السندباد- الف و ليلة و ليلة، ولد عراقيا، و كلما احترق فوق قمة نخلة يخرج من رماده طائر آخر ليعمر الف سنة اخرى. و يستمر توثيق الرماد و العشق طالما كنا هنا..

لا تعليقات

اترك رد