فقراء في الحب .. أغنياء في الكراهية


 

تعيش البشرية وغالبية العالم الإنساني كل عام وفي الرابع عشر من فبراير احتفالات عيد الحب، أو عيد العشاق أو يوم القديس فالنتاين، وهو الإحتفال الذي يرمز الي المحبة والعشق والهيام، حيث يتبادل المحبون على اختلاف اطيافهم وأديانهم وأعراقهم الهدايا الرمزية والكروت الحمراء أو الورود الحمراء تعبيرا عن السعادة والحب فيما بينهم. وتختلف الروايات التاريخية بشكل كبير عن تحديد هذا اليوم ومن المقصود فيه، إذ تحكي الروايات عن قصص كثيرة، ولكن نأخذ منها ثلاث. نبدأ بالأولى حيث من المرجح أن عيد الحب يعود لمهرجان روماني كان يحمل اسم “لوبيركاليا”، ويستمر لمدة ثلاثة أيام. وكان الاحتفال يعقد في منتصف فبراير، مع البداية الرسمية لفصل الربيع، تمجيدا لإله الخصوبة. حيث تحكي المصادر الرومانية أن شباب القرى في عيد الرومان كانوا يجتمعون منتصف شهرالنوار/فبراير من كل عام ويكتبون أسماء بنات قريتهم ثم توضع في صندوق ويأتي كل واحد من هؤلاء الشباب ويسحب ورقة من الصندوق والفتاة التي يخرج له اسمها تكون عشيقته إلى السنة القادمة فقط.

وتروى قصة أخرى دارجة بشكل كبير مفادها أن قسيساً يدعى فالنتاين كان بعيش في أواخر القرن الثالث الميلادي تحت حكم الإمبراطور الروماني كلاوديس الثاني وفي يوم 14 النوار/فبراير قام هذا الإمبراطور بإعدام القس فالنتاين بتهمة الدعوة إلى النصرانية. وتزيد رواية أخرى أن هذا الإمبراطور وجد أن العزاب أشد صبراً في الحرب من المتزوجين فأصدر أوامره بمنع عقد أي قران، ولكن القس فالنتاين عارض هذا الأمر وأخذ يعقد قران الأزواج سراً في كنيسته ولما افتضح أمره أخذ إلى السجن وفي السجن داوى ابنة سَجَّانه من العمى فوقعت في غرامه وحين جاء وقت إعدامه أرسل إليها رسالة وأمضى فيها باسم (المخلص فالنتاين).

وتحكي الرواية الثالثة أن القديس فالنتين اسم التصق باثنين من قدامى ضحايا الكنيسة النصرانية وقيل هو واحد توفى في روما أثر تعذيب القائد القوطي (كلوديوس) عام (296م) وبُنيت كنيسة في روما في المكان الذي توفى فيه عام (350م) تخليدًا لذكراه. ولما اعتنق الرومان النصرانية أبقوا على الاحتفال بعيد الحب السابق ذكره لكن نقلوه من مفهومه الوثني (الحب الإلهي) إلى مفهوم آخر يُعبّرُ عنه بشهداءِ الحب ممثلاً في القديس (فالنتين) الداّعية إلى الحب والسلام الذي استشهد بحسب زعمهم في سبيل ذلك الحب. واعتبر القديس فالنتين شفيع العشاق وراعيهم الي عصرنا الحالي.

لقد قيل الكثير والكثير عن هذا اليوم والعيد، ولكن في النهاية إلتصق عيد الحب بالقديس فالنتاين بغض النظر عن القصة الحقيقية، واستمرت الشعوب في غالبية الدول والمجتمعات تمارس طقوس هذا اليوم بالحب فقط والدعوة الي نشر المحبة وتبادل الهدايا. ومثل أي قضية تمر على العالم العربي والإسلامي تأتي من الغرب أو تتعامل معها الشعوب الاسلامية، كامتداد الإحتفالات بعيد الحب في المجتمعات العربية والإسلامية، واجه هذا الحب وهذا اليوم معارضة شديدة وفتاوى كثيرة أطلقت لمنع الاحتفالات تحت حجج واهية وتأويلات ضعيفة وكراهية كبيرة، الهدف منها منع التفاعل الإنساني مع مشاعر الحب وقمعها تحت مسمى الدين وعدم التشبه بالغرب والنصارى واليهود. وهنا نتساءل، أين المضرة أو السوء أو التشبه في أن يحتفل شخص أو شخصين بشيء يجلب الفرحة للذات، فهو ليس تقليد فج أو حالة سيئة أخلاقيا بقدر ما هو تعبير رمزي عن المحبة بأنواعها، لنسترجع فيها محبتنا لمن يعيش معنا بهدية، تماما كعيد الأم الذي أوجده الغرب أيضا.

فيكفينا اليوم تلك المغالاة في تحريم الأشياء بلا سبب، فلم تتضرر الأمة العربية والإسلامية أكثر من الفتاوى الشاذة والتحريمات التى تعتمد على غلو فقهي وكراهية لكل ما يأتي من المختلف الآخر عنا. فأين دعاة المسلمين من تحريم ومحاربة حالات البؤس والحرمان والجوع التى تمر على عدد كبير من المحتاجين في المجتمعات

الإسلامية، وأين هم من حروب اليمن وقتلى العراق ودمار سوريا، فلم نسمع منهم أن هبوا لمساعدة الفقراء والمحتاجين إلا في حالة التصوير لنشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، أو جمع التبرعات المادية والتى غالبا ما تذهب الي الجماعات الجهادية الإرهابية التى تمارس القتل لا الحب، وتدفع الي الشؤم لا التفائل والمحبة. وأين هم عن حالات التخلف والفساد والذمم المنتهكة وفشل التعليم والصحة والتنمية بطول وعرض المجتمعات العربية والإسلامية، بل أين هم عن نماذج داعش والقاعدة وكل من يقتل استنادا على النص الديني وأحاديث الدين وليس على ورود الحب؟!!

لقد وصلت بعض الأنظمة العربية وفي سابقة خطيرة في القمع والإستبداد بإن جعلت من المراكز الأمنية وقوات الشرطة تخرج الي الشوارع لتراقب وتقمع وتمنع أي مظهر من مظاهر الإحتفال بعيد الحب ارضاءا للمؤسسات الدينية، بينما تسكت هذه الأنظمة ورجال الدين عن الاستبداد السياسي وقمع حرية الرأي والتعبير. انهم لا يخافون من تدني مستويات الشفافية وتراجع مؤشرات الاقتصاد والتنمية بقدر ما تخيفهم وردة حمراء وهدية تقدم الي عاشق ومحبوب أو محبوبة قد يكون زوجا أو أخا أو أبا أو خطيبا أو عاشقا وعاشقة. فلم يكتفي تجار الدين بالفتاوى والمحرمات والمراقبة والقمع، بل اعتبروا الحب تعبير عن ممارسة محرمة، وكأن التاريخ الإسلامي بريء من السبايا والجواري وملكات اليمين والإغتصاب تحت ستار الدين، وكأن قصور الخلفاء لم تكن تضج بالجوارى والنساء والعشيقات والغلمان. لقد تركوا تاريخهم الموبوء بالخطايا واتجهوا الي معاداة الحب ومشاعر السلام والمحبة.

إن النفس الإنسانية تواقة الي الفرح والإحتفال، والي المشاركة مع الآخرين والتفاعل والإحساس، وهذا كله لا يتعارض مع الأخلاق والمباديء والقوانين أيا كانت مرجعيتها، والتى تدعو جميعها الي المحبة ونشر السلام. لقد مررنا هنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بكثير من المآسي والآلام، وأنهكتنا الشعارات الإسلامية التى وصلت الي كل مدى فقمعت كل جميل ودمرت كل تعايش، لقد بتنا نعيش تحت صراعات مذهبية وطائفية اتخذت من الدين الإسلامي شعارا لها للدماء والقتل والجهاد، أفلا يكفي هؤلاء الدعاة وتجار الكراهية أن يتركوا الشعوب ولو يوما ليمارسوا فيه نشر الحب لعل الورود تحمل رسائل الحب أكثر من السيوف التى تقتل باسم الدين، ولعل العشق يذيب القلوب القاسية التى ترى الفرح مخالفة للأوامر الإلهية. فنحن فقراء جدا في الحب والسلام، ولكن اغنياء في الكراهية والتحريم .. فاحتفلوا بعيد الحب كل عام، فإنما أنتم تمارسون إنسانيتكم وطبيعتكم البشرية وتحتفلون بالحب الذي غاب عن العقول القاتلة.

2 تعليقات

  1. العرب لايزالون منطوين تحت سطوة البداوة …التي تجعل من القاتل والغاصب والمعتدي بطل ..وتجعل من اللنسان المحب شخصا ابلها لاقيمة له ولا وزن في مجتمعه …ومما زاد الطين بلة ان هذه القيم البدوية القاسية تم دعمها من السماء على يد محمد وربه ..فاصبحت قيم البداوة القاسية قيم مقدسة لايمكن نقدها او محاربتها ..هكذا خضعت مجتمعاتنا العربية للافكار البدوية المقدسة ….ويلبسون قشور الحضارة التي اصبحت لا تليق بهم …انها مجتمعات ممسوخة من الاف الي الياء ..مقال اكثر من رائع ..تحياتي

    • شكرا لك عزيزي على قراءة المقال واتفق معك تماما في رؤيتك حول مسببات التراجع، فالدين تغلف بالقبلية والتي بدورها أنشأت مجتمعات ريعية استبدادية.. تحياتي لك

اترك رد