بطلة روايات وأسماء مستعارة

 
(لوحة للفنان زهير حضرموت)

تسألني عن أحوالي وعن ما آلت إليه أمور حياتي خلال غيابك الذي طالَّ وطال؟
تسألني وتُلِحُ في الأسئلةِ متذرعاً بالقلق والرغبة في الاطمئنان علي؟
تسألني وتريدني أن أُنصتَّ إليك بإصغاء واهتمام بالغين، وتريدني أن أجيب على أسئلتكَ بإسهابٍ ووضوح؟
لطالما أنصَتَّ إلى أسئلتكَ وتساؤلاتك المتلاحقة، ظني أني كنت خيرَ مستمعةٍ لكَ وخيرَ متفائلةٍ بوجودِكَ في حياتي وبمستقبلي معك.
عجباً !! كلُ العجب !!
كيف تسألني وقد عرفت أني كنتُ تلكَ الحسناءَ اللاهثةَ وراءَ الموعدِ المستحيلِ، ظني أنَ المستحيلَ مَعَ الأحبةِ جائزٌ، وأنَ لا مكانَ للمستحيلِ أو المُحالِ معَ الحُبِ، وأنَ في الآتياتِ مجالاً، بل مجالاتٍ وافرةً ومتنوعة.
ياه، كم كنتُ ساذجةً، بل بلهاء !! ياهٍ وياه !!
هل علمتَّ يوما يا من دأبَ طيفُهُ على زيارتي، ويا من طرق أبوابَ حلمي أنني غالباً ما كنت أسير وسط الزحام وأنا أكاد لا أعرف نفسي ؟
وهل علِمْتَّ أن أشياء كثيرة كانت تراودني وتتردد في مخليتي وتداعب أحلامي وأنا أعيشُ بأوديةِ الفراغِ وحيدَة ؟
وهل عرفتَّ كم من المراتِ فقدت بوصلتي وأنا أسعى لوصالِكَ، فتاهت زوارقي في عبثِ الشجون، واحترقت معاطري وجَفَّ عبيرُها بينَ المباخِرِ، وبدا الوصالُ بعيداً بعيداً بعيدا ؟
أشياء قد لا يجدي ذكرها مع أني غالباً ما أنتظرتها بكثير من الأناةِ والصبر والأمل، خاصة عندما كانت تضن علي بالمجيء.
كنت أظن أنها لن تأتي أبداً، أو ربما تأتي بعد أن يمضي الأوانُ ويفوتَ قطارُ الشوق.
بماذا ترديني أن اخبرك ؟
هل تريدني أن أخبرك أنني كنت أهم الى سريري كي أوهم نفسي بالنعاس والرغبة في الرقاد الذي جافاني مذ عرفتك ؟
أم أنك تريدني أن أخبرك أنني ما كنت أفعل ذلك إلا هروبا من الواقع المؤلم إلى عالم الافتراض، بل إلى عالم الخيالِ والوهم ؟
هل تريدني أن أخبرك أنني غالباً ما كنت أغفو لأصحو على موعد مع الشوق؟
وهل أدركت يوماً مدى حبي لك؟
وهل وهل وهل، وألف هل وهل؟
نعم كنتُ تلكَ الحسناءَ الساذجةَ، بل البلهاءَ، اللاهثةَ وراءَ الموعدِ المستحيلِ، ولكني كنت أدركُ أن اليومَ المعهودَ لمْ يأتِ ليأتي معه الموعدُ المعهود، بل كنت أدركُ تماماً أنهما لن يأتيا أبداً!!
وكنتُ على الدوامِ أرسمُ من خيوطِ الوهمِ آمالاً عريضة، وأضربُ معَ الآهاتِ لنفسي مواعيدَ بعيدة، وأتصنعُ الابتسامةَ والفرحَ، بينما كانت جعبتي ملأى بكمٍ هائلٍ من الآلامِ والأوجاعِ التي لطالما أخفيتها عنكَ وعن الجميعِ عن قصدٍ وسابقِ إصرارٍ وترصدٍ، حرصاً على أنوثتي وحفاظاً على كرامتي، وحتى لا أخسركَ، علماً أنني لم أكسبك يوماً.
وكنت على الدوامِ أنسى أو أتناسى أنَ أجمل ما في حديث الحب بالنسبة للرجلِ الشرقي هو أن تُشْعِرَهُ المرأةُ من وقتٍ لآخر بذكوريتهِ، أو تُذَّكِرهُ بها، لذا كنتُ أبدو كمن تتقن فن العشق في العالمِ الافتراضي، أو في زمن اللامعقول.
ولهذا أصبحت أنظر إلى من يغادرون عالم قلبي من الرجالِ بلا مبالاة، ودون أن أكلف نفسي عناء البحث عنهم، ولا حتى مجرد السؤال عن الجهات والبلدان التي قصدوها.
وهكذا بِتُّ بطلة روايات الحب والرومانسية تلك، التي يُذكر فيها اسم الحبيب أمامها مرات عديدة ويبيت قلبها في انتظاره على مقعدٍ شاغر وسط حديقة وهمية، وهي تقسم مراراً وتكراراً أنها كانت عمياءَ القلبِ والوجدانِ، وأنها واصلت مسيرتها في طريقٍ رسَمَّتْ على جنباتِهِ أسماءَ مُستعارة !!

المقال السابقمن يحدد الأعمال السيادية
المقال التالىعائلة .. !!
محمود سعيد كعوش .. كاتب فلسطيني من مواليد 29 أيار، ميرون، صفد، الجليل الأعلى، فلسطين المحتلة. متزوج وله أربعة شباب. مكان الإقامة السابق لبنان ومكان الإقامة الحالي الدانمرك ـ اسكندنافيا. حاصل على درجتين جامعيتين في الإدارة والأدب الإنكليزي. عمل في مجالي التعليم العالي والترجمة والإعلام المكتوب والمسم....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد