حكاية خميسة الخشت

 

كانت تتكوم على الرصيف الملاصق لمبنى المصنع المتهالك ساعات وأيام سيدة ريفية أربعينية العمر ثيابها ملونة مهلهلة تحمل بقايا ثراء قديم، وجهها ممصوص وشاحب وعيناها زائغتان، لكن فيهما مذلة غريبة

أيام وأيام لا يتغير أي شيء في جلستها هي على ذات الوضع، تصورنا أنها شحاذة لكنها لم تطب قط أي “شىء لله”
تصور أحدنا أنها من المعارضين لإغلاق المصنع القديم أو أنها من المقيمين في المنزل الذي انهار منذ بضعة أيام وما زالت بقاياه في عرض الطريق دون تدخل من بيده الأمر لحماية خلق الله من برد الشتاء وتوفير معيشة إنسانية لهم ولكنهم لم يهتموا !

هذا الرأي من أحد زملائنا بدا منطقيًا، ولكنه لم ينف شكوكنا حول السيدة، ماذا تفعل هنا كل يوم وأصبحت لغز يحاول الكل تفسيره؟
بعد فترة أظنها طويلة وجدت فوطة متسخة في يدها تقترب بها مترددة وخائفة من زجاج سيارتي، استغلت انشغالي بتدوير الموتور، وتنزيل الفرامل، وبدأت في مسح الزجاج بهمة، ومنه إلى جسم السيارة. أعطيتها “اللي فيه النصيب”، ومن بعدها وجدتها تفعل ذات الشيء مع سيارات أخرى.

وفى إحدى المرات وجدت لدى فضولا غريبا أن أعرف قصتها التي لم تتردد ولو لثانية واحدة في سردها
اسمي خميسه الخشت من سوهاج على باب الله وعوذاك تعرف أنى من بيت كبير وله تاريخ في بلدنا جرجا ولكن ظروف الحياة صعبة والحوجة مرة.

ظل التساؤل: لماذا اختارت شارعنا وهو صغير جدًا وليس حيويًا معظم من فيه سكان ليسوا بحاجة لأن ينظف أحد سياراتهم؟
زادت حركة السيدة، وارتفع صوتها تدريجيا” آه يمين، شمال شويه، بس.. بس”.. ليركن سيارات الجميع، ومع الفوطة المتسخة، أصبح هناك “جردل” به ماء وصابون وغيرهما من المستلزمات، كانت تنظف السيارات بنشاط وهمة غريبة وتتحدث مع الجميع بصدق وأدب ولا تتردد في سرد حكايتها لأي عابر سبيل

بعد فترة وجدت معها شابًا أقل منها في السن والحجم، وبالطبع ارتفع صوتها أكثر، وزال ترددها، وأصبحت في مكانها طمأنينة ما واستقرار ما، يتم ركن سيارات عديدة معا، وتجرى وشريكها هنا وهناك. وتوقف من كانوا يعتبرونها غريبة ومريبة، وخفتت الشكوك تقريبًا.. لقد أصبح وجودهما طبيعيا وعاديا
ما بعد منتصف الحكاية

هي دى الطريقة الجهنمية المصرية المبتكرة لاختراع سكة لأكل العيش .. الطريقة الجهنمية لاختراع الشيء من اللاشيء .

لا تعليقات

اترك رد