الهوية العربية : الخصوصية والبحث عن الذات – ج2


 

لا يخفى على أحد أن غالبية المثقفين العرب متحزبون أو متعصبون لهذا المذهب أو ذاك، بل إن الباحث يمكنه أن يجدف بمجداف جديد كل يوم حسب أهوائه وحسب الرياح العاتية. العديد من الباحثين والمفكرين لا يثيرون القضايا العربية الراهنة بهدف تحليلها أو معالجتها بطريقة موضوعية وعلمية أو إلقاء ضوء جديد عليها، وإنما تعد محاولاتهم للبحث في الواقع عما تنطبق عليه بعض النظريات المأخوذة من النماذج المستوردة لتطبيقها.

ويعد الإنبهار بالنموذج الإشتراكي أحد النظريات التي لاقت رواجا كبيرا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، والتي عمل البعض على قطع بعض الأفكار والتصورات وفصلها عن نظريات هذا النموذج. فنجد في ثنايا هذا العمل الفكري العربي المعاصر تعبيرات معاصرة يضفيها المفكر على أنظمة أو حركات أو حراك اجتماعي متغير في الزمان والمكان.

لقد ساد الفكر العربي المعاصر نظريات وفلسفات متنوعة رصفت رصفاَ دون النظر إلى أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية وظروفنا وتاريخنا ومقوماتنا الثقافية وواقعنا الديني، دون الأخذ بالإعتبار رأسمالنا الثقافي والرمزي للأمة. وكثر استعمال مصطلحات ومفاهيم ذات صفة تقريرية مسبقة وتجاوز بها البعض إلى ألفاظ تقويمية مفروضة يتم بموجبها تصنيف الناس بين حداثي ورجعي ويميني ويساري…

ولعل أخطر ما أصاب العقلانية العربية هو الحالة من عدم التوازن التي خلفها سقوط المعسكر الاشتراكي وما تبعها من حالات التداعي والانهيار وإعلان التبعية للإمبريالية الأمريكية والتعويل عليها واعتبارها النموذج الأقوى و المخلص الأوحد رغم عدائها الكبير للعرب والمسلمين بشكل عام ووقوفها دوما إلى جانب الكيان الإسرائيلي وممارساته في حق الشعب الفلسطيني.

وكأن ظاهرة الإتكال أصبحت مرضا مزمنا أصبنا به قصدا أومن غير قصد، فنحن نطلب العون دائماَ من الخارج ونعول على حلولنا من الغرب سياسيا واقتصاديا، وكأن مفاتيح مشاكلنا في أيدي الآخر. ولم ندرك بعد أن أوراق اللعبة ليست لا في يد روسيا ولا في يد الغرب بل في أيدينا نحن الذين لا زلنا نتعامل كمحميات مستضعفة.

فالبحث عن حال الذات خارج نموذجنا وواقعنا أدى بالعديد من المثقفين العرب عامة إلى الاستهانة بوحدة الشخصية القومية العربية والإنجراف وراء الدعايات الكاذبة لأنماط مستوردة وتابعة ، مما أدى إلى السقوط المدوي والتخلف اللامحدود وانتشار مفاهيم التنظيم الموجود مسبقا الذي يستند إلى تطور سطحي وتنمية فارغة من مضمونها الإنساني مكرسا جل أنواع التبعية والتخلف.

وكم كان حرياَ بنا وضروريا أن نستعين بالنماذج الشرقية والغربية ليس بوصفها نماذج جاهزة حين نطبقها نتقدم وحين لا نطبقها نقبع ضمن الدول المتخلفة، بل كمنظور وسياق تاريخي يتيح لنا فهم التجربة التاريخية لبلدان سبقتنا في مسار التنمية والتقدم الحضاري والعلمي والتكنولوجي.

هذا المنظور الذي يتيح لنا استشفاف معالم ومكونات النماذج الأخرى لنخرج بمنهج تحليلي نسلطه كالضوء ليكشف عورات واقعنا العربي المعاصر ونقط قوة وضعف مسارنا التاريخي ، ونحاول من خلاله دراسة العوامل والإشكاليات والمسائل التي ما زالت تخيم على فكرنا العربي وتجعل عالمنا العربي رهين التخلف والفوضى الخلاقة.

فالمرحلة الحالية من الفكر العربي يجب أن تتجاوز بعض السجالات العقيمة والحلول المسبقة والبحث مليا في الحلول التي تأخذ بعين الإعتبار واقعنا المعيشي اليومي وليس الإيمان بنظريات ونماذج غربية وشرقية لم تساعد مجتمعاتنا العربية في شيء بل كرست مفهوم التبعية والخضوع للآخر لعقود خلت ولم نجني منها إلا الدمار والخراب.

لا تعليقات

اترك رد