التحليق

 
(لوحة للفنان آ.د نصيف جاسم)

لا مسوّغ للقراءة دون متعة سيما الشعر، ولا متعة دون فهم؛ ومتعة الشعر في إدهاشه بتقريب البعيد من المعنى، وخطف اللمحة الشعرية التي تنقلك إلى مدّيات عبر الزمان والمكان بلمح البصر، ثم تعيدك إلى نقطة الانطلاق، ولكن بانتشاء: ضاحكاً، باكياً، قلقاً، خائفاً، خاشعاً، مستنفراً.

وكلٌ تلك المتغيرات تعتمد في تحققها على أمرين: جودة النسج الفني للشعر بناءً ومعنىً وما تحويهما هاتان الكلمتان من دلالات، والاستعداد النفسي للمتلقي والتأثير الشعري عليه في الفهم والإدراك، ولعل هذين الأمرين هما السببان في تسمية البيان “سحراً”.

وقد استخدم العرب الشعر آلة “إعلامية” طاحنة -إن صح التعبير- في مقارعة الأعداء والأنداد، وإنما سمَّيْتها “طاحنة”؛ لأنها رفعت أقواماً وحطت آخرين، ووضعت من قبائل كانوا سادةً وقادةً

و “المبالغة في المبالغة” فنٌ من الفنون الشعرية التي تزيد في جودة الشعر وإمتاعه، ولم أجد تسميةً لهذا الفن سوى “التحليق”، وهو أن لا يكتفي الشاعر في التصوير والتشبيه والنعت فيأتي بإضافة متكونة من مفردة واحدة -أو أكثر- تضاعف من حسن الدلالة بإشباع المعنى، وكأنه –أي الشاعر- لم يطر وحسب، بل وحلق عالياً أيضاً.

وبعض صيغ المبالغة والتحليق أتى بها القرآن الكريم وقد أفاد منها الادباء في صناعتهم للشعر والبلاغة ومنها قول رب العزة: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.

يقول أهل البلاغة : لو جاء القول يوم تذهل كل (امرأة عن ولدها) لكفى الا ان البلاغة في قوله سبحانه ” كل مرضعة ” والمرأة المرضعة أقرب إلى الوليد

وأول بيت لفت انتباهي لهذا النوع من الفن كان في الهجاء؛ وهو قول حماد عجرد في هجائه لبشار بن برد، وكان حمادُ هذا يهجو بشّاراً فلا يلتفت إليه بشّار ولا يحسبه شيئاً حتى قال فيه:

ويا أقبحَ من قردٍ … إذا ما عَمَي القِردُ
فبكى بشار وقيل: إنه جزع جزعاً شديدًا.

وقد أَوّلَ بشارٌ جزعَه هذا وعللَهُ فقال: يراني ولا أراه، يريد أنه أعمى لا يستطيع أن يرى فيصف، ويرد.

ولو سكت بشار عن هذا القول ولم يقل شيئا لكان خيرًا له، إذ أنه صرّح واعترف “ضمناً” أنه قبيح، ولعل هذا من حمق بشار؛ فقد نسيَ أنه لا يرى حماداً، ولا يرى نفسَه أيضاً، كما نسيَ أنه هو نفسُه القائل :

كأن مثار النقع فوق رؤسنا…وأسيافُنا، ليلٌ تهاوى كواكبُهْ

وهذا البيت دليل على أنه لا يحتاج البصر ليرد على حماد.

والشاهد في هذا البيت أن حماداً قد بلغ في هجائه الغاية حين قال “ويا اقبح من قردٍ”، ولكنه في زيادته بقوله:

“إذا ما عمي القرد” قد أثخن به حتى أتى عليه، وهذا ما أبكى بشاراً وأجزعه.

ومن جميل التحليق قولِ بشار نفسِه في بائيتهِ الجميله:

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى … ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟

ومعنى قوله “ظمئت”: اي مت ظمأً. وقد أتم المعنى، وبلغ المرمى حين قال:

“ظمئت”، ولكنه بقوله “وأي الناس تصفو مشاربه” قد ضاعف الجمال وأمتع وأدهش.

ومما يذكر في هذا الباب -والأمثلة كثيرة- قول النابغة في مديحه للنعمان بن المنذر:

فإنَّك كالليلِ الذي هو مُدْركي … وإنْ خِلتُ أنَّ المُنتأى عَنكَ واسعُ

والنابغة في بيته هذا أتم المعنى في صدر البيت “كأنَّك كالليلِ الذي هو مُدْركي”، وبلغ الغاية غير أنه حلق عالياً في قوله :

وإنْ خِلتُ أنَّ المُنتأى عَنكَ واسعُ.

ومن جميل ما يذكر في هذا الباب من الشعر المعاصر قول بدر شاكر السياب في رائعته المومس العمياء:

ويح العراق، أكان عدلاً فيه أنكِ تدفعين
سُهادَ مُقلتِكِ الضريره
ثمنا لملءِ يديك زيتاً من منابعِه الغزيره؟
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟

فقد خطف ذروة المعنى، ونال منتهى المبالغة في قوله “بالنور الذي لا تبصرين”

كذلك قول الأخطل الصغير في قصيدته “فتن الجمال وثورة الأقداح” إذ يقول:

يا ذابح العنقود خضب كفه … بدمائه، بوركت من سفاح

وهو في قوله: (يا ذابح العنقود خضب كفه…بدمائه) قد ادرك المعنى وناله بعفوية مع حسن بناء وجمال صنعة، إلا أنه ابدع وأحسن وحلَّق في قوله: بوركت من سفاح.

ولقد أدهشني عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة “الحرب”؛ وهي من قديمات قصائده؛ إذ يقول:

النارُ أدرى بأن الكوخ من قصبٍ … يورى، وأن صخورَ القصر تعييها

انظر الجمال المطلق في قوله “وأن صخورَ القصر تعييها” وما انطوت عليه من حسن دلالة وبعد معنىً وفتح افقٍ جديدة للجمال؛ فقد حلق بها عالياً.

وفي القصيدة نفسها يحلق عبد الرزاق مرةً أخرى بصورة تكاد تكون من أبشع الصور في وصف الدمار بقوله مخاطباً الحرب:

فأحرقي كلَّ طفلٍ في لفائِفه … وشوهي كل حسناءٍ، وأبقيها

ولم أرَ أكثر تأثيراً في المعنى وإمعانا في التوكيد والمبالغة من قوله “وأبقيها” فقد أمسك بعرى المعنى وأحاط به من كل جانب.

وصدق من قال: ان من البيان لسحرا.

المقال السابقأتنام مظلوما ..أم ظالما ؟
المقال التالىكيف إذن نتوب ؟
حسان الحديثي كاتب وناقد عراقي من مواليد مدينة حديثه، محافظة الأنبار ويعيش حالياً في المملكة المتحدة يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية الرصينة منها وكالة أنباء الشعر له مخطوطتان تحت الطبع هما " حديث الخميس " ، " والسياب شاعر الانسانية الاكبر " هو أيضا رجل أعمال ويدير شركات في الامارات العر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد