الصنمية ونفاق المقدس


 

الصنمية ونفاق المقدس

بوجذرة وكمال داود وآخرون.

ما من أحد يجهل رشيد بوجذرة إما مادحا في الرجل أو قادحا فيه بما أبدعه أو بما جنا عليه من خلال كتاباته وانتقاداته السياسية و تحليله للظواهر والأمراض الاجتماعية ناهيك عن الملفات التاريخية التي لطالما أرهقته وجعلته ينظر للخلف إلى زمن الخمسينيات من القرن الماضي وكأنه يبحث في الحاضر عن الكاتب الموقف بمنطق سارتر و عن القضية التي ضاعت بين الناس بلغة فرنز فانون كخيارات وقناعات تبنى بها الشخصية الجزائرية مستقلة على غيرها . رشيد بوحذرة الذي أحب اللغة الفرنسية وأتقنها حد التفوق على كثيرين ممن هم فرنسيين و أبدع لغة صافية أنقذت الفرنسية في الوطن العربي وفي الجزائر بالتحديد يجد نفسه بعد نصف قرن من الكتابة يعارك الريح بسيف الدونكيشوت فلا الريح لامست طواحين الهواء و لا السيف ضرب ضربته ورجع إلى غمده إنما الذي بقى التعب ملصتقا بالكتفين و المنكبين وظل الرأس بوجع الأجراس المفقودة في الواقع. بوجذرة الذي أحب رواياته قليل من الخلق على مشاربهم وعلى اختلافهم ، والتف حوله عدد من الأدباء في السبعينات حين لمع نجمه مع رواية المطلقات وبدأ النجم يظهر هنا وهناك حتى صار إلى لغات كثيرة وتحول إلى الشاشة الكبيرة برواية سنين الجمر الذي شرفت العدسة الجزائرية بالسعفة الذهبية و شرفت العالم العربي والإفريقي معا مع كل ذلك بقى خارج الأكاديمية الفرنسية التي قربت آسيا جبار و أمين معلوف وأبعدته لسنين كأنها العشيقة التي تلهو وتعذب معشوقها. بقى الروائي والشاعر خارج ميدان الجوائز والأوسمة ومع ذلك بقت دودة الأدب تنخر عقله ولا تجعله يهدأ منتقدا الإسلام السياسي تارة والوطنيين تارة أخرى و بين الرضا والسخط على النظام الجزائري و الأنظمة العربية يترنح بين الوسطية شاتما مشرّحا و شاكرا بل مساندا لبعض الخيارات التي آمن بها و ناصرها عن قناعة.

هناك من قال أن الرجل يروّج للغة الاستعمار وطبيعته السيكولوجية تميل إلى الاختلاف لذلك يختلق الخلافات الأدبية و التصريحات الغير مسؤولة، الحقيقة الرجل شجاع بما تتضمنه الكلمة من معنى وأستطاع التصريح بما هو يدافع لأجله في حوار مع الشرق الأوسط:” أنا الشيوعي الأخير في الجزائر” معلنا بذلك انه كاتب إيديولوجي رفعته أعماله إلى سقف الكتاب الكبار مهما لفّت حوله شبهات ومؤاخذات نعتبرها خيارته و أسلوبه في الكتابة حين يكسر المسافة التي تحمي الكاتب أن يصاب حيائه بلكمة الكلمة الفاضحة.

كثيرة هي الحجارة التي رميت على الروائي الذي يتقن ثمانية لغات والتي اطلع من خلالها على ثقافات عديدة واتهم بالتثاقف وحطت أصوات من شأن كتاباته كما كتاب رواية جزائريين آخرين نالوا الرشق بمثله.

الرجل يكتب بالفرنسية التي قال عنها يوما أنه بدأها في الستينات لأن الجزائريين معظمهم كانوا لا يعرفون العربية لكنه قال أيضا في ذاك الوقت بدأت الرقابة تعمل عملها وبعد ذلك يعلن عشقه الأبدي للعربية، لسنا حراسا للنوايا لكن الرجل صرح أن اللغة حيادية أيضا وقد يكون محق في حالة واحدة فقط إلا إذا كان الكاتب موضوعي وصافي عقله من كل ايدولوجيا وهذا يكون مستحيلا في أغلب الحالات لأن الكونية صعبة المنال.

رشيد بوجذرة الذي تعدت كتبه الخمسين نالت الرواية الحظ الأوفر فيها جميعا يحب المعارضة على الدوام لأجل أن يكتب ويبدع ، نقاشاته غير محدوددة ، نصوصه سرية تخرج إلى العلن كما باقي حياته السرية فكلما خرج للعلن هروبا من الرقابة البوليسية في وقت مضى خرج معه عملا مركزا وبعد خوفه من السجن تحول إلى خوف من الموت وفي كل الحالات يعتبر ذلك متعة ما بعدها متعة لأنه ربما يشعر بقيمة الوقت وأهمية أن يكون مستهدفا لأنه يتحرك ويتغلغل من خلال ما يعالجه، لن نتهم الرجل انه يعيد ما يكتب، ولن نقول أن زمنه مضى بل أنه يستحق أن يكتب أكثر وأن يلقى المنافسة مع غيره.

أذكر جيدا في ملتقى دولي هذه السنة أن محاضرا قال في محاضرته وهو يخاطب واسيني الأعرج ” لا نريدك أن تتوقف عن الكتابة لأنك لو قلت كما في روايتك السيرة الذاتية أنك انتهيت فسننتهي معك” أوكما قال وعلقت حينها ونحن على طاولة الغذاء مع ثلة من المشاركين أن هذا الكلام غير مسؤول وأن كثيرا من النقاد والأساتذة جاهلون لكتـّابهم لأنهم لا يقرؤون في الحقيقة ونحن نقصي روائيينا وكتابنا بامتياز لأننا سلبيون كبحنا جماح الإبداع والنقد معا وآمنا بآلهة لأنفسنا صنعها غيرنا. كثير من الروائيين لا يذكر لهم أثر وتبقى الأسماء المهيمنة لا تتعدى عدد الأصابع ومن بينهم رشيد بوجذرة الذي لم أسمع يوما أنه أنعت الطريق الوعر الشائك لأي مبدع وأعطاه طوق نجاة.

ما من شك الرجل آثر البقاء في الجزائر زمن العشرية الحمراء محروسا لأنه كان ضد المسار الانتخابي وضد الإسلاميين و لم يؤمن بالديمقراطية التي أفرزتهم على عكس الطاهر وطار و غيره ممن كانوا ينادون بحل للأزمة وكل له خياراته، لكن في الحقيقة وجدت بوجذرة في كثير من حواراته متناقضا مع نفسه فكيف يكون شيوعيا و في نفس الوقت علمانيا؟ وكيف ينادي بحرية المعتقد والرأي و لا يقبلها لغيره، وكيف يمارس أحكاما بمثل التي أعلنها كون الرواية المصرية لا ترقى إلى مصاف الروايات المغاربية و العالمية ونحن نعلم أن غالبية الروائيين الحداثيين المصريين نالوا جوائز البوكر باستحقاق في حين فشلت معظم الروايات الجزائرية على نيلها ولو أن للجوائز مقياس جائر من ناحية.

صاحب رواية أشجار التين الشوكي الذي يكتب في البورنوغرافيا و يفتخر أنه أول من كتب في الجنس لا يستهويني أدبه كما الكثيرين من القراء وكما قال أحد النقاد المصريين محمود الغيطاني أن النخبة في مصر وحدها تعرفه؛ حين يصرح بوجذرة لإحدى الجرائد الجزائرية المعربة بأن موت آسيا جبار يعتبر ” اللاحدث” تتغير بوصلة من بقي من القراء ويخف الوزن الخفيف لما تبقى من أدب داخل محيط الأدب؛ إنه يختار الدفاع عن الأبوة المتطرفة للأدب الجزائري وهذه تفقده ما تبقى من قرائه.

ننظر إلى الحملة الشرسة التي أعلنها على كمال داود في محطة الهقار و كيف اعتبر رواية “مورسوــ تحقيق مضاد” بأنها رواية عادية و لا تستحق الكلام الكثير الذي قيل عنها ولا كل هذه الزوابع، تصريحات لمحطة الهقار ضد كمال داود الذي كانت لا تفصله سوى خطوة لنيل أكبر جائزة أدب في فرنسا جعل بعض المتابعين للمشهد الأدبي و الثقافي يقولون عن بوجذرة حرم نظيره الجزائري من التتويج بسبب الهجوم العدائي ، إنني اعتبر أن الروائيين الكبار و المخضرمين في الجزائر لا يريدون الاعتراف بالآخر ولذلك يفقدون مصداقيتهم يوما بعد يوم أمام القراء وبذلك فإنهم لا يحترمون حتى الذي كتبوه و دافعوا عنه في زمن مضى. إنني احترم الروائي كقامة أدبية جزائرية و عربية لكنه عجز عن إقناعي يوما بما يكتبه هذا لا يعني أنه عجز عن إقناع آخرين أمثالي.

1 تعليقك

  1. الكاتب من الجيل الجديد، وطريقتة في الطرح، تنم عن توجه جديد للكتابة النقدية الجزائرية. كتابة اكثر وجاهة تبتعد عن التملق ، وتعبر عن شجاعة ادبيةناذرة. ولكن لي ملاحظة حول العلمانية والشيوعية. الإيديولوجيتين، ليستا متناقضتين تماما، فالشيوعيون يتقاطعون مع العلمانيين في نبذهم للدين، ويعتبرونه كابح للارادة، الفردية او الجماعية. فالعلماني والشيوعي لايؤمنان الا بما يرونه.

اترك رد