يا أنا


 

مسافة زمنية كبيرة بين الحلاج، المتصوف المعروف و المثير للجدل في حياته و بعد اعدامه و بابلو نيرودا الشاعر التشيلي المعروف بمواقفه السياسية التي جعلته ان يغادر بلده و لم يعد اليه الا ليتوفى. كذلك هناك مسافة جغرافية بعيدة بين الاثنين و مسافة ثقافية، و لكن مهما بعدت المسافات الزمنية و المكانية ، هنا لابد من القول بأنني لم اهضم يوما المصطلح ( زمكان) ربما لآنني غالبا لا احب اختصار الزمان و المكان، و مهما اختلف الحبيب فأن الحب يبقى كما هو، سواء الحب بمعناه الاوسع او الحب بين اثنين. في احدى تجلياته التي يصفها البعض بانها شطحاته، يقول الحلاج: “انا من اهوى و من اهوى انا/ نحن روحان حللنا بدنا…

فاذا ابصرتني ابصرته/ و اذا ابصرته ابصرتنا”. و يقول نيرودا في احدى قصائده من ديوان ( مائة سونيتة حب) : ” قريبة حتى ان يدك على صدري يدي/ قريبة حتى اغفو حين تغمضين عينيك” . ان يعبر اثنان مختلفان في كل شيء عن الحب بالصورة نفسها، يعني ان الحب هو نفسه منذ ان بدأت الخليقة، اقرب طريقة الى الله سبحانه، فالايمان الحقيقي حب كبير. ان نحب، يعني ان نعيش و ليس نحيا فقط، و الفرق كبير بين الفعلين. الحب يختصر فترة انجاز العمل و هو نفسه الذي يدفع الجندي ان يقاتل مبتسما. لندور باعيننا عمن حولنا، هل سنجد الحب الذي يبني و يضحي و يعمر النفوس و التي بدورها ستعمر البنيان ؟ اخشى ان يكون جوابي بالنفي، بل هو جواب يفرضه الواقع. الخراب يبدأ من الروح . اؤمن بأن الذي لا يحب نفسه لن يقدر على حب غيره، و لكن حبا سويا و ليس انانيا يدمر الاخرين و يديم نفسه. الحب في معناه الاوسع هو الخير و الجمال و العطاء. و الحب في العراق اساس البشرية، اذ تقول رواية يتناقلها البصاروة شفاهيا ان سيدنا ادم استمر متوسلا الله سبحانه لسنوات بعد طرده من الجنة ان ينزله في ارض تشبه الجنة و كانت تلك الارض هي القرنة في البصرة حيث التقى بأمنا حواء في اول لقاء حب حقيقي في التاريخ، ذلك اللقاء الذي انجب البشرية. ان الحب الذي اسس لحضارات العالم بدأ من العراق و لابد ان يعود اليه كبرا و واسعا كما كان.

” لا تصلح المحبة بين اثنين الا ان يقول أحدهما للآخر يا انا “، يقول شيخ متصوفة بغداد سري السقطي. ” يا أنا “، هو الاخر، لايهم من يكون و كم يختلف عني و عنّا، ان استمرار وجودي انسانيا يكمن في الاخر الذي يكمل بعضه بعضي. هذا الاخر قد يكون انا او انت، هو او هي.. و… يا انا

لا تعليقات

اترك رد