عن ديوان قيثارة الماء للشاعر الدكتور سعد الحداد

 

تعزفُ أسئلة المطر
مثلُ أغنيةٍ في حنجرةِ قيثارةٍ متأهّبة للغناء، يبدو الماءُ بين كفيّ الشّاعر، تنثالُ قصائد زرقاء ، شفيفة.
فأيّة قصائد هذه، المتشحة بالزرقة والموسيقى ، الجانحة نحو الخلود؟ّ!

حتى تكون الأغنيةُ خارجَ الزّوال، خارجَ الموت، وحتى أكون مع الماء الذي يهبُ الحياة ،أينما تواجد، أواكبُ أغنيته الأحلى.. يؤرّثها لثالوث لا ينفصلُ ركنٌ فيه عن الآخر مهما بلغنا من عزمٍ وقوّةٍ لاقتراف جرم .

لن يجرؤ أحدٌ أن يباعدَ قصيدة “سعد الحداد ” عن وطنٍ، أوعن أنثى تخصّه ، أوعن حياةٍ ينشد، لعزف أحلى ما في حرفه من ألحان ؟

إذاً اعزفْ لنا..

اعزف لي أيها الشاعر!

يا صاحب قيثارة من ماء معطر!

تعالوا معاً، نقتفي أثر أصابعه المائية، وهي تبدعُ لحنَ هذا العشق الجميل. أثراً له رائحة امرأة تهطلُ ببهاء كما المطر في الأوردة، أخذ الشاعر كلّ الوقت ليشكلها كما يريدُ وبصمتٍ، لتضربَ أوتارَ حضورها بأناقة لا تحدّ. تعتلي المشهد، تنشر الضوء بينما الجهات معتمة، وينطلق اللحن ولا أحلى، فتترنح همسة نديّة تصبّ على الشموع السّمراء المتحرّكة، همسة امرأة تقول:” تشجّعي أيتها الأصابع المبدعة ،” تماماً كما جملة ” جورج صاند”، وهي تدفع ببخار فمها إلى أصابع ” شوبان” الباردة وهي تهمُّ بالعزف .

الشاعر لا يملك الأصابع كأداة فحسب، وإنّما يملكُ حنجرةً وقلباً من ماء وعطاء أيضاً، يهدي كلّ حرف إلى المرأة التي تبدو المحور الأساس في معظم قصائده دون استثناء، بينما يكون هو كوكباً يدور في فلكها، ويكون اللونُ الطاغي على الحروف، بهرجُها وعبيرُ شذاها، تفوحُ من خلاله القصائد ، حتى لتبدو الأنثى عالمه الخاص، وأمواج عشقها خارطتُه، وأشواقه ولواعج الجوى شراعُه، وقلبه الخافق بوصلته إليها، وخطوها السّمتُ المؤدّي إلى الحياة. فحروفُه مبنية على خلايا جسدها، وبريق سحرها – لم يخرج عن هذا العشق الشذي إلاّ قليلاً- متلاهف كي تشاطره المرأة المصطفاة حلاوة العشق، فهي الفراشة التي تحلّق في فضاء الحرف، يحثّها كي تقاسمه متعة الرّبيع، يرجوها أن تجرّب طقوس اقتطاف النجوم، راغباً أن تمطره قبلاتٍ من حبّها الماسي، بينما التحليق في عالم النشوة لا يكون إلاّ بالتوهّج :

” فتوهّجي أيّتها المسكونة بالسّين

مثلما روحي تلحف السروة الأنيقة

وتراقصي بين يديّ وردة تنثر الشذا..”

إنها قيثارته..

قصيدته..

دعواه..

إلى التوحّد كي تستعمرَ شفتيه، وتكون بقلبها الشهيّ حنطته المفضلة، فأيّ أرض خصبة تُنبتُ تلك البذور المقدسة؟

إنه ولا شكّ جمالها، الذي أسرج مواويل أحصنته، بعد أن تمتّع بسحر مفاتنها، وهيامه بثغرٍ متفرّد، يراه كرزاً يُغوي بطقوس النداوة، فيحسد الغيمة التي تستجمُّ على شرفاته، ثغر يطلق من بين شفتيه حرير البوح وترانيم القيثارة. ولا ينسى مقلتيها اللتين تضوعان فرحاً بين أصابعه حين يتهجّى لون عينيها ويرى فيهما اختصاراً لكلّ جواب.

والسّؤال الذي يُطرح: ما سرّ هذا العشق الكبير، الذي فاضت به القصائد؟ ما سرّ هذا التوق اللا يحدّه حدّ ، والذي بلغ به درجة الجنون ، خاصّة بعد أن امتطت الحبيبة صهوة الرّحيل، ولوّحت بمناديل حقائبها؟ فأخذت أقنعة الورد على جسده تتطاير نوافذَ جنون، والصّدرُ بين ذراعيه ينزّ لظى، وقلبُه يستعرُ، ودمُه يتوهج احتراقاً، فيؤرّث النفس ليشهق محموماً.

إنّ الجواب ليأتي واضحاً، فالشاعرُ العاشق يُخفي حقيقة عشق يتخيّله لامرأة يسفح أمامها عطر الكلام، فلا يتمكن من البوح بما يشعر تجاهها ، على الرّغم من أنها تعيش معه، تمضي في طريقه، حواليه، بين أوراقه، عند فوّهة قلمه، يستحضرها في كلّ لحظاته . بيد أنّ هذا الذي يكابده من هيام، ما هو إلاّ مجرّد تخيّل لشاعر يحترق عذاباتٍ من اشتهاءات ورغائب. هو الخجول من البوح حتى ضفاف كلّ شعرة في ذقنه المؤبّدة، والتماع السّواد في خاتم يشدّ على بنصره الأيمن، يُضيئه طهر خرقة خضراء على بُعدٍ وجيز .

تلك قرابينه إليها، ومشتهاه، طينٌ باردٌ وبراءةُ ورد.. وحلم بحجم رجل يأملُ عشقاً، كي يرتقي ذات خواء سلالمَ النبضِ مع أنثى، على راحتين مترفتين بالرّحيق، ليجرّب طقس الانسلاخ من الحضرة دون أن تراقبه عيون السّماء.

لنمضِ مع أغنية الماء، لامرأة ووطن، وصولاً إلى حياة تُستساغ في زمنِ الانكسارِ والخرابِ والدّم المسفوح دون أن يكون قرابيناً.

لنكن معه..

نردّد أغنية ألمٍ، نهرول معها على سطح حنجرته، بيد أنّ هذا اللهاث لن يكون بصحبة أنثاه فقط، وإنّما يتضافر مع وطنٍ حاضرٍ أبداً. فكم رغب أن تتخلّق زهرة على كفه، وحين تنمو تشهق وطناً تستعيد به الذاكرة.

الشاعرُ لا يفصلُ بين ثالوث عشقه البتة. لا يفصل بين أنثاه ووطنه وبين الحياة:

” قمرك الوطن، الذي لا يُجارى في السّكون..” وكما هي جميلة وفاتنة، يرى الوطن فيها جميلاً. فتنبثقُ منها الحياة، يقتفي كلّ آثار الرّحيق في العشب المترع ، يدوخ لأنّ حبّها المزعوم دوّخه. هي الدّرب الذي يبعث النشوى انجذاباً، ينثرُ عليه أحلاماً عِذاباً. وحين يتكلمُ عن الوطن لا ينسى أن يؤرّث ترنيمة خاصة له تبلغ حدّ التألم، ذلك حين يعرض بأسى ما يعتري المجتمع من انقسامات، فوطنه حدائق غنّاء ولكن تفصلها خنادق ، فيصعب التلاقي بين جبلين مختلفين بحكم الأعراف والمذهب، لهذا يرعف حزناً دائماً وتشظياً، ويتنابعُ دماً:

” الطرقاتُ جبينٌ أبيض

يتسوّر الجنونُ قلبي

الجنون أعمى

وقلبي كتاب أبيض..”

هذا الوطن الجميل الذي تمزّق، والذي تسربله الآه على نغم ناسف، تنازعه الدّمعات، يرغب الشاعر المحزون أن تسوده المحبة، فالبلاد التي ماؤها حبّ تمسك بنهد. لهذا يكثر من أسئلته التي يوجّهها إليه مُندهشاً وكأنما يخاطبُ أنثاه!:

” حبّك لغزٌ يتفرّد بالحنين

وبعضُ دمي يلهثُ

لم يزهر فيه سواك

غصناً مازال ينمو في الكفين..”

فلا حبّ يعلو على حبّ الأرض، وهمّه الأكبر أن تبقى البلاد تضمّ من يحمل قرآناً أو صليباً، لا فرق بينهما. وأن تبقى محروسة بالعيون ، ليمضي في عشقها الذي يُشبه تضاريس روحه
والمكان، حيث لا يقف المكان، إنه متراحل مع تجربته، يتأبط الزمان ليغدو إطاراً مساهماً لعالمه الشعري المتدفق بالصورة المزهوّة والمغايرة، والمتألقة أبداً، حتى لو كان تعبيره عن حزن أو يأس أو خراب، فالأنامل يخزها الملح، والعيون تجمّر بأسمال الآلهة حين يحتشد الورد ثانية.

هذه هي قيثارة ” سعد الحداد” المائية

هذا هو العازف والمغني.. يشكلُ نصّه من أنساق ذاته المتفاعلة مع المرأة ، الوطن، والحياة، داعماً إياه بمعرفة فكرية، وتجربة واسعة، إذ نلمح رغبته الحثيثة في خلق نصّ مغاير يشكله من طينه، الذي يُحابي النار المترقبة، ليتصلصل بعدما يسربله إهاباً جديداً، مُطعماً بمعانٍ وصور كي يؤرّث لفظة شعرية مموسقة بتركيبات الجملة المشتعلة ببؤرة الدّاخل ، وأسئلته المغلفة بفلسفته، ورؤاه التي يفجّرها عبر بوابات الحلم، خاصة غوره في عالم حواء، وتلك العلاقة التي سوّرته منذ بدء الخليقة :

” قالت والمدى سربُ أسئلة

مذ متى وأنت تكتبُ في الأصلاب

قلتُ: كان معي هدهدٌ يتقصّى نبضَ الورد

ويسرج المواويل أحصنته

تسيح على جسد الماء..”

إنه” سعد” الشاعر الأنيق ، يوثق أبجدية شغفه، ورحيق تجربته، وفرادة صوته، بحروف تعتمدُ أشكالاً تعبيرية، تستبطنُ شكل مغامرة أصيلة ، مؤكداً أنّ القصيدة خطابٌ إبداعيٌّ، لكنه لا يخرج عن ساحة المعرفة، لذا بقي وعيه حارساً لتجربته الشعرية مقدّماً لها صوى برزت في القصائد. شاعر ذو صوت شعريّ له ملامحه ورؤاه، يشبه جناح فراشة مفعمة بالرّهافة، يحتفي داخله بحنين وشغف وحلم لعشق كبير وجمال روح دافئة، ومع ذلك تُحسّ بقوّته، فيبدو مثل جذع سنديانة، يمور بعنفوانات التساؤلات ، بينما يبقى كاخضرار شجرة تمتدّ إلى أعلى نشداناً للأمل، لغدٍ آتٍ، وهو بكلّ هذا وذاك شاعر متمكن، متدفّق متألق بإشراقات روحية نبيلة تتجلى في حبّه للمرأة / الحلم/ الوطن، والقيم والرّغبة الأكيدة، تحليقاً صوب أفق الجمال والحياة.

لا تعليقات

اترك رد