حكاية حمارة!


 
(لوحة للفنان علي طهيوش)

حينما كنت آتي القرية أجده يبيع الملوحة،لكنه وهب بسطة الأمل ،كل مرة يبيع البسمة مقترنة بتلك الأسماك التى اختزنها ليسترزق من ثمنها،الصبر ما أجمله من زاد!
كلمات لم أكن أدري معناها حتى غاب عمي مسعود وراء الصمت المطبق داخل المقبرة العميقة،زوجته امتهنت حرفته،تعطي بعض الليمون ممتزجا ببسمة طيبة،مكانه ظل كما هو ،الأتان تقف شاخصة من بعيد كأنما تترقب عودته،لم تكن تحسن غير النهيق واستجلاب أعواد البرسيم من العابرين؛الصغار يمتطون ظهرها،زوجة عم مسعود كانت طيبة ،تشترط على من يأخذ الأتان ليطحن القمح أن يطعمهما،هي والأتان في آن!
ذات يوم حينما كنت عائدا وجدت زوجة عم مسعود تجلس وحيدة عند باب بيتها،الهم يعلوها كآبة،سرق اللص الأتان،لقد ضاعت الدجاجة التى كانت تبيض لها كل يوم،سمعت أن ” البطال” أخذ الأتان وزينها وأحضر لها حبلا ثمينا وعلق برقبتها “ناقوسا”ليجذب إليها الطالبين خدمة والطاحنين قمحا،تألمت لذلك كثيرا،الأتان ازدهت على لداتها،أبت أن تكون مطية للصغار،اغترت بمقودها،تباهت بصنعتها،كلما جاءها واحد ليطحن القمح رفضت،وهل لمثلها أن تؤجر؟
صارت الأتان عبئا لا يطاق،لقد أنفق البطال كل ما جمعه من مال التسول عسى أن تؤدي الأتان بعض
عمل،لكنها أبت ،بدأ يفكر في أن يستجلب أحد العرافين ليفك حظر الأتان من العمل- فقريتنا تجاورها عند الضفة الأخرى بلدة عجنت بماء السحر، حتى اغتلس واحد منها ذلك الكتاب الأسود، صار الشيخ ذا النعم-هيهات يفلح العطار في دفعها لأن تزاول مهنتها السابقة،صعب على من ألف الدعة أن يكد من جديد،فللثياب المزركشة إغراء،وللمقود المخملي رواء وللجديد ألف وجه للطلاء!
وهل يعقل لمن زهت أذناها بكلمات الثناء أن تكد وتشقى،اختالت على لداتها فكل أتان دونها خيلاء،ما جاءت للبطال بحفنة دقيق ،ولا أطعمت حزمة برسيم،فالعجب يقتل صاحبه في صمت
لذلك لم يجد بدا من أن يطلق سراحها.
ولما كانت ماهرة بالأزقة عرف هذا عنها كل من رآها من قبل، التجربة تدفع بصاحبها أن يصدق كل قناعاته السابقة مثل نتوء بارز عند طاحونة الكيال، يالها من أسرار عجيبة لم يكشف أحد عنها ستار اللغو والحيرة،الجوعى دائما ما يطوفون بها في ليالي العتمة طلبا لحفنة من دقيق، حتى هذه الأتان حين أوجعها التبطل كثيرا ما بحثت عن بعض طعام ،ذهبت إلى مربضها الأول،لكن زوجة عم مسعود كانت قد ماتت حسرة عليها،لم تجد الأتان إلا وقفة بالبيت والدمع ينساب من مقلتيها حزنا على مجد ضاع.
ومن يومها ضرب المثل في القرية ببطال أتان عم مسعود،وهكذا تمضي الحكاية متلبدة بصوف شياه تختبيء من الشتاء؛ألا يأتي الغول الرابض في حفرة جوار الترعة الكبيرة من أن يلتهم الصغار،كل ليلة تخوف الأمهات أطفالهن من مصير أتان متمردة!
ولكن هيهات فالقرية تعاود الحكي غير متعظة ،دار الغراب الأسحم ،لكم أكرهه،له رقبة كريهة ،نفسه مطوية على البغض،سرق الأتان مرة ثانية ،ولأن الزمن يحتاج اللاعبات على وتر المخلاة وجدت سوقا رائجا،وهل تغيب من لعوب مهنة ؟
لم تغب عني تلك الحكاية، كل ليلة أسرد لأطفالي تاريخ ما أهمله الرواة من حواة القرية، لا أدري من يهبني أمثولة أخرى، لكن التعلل بهذا يعطي بعض تذكر، وإن كان من خيوط مهترئة.

لا تعليقات

اترك رد