الهوية العربية : الخصوصية والبحث عن الذات – ج1


 

لا يخفى على أحد ما تتعرض له الشخصية العربية من محن وما نزل بالعرب من كوارث منذ القرن الماضي بدءاَ من حملات التتريك في أواخر عهد العثمانيين مروراَ بعمليات التشويه والتزوير التي حصلت على أيدي عملاء المخابرات الغربية عندما نشروا جواسيسهم في العالم العربي ، إلى معاهدة سايكس بيكو ووعد بلفور ثم التقسيم إلى دويلات قطرية التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا ،والتي اكتسبت نمطاَ من الشرعية صار له مناصروه والمدافعون عنه.

هذا التقسيم الحدودي الإستعماري خلف حروب إقليمية وطائفية وصراعات أيديولوجية أثرت سلبا على المجتمع العربي ومعه كانت الثقافة العربية تتهاوى حتى أصبح المشككون بوحدتها لا يجدون في الدفاع عن آرائهم ومعتقداتهم ومراميهم المصاعب والأفكار المضادة الشيء الكثير، فتشتيت الثقافة العربية في اتجاهات متعددة وبين مناحي عديدة والهدف من ذلك إفشال المشروع الوحدوي القومي العربي وإسقاطه .

فكان الانغلاق القطري وتحكيم المصالح الضيقة وجعلها أسمى من المصلحة القومية والادعاء بالانفتاح على تيارات الثقافة العالمية والغوص فيها إلا بعض من أشكال الاعتداء الثقافي الذي تتعرض له الأمة والذي يستهدف وجودها ذاته.

لكن نلاحظ في اتجاهات العصر الحديث يزداد اهتمام الشعوب والمجتمعات بتراثها وأصالتها وهي تسعى من خلال مفهوم التنمية لأن تحترم شخصيتها الثقافية ، وهذا الاهتمام نابع من الحاجة الأساسية لأي فرد أو جماعة وهي الحاجة إلى تأكيد الذات على مستوى الفرد، وتأكيد الهوية القومية على المستوى الجماعي وذلك من خلال التواصل مع إرث الأمة المادي والفكري. وهذا ما نجده بوضوح في سعي المجتمعات الحديثة الاستقلال للبحث عن جذورها الثقافية كي لا تكون هويتها منقوصة.

ويشكل التمايز الثقافي عقبة في وجه مشاريع الهيمنة والاستعلاء التي يمارسها المشروع الثقافي الغربي عامة، وخاصة النموذج الأمريكي فهو مجتمع بلا جذور يقوم على ذريعة لا تميز في مجال القيم بين الجوانب الروحية و الجوانب المادية، فهو مجتمع يتنكر للتمايز الثقافي وينطلق من منطلق يتمثل في اعتقاده بتفوقه وذكائه على الثقافات والمجتمعات الأخرى.

إن التمايز الثقافي من حيث أنه يستند إلى عمليات نفسيه و اجتماعيه هو دليل نمو واتجاه بالصعاب نحو النضج، وكلما كان التمايز واضحا فإنه يعبر عن مستوى أفضل في قدرة الفرد أو الجماعة على تنمية الجوانب الانفعالية وأنواع السلوك الدفاعي. مما يمكن الفرد أو الجماعة من التميز عن الآخر وينمي قدرته على التنظيم والتحكم في الجوانب الرئيسية لشخصيته في علاقاتها المختلفة.

يعبر الكثير من الباحثين عن سخطهم على كل النماذج التي تسعى إلى صوغ الأفراد لديها وفق قوالب محددة مما يترتب عليه من إضعاف القدرة على الإبداع والتعبير، وكذا تضييق الخناق على حرية الإختلاف والتنوع الثقافي.

اعتبر النموذج الغربي المثل الأسمى الذي انخدع فيه الفكر العربي والذي اعتبر الأمل في التخلص من التخلف الذي سببته سنين من الإنحطاط والتقهقر. وقد وصل الانبهار بالنموذج الثقافي الذي ساد الغرب من تمجيد العقل والعلم حتى أصبح البعض صنمين، وأصبح هم الباحث أن يكثر من استخدام مفاهيم العلمية والعقلانية ، ولم يكن في معظم الأحيان سوى اهتمام بالشكل على حساب المحتوى وقفز فوق الواقع.

لا تعليقات

اترك رد