قراة في ثنائية الفراش والكرسي – ج2


 
(لوحة للفنان احمد الخالدي)

الفراشُ كائنٌ ناعمٌ وحيٌّ وهو الذي نجلس عليه وننام فوقه ، الفراش يسمع هسيس أحلامنا وحواراتنا ويشاركنا صمتنا وصخبنا ، دعوني أتخيل فراشي أنه سرير وكرسي ، والفراش يعرفُني منذ أول يوم اقتنيته ليكون كاتم أسراري والعارف بشخصيتي ، فهو لو استطاع كشف أسراري فما عساه يا ترى أن يقول عن هذه الإسرار ؟
في غرفة نوم كل واحد منا ثمة سرير مغطى بمرتبة أو مطرحة محشوة بالقطن أو الإسفنج يعلوها شرشف مشجر أو مخطط أو يكون بلون واحد وتعلوه الوسادة التي تحمل ثقل رؤوسنا طوال الليالي . في البدء الوسادة تسمع ما أفكر فيه قبيّل أن تجرفني سيول النعاس لتلقي بي في عوالم النوم ، حيث الأحلام تَترى في أمكنة الماضي البعيد أو القريب ، أتكلم فيها مع الحي والميت والحيوان والزرع والماء والحشرة وكل تفاصيل الحياة ، بطريقة أقرب الى الفنطازيا، كل هذا تسمعه وتحسه وتشعر به الوسادة ، فبقدر ما هي محشوة بالقطن فأنني أنا سارد الحوارات وقاص الأحلام والواقع في أحابيل الكوابيس ، احشوها كل ليلة بالمزيد من هذه العوالم ، فيما المطرحة التي تحتي تتحسس نبضات قلبي وهي ترتفع أو تنخفض بحسب مناسيب الروعة أو الرعب التي اشعر بها وأنا استغرق بأحلام تتراوح بين البياض والسواد .
أما الملاءة التي أتدثر بها فهي سماء خفيضة تمنحني الدفء وتستر عرييّ الفادح ، وأنا أُلامِسُ المرأة التي تبوح معي تلذذا وابتهاجا وأنا أطارحها التأوهات والهمهمات والكلمات البذيئة ، كل هذا يسمعه الفراش ، والزوجة هي الأخرى لها حياتها السرية مع فراشنا المشترك ، وفي تاريخ الفراش ينشطر ويتعدد هذا التاريخ ، دعونا نرحل الى مساكن بابل القديمة وندخل إحداها ، هناك باحة في وسط هذا المسكن تروي لنا عن سرير مصنوع من سعف النخيل المحاذي لشط الحلة ، وقد ناما عليه حبيب وحبيبة أصبحا اليوم بعيديّن عنا بما يكفي لضياعهما الى الأبد ، هذان الحبيبان مارسا الجنس وإلتذا حدَّ الصراخ ، فوق هذا السرير المفروش بليف النخيل المُنَعم عبر تأطيره بأقمشة ذلك الزمان ، فقط تاريخ السرير وتاريخ الفراش يعرفان ذلك فهما صنوان ، لان الإنسان مارس عليهما لعبة الجسد الأبدية ، وربما وفي أيام غير قليلة تخاصم هذان الحبيبان ، فأدار كل منهما ظهره للآخر ، الفراش والسرير وحدهما الشاهد على ذلك ، وها نحن نستجوبهما .. لنبقى في أنفاق تاريخ الفراش لنتخيل أن ثمة كوخ لفقير في أقاصي الجنوب أيام حكم الجندرمة والإقطاع ، وثمة رجل هدّه التعب نهارا وهو يحفر الترع والسواقي ، أو العمل في دوّس بيادر القمح والشعير وقد نهره الحلم مع سطوع نجمة الفجر ، حُلْمٌ على شكل إمرأة نصفها ماعز ونصفها الآخر إنسان وكلما حاول الإمساك بالمرأة الماعز تفر من بين يديه كشبح ، فينهض من نومه ليسطو على زوجته ، يجلس القرفصاء عند رأسها ويهمس في إذنها برفق كي لا يستيقظ الصغار الذين خفَّ نومهم بفعل غارات البعوض على أجسادهم المكشوفة في عراء الليل ، تستيقظ المرأة تنهض ساحلةً جدائل نعاسها لتشاطر زوجها فراشه الملقى على الأرض قرب زريبة الجاموس، قشر جسدها فدخل هذا الحدث تاريخ وذاكرة ذلك الفراش المتسخ ، لكن غير المدوّن كغيره من تاريخ الأفرشة التي لم يدرْ في خلدها إنها ستتهرأ ذات يوم وينتهي بها المطاف ملقاة في كومة أزبال تواجه مصيرها لوحدها دون رحمة ووفاء منا نحن الذين خلقنا لها تاريخا منسيا ودون علم منا ، بل دون أدنى خجل من إنها تعرف أسرارنا سراً سراً ، وهي القريبة من كل خلجاتنا حتى تلك التي نستحي منها أو لا يشرفنا أن يعرفها أي احد أو حتى نقوم بها لولا حيوانيتنا وغرائزنا التي تدفعنا لممارسة فعل النوم والمضاجعة فوق فراش هو الأقرب لمقترفات كهذه .

انواع الافرشة :

– فراش المريض
– السجين
– الهارب والغريب

*الفراش يعرف كل شيء لكنه عكس الكراسي لا يبوح بتاريخ صاحبه ومن نام عليه ، حتى لشريكتك التي شاطرتك النوم والمغازلة سنوات طويلة ، لا يقول لها مثلا إن زوجك وفي قيلولة الظهيرة مارس الاستمناء على ممثلة أو زميلة في العمل أو جارة بظة مكتنزة الأرداف ثم مسح منيه بالشرشف ، لم يبح الفراش بشيء كهذا البتة للسيدة التي تعتني بهذا الفراش في كل صباح فتعدله وتنظمه لينام فقط عندما نستيقظ مغادرين غرفة النوم ، مرددا أحلامنا وكوابيسنا وتاريخ خياناتنا الزوجية ، الفراش كائن وفيٌّ لم يخبر الزوجة إن زوجها وإثناء زيارتها لإهلها استل عاهرة من قارعة الشارع وتمدد معها فوقه ، الفراش لم ولن يفعل ذلك ، ولم يخبر عن خيانة زوجته لزوجها مع عامل ينظف الشارع أو سائق (ستوتة) يبيع الغاز أو عامل عداد الكهرباء ، الفراش لا يفعل ذلك.
دعونا من هذا كله لنروي حكاية أخرى بطلاها الفراش والكرسي ، دعوني أتخيل إن الطفل عندما يولد سيتحاج الى الفراش وكلما كبر هذا الطفل كبر فراشه معه ، فهل الفراش هو تاريخ الإنسان الفسلجي ؟ يكبر معه ويتعلم منه حكايات كثيرة تعلمها الإنسان في خارج البيت لتنعكس بأي شكل من الأشكال على الفراش ؟ هل الفراش هو تاريخ موجوداتنا الروحية منها والمادية وبالتالي فان الفراش ثقافة منسية ومهملة ؟
جاء في مرويات الإنسان القديم إن فراش الإنسان الأول كان جلود الحيوانات ، فهي لباسه ودثاره وفراشه وهذا الأمر استدعى أن تنفتح فعاليات الصيد على مداها لتتعدى الغذاء لتدخل في صلب حياة الإنسان الأول إنسان الكهف البدائي ، لتكون ثقافة الصيد مركزية فهي التي تمنح حياته معناها ووجودها لأنها توفر له ديمومة الحياة من عواتي الطبيعة فبدون الغذاء والمأوى ستنقرض هذه الحياة ، والفراش الفرائي هنا أو الجلدي القديم هو كما فراش الإنسان المعاصر ، له أسراره وخفاياه وكتوماته وانغلاقاته ، ففي كتاب الكهف العتيق نطالع هذا النص :- يدخل عاشق وعاشقة متوحشان في كهف شنايدر لا بدافع شيء سوى الهرب من البرد والمفترسات ، يحمل كل واحد منهم حزمة من الحطب يوقدانه بطريقة تسخين الحجرة بمرود خشبي ليدوره الموقِد على عشبة يابسة .. يدّور ويدّور ذاك المتوحش الأول ، تتقد العشبة لتولد النار خجولة ثم سرعان ما تبث روحها الساخنة في كومة الحطب فتتوهج النار يسري دفئها في جسد المتوحشيّن الحبيبيّن ليعم الدفء جسديهما ، يسلخان أرنبا بريا ويشويانه على النار التي هدأ روعها ، يأكلان ، يشبعان ، هذا ما رواه كتاب الكهف العتيق ، ثم ينظر أحدهما بعين الآخر فتستعر الغريزة ، تومض ، تنتصب ، تغمض المتوحشة عينيها فتجوسها خشونة الذكر ، يحدث هذا على فراش من الصخر ، فراش الإنسان الأول ، أرض الكهف لم تقل ذلك ، أنا قرأت هذا الحدث في كتاب الكهف العتيق كما حدثت بالضبط ،
الأفرشة لا تفشي أسرار المستلقين عليها صخرا كانت أم سريرا عباسيا في أحد أجنحة الخليفة هارون الرشيد ، الرغيد ، السعيد ، عندما نزع عمامته ودعا زبيدة أن تستدير إلى الخلف ، كل هذه الأشياء لم يفشها الفراش ، لكن الإنسان هو من افشى هذه الأسرار الذاتية منذ نقش على الكهوف ما يخيفه ويشغله من إسرار هذا الكون العجيب ، فمارس لعبة الفن ،

لا تعليقات

اترك رد