زمارات الثقلاء والمجاذيب

 

إننا نتبرم من المعطوبين والثقلاء والدراويش ، محترفي المخادعات والدروشات المهنية ، الذين يفرطون في لغتهم وخيالاتهم ورطانتهم اللفظية والرمزية الخالية من المعاني والدلالات الحصيفة ، والمتملصة من الصدق والفذاذة والرنين الأنيق . إن زمارات الدراويش لا تطربنا ، ولا يمكن التصديق أن الدروشة ضرب من ضروب الثقافة ، أو لون من ألوان الإبداع . في هذا الزمن العصيب شاعت النغمات الصاخبة للدراويش ، الذين أفسدوا أذواقنا ، وسكبوا الملوحة والعفوصة والطحالب والرمل في أعيننا ، وحجبوا ضوء الشمس عنا ، ووضعوا سواتر ترابية تحجب عنا العفة والجمال وجودة السبك والفصاحة والأعمال الزاخرة بالذوق والجمال الباهر ، ورفعوا أنفسهم فوق عروش الثقافة والإبداع ، وانخرطوا في هلوسات وأوهام ومجاملات مقرفة ، ومنحوا أنفسهم ألقاباً وهالة أسطورية لا يستحقونها ، فيكتبون بأحاسيس باردة وعقول مثقوبة ومواهب فاترة ، تصنع زعيقاً وخربشات وتهويمات متحررة من كل قيد ، ولا تكترث بالنقدات والإيماءات والإشارات التي تصلها من هنا وهناك ، فهي إبداعات فوق النقد وفوق الواقع ، ودفعها السكوت عن رغائها إلى أن تبني لنفسها جيوباً ثقافية هشة ، فعرباتها تطحن الحدائق الثقافية والواعدة وتكسر الياسمينات والزنابق الرائعة ، وتحجب الأنظار عن اللآلئ والمحار في قاع المجتمع .

الدروشة بلبوسها وتلاوينها وجغرافية عقلها ممقوتة تثير الغبار وتعمي الأبصار وتطفق في سماء من الخيالات والأراجيف .

فهناك دراويش للسياسية ، ودراويش للدين ، ودراويش للثقافة .. فكل هؤلاء يتكئون على أريكة واحدة ، ويضعون كل شيء في سلة بيض واحدة ، ولا يميزون بين عناصر الصلاح والطلاح ، فيرقصون مع الراقصين ويبكون مع الباكين ويفرحون مع الفرحين ، ويعشقون مع العاشقين ، ملفعين بسذاجات وشطحات باطلة وأذواق معتلة . فالدراويش حولوا المؤسسات الإبداعية إلى ( لعبة ثقافية ) ، حسب تعبير أحد المبدعين ، ويفقؤون عين الإبداع بفراهة وتعصب وبمنطق غشيم .

الدروشة حاضرة في كل زمان ومكان ، ويختلف حجمها ودرجة حرارتها وشيوعها من قطر إلى آخر ومن عصر إلى عصر ، فلها رموزها ومنهجها في التبختر والتغندر والتغنج والإغواء ، وتحول الثقافة وينابيعها الرقراقة إلى جفاف وتصحر روحي ووجداني ، وتعطب الإبداع و تضعه على حافة منحدر سحيق ، وتمسخه مسخاً إلى نوع من الرتابة والسماجة والحفظ وتعليب الأفكار والجمل الطنانة والجوفاء .

فالمدن العريقة والخالدة والساحرة لا تحتاج إلى عبارات دخانية وطبالين ودراويش ، ومسرودات عشق خاوية من نكهة الدفء الروحي وعذوبة الصدق المجتمعي . المدن اللذيذة والشائقة تحتاج إلى رشاقة وثقافة ونطاسة تغذي العقل والوجدان ، ولا تضع على وجهها مساحيق تجميل وديكورات وأضواء زائفة .

المدن الرائعة لا تهوى المجاذيب والدراويش وحفلات الزار المشحونة بالركاكة والتهويش والجعجعة التي تفتقر للأناقة والرصانة والعطاء المثمر .

لا تعليقات

اترك رد