نبي بلا اتباع – يحاور الامواج ويخاطب النجوم -ج2

 

هذا هو الجزء الثاني من كتاب جديد بعنوان نبي بلا اتباع استعيد فيه ذكرى رجل من اهل الفقه والعرفان جدي الفقيه احمد بن عبد الله القنطراري، الذي كان واحدا من حملة الرسالة واشاعة نور العلم وخدمة كتاب الله في القرن التاسع عشر، في تلك الفيافي والقفار التي يتفشى فيها الجهل، وكان يفخر ان بين تلاميذه الذين علمهم القرآن الافا يحملون اسم النبي محمد عليه صلاة الله وسلامه، استعيده في هذا الكتاب واستعيد عن طريقه نوعا من ادب التأملات والخواطر العرفانية التي سبق ان قراناها في انتاج اسلافنا العظام امثال جبران خليل جبران ومي زيادة وميخائيل نعيمه وكبار ادباء الفر س امثال مولانا جلال الدين الرومي عليهم جميعا رضوان الله

مكابدات السفر في البيداء

ــ1 ـــ

خذلتني نجمة في السماء
كنت قد تعودت الاهتداء بها اثناء سيري في الصحراء ليلا
اختفت دون ان تترك خلفها اثرا او اعلم عنها خبرا ، غابت خلف سماء سوداء ، فلم استطع في غيابها تمييز الاتجهات
ولم استطع بالتالي ان احمي نفسي من الضياع
هكذا قال العارف بالله احمد عبد الله القنطراري.

ــــ 2 ـــــ

كان شيئا غريبا ان اسمع وانا اكاد اغيب عن الوعي ، بعد ان تهت في الصحراء ، وصرت ازحف فوق الرمل والحصى لا اقوى على المشي او الوقوف انهاكا وتعبا ، اواجه مصيرا مرعبا هو الموت ظمأ ، اقول كان شيئا بالغ الغرابة موجبا للدهشة والعجب ان اسمع صوتا ياتيني وانا على حافة الغياب عن الوعي يسالني ان اختار ماذ

اريد ان اشرب. أي خيار يعرضه هذا الصوت وانا الذي اتحرق لقطرة ماء تنقذني من الموت . واوضح الصوت قائلا بان هناك الحليب وهناك معصور الفاكهة وهناك الرائب وهناك الماء ، لم اتبين الا بعد ان تم انقاذي بسكب قطرات من الماء في فمي من طرف امراة عجوز ، ان صبيا صغيرا كان يرعى الجديان هو الذي وجدني على هذه الحالة وسمعني اردد فيما يشبه الهذيان انني اموت عطشا فكان عرضه السخي بتقديم انواع من المشروبات يتوفرون عليها في بيتهم ، لم اكن في واقع الامر استطيع ان اختار بينها لان الاولوية هي لشيء ينقذني من الهلاك ، اما وقد استعدت العافية والامان ، فاهلا قلت للصبي بهذه الخيارات التي تعرضها علي ، وساروي نفسي من حليبك وعصير فاكهة البساتين والرايب الممخوض في قرب مصنوعة من جلد الغزال ممزوجا بالعنبر ورحيق البردقوش .

بين الصحراء والبحر وبين الحضور والغياب وبين الصحو والغيبوبة ، كان العارف بالله احمد عبد الله القنطرار يخاطبني ولم يكن ذلك الصبي الا انا حفيده القادم من عالم الغيب احمد الصغير الذي تسمى باسمه.

ـــ 3 ـــ

كان شيئا مرعبا يحدث لي وانا اقطع هذه المفازة القاحلة الموحشة الجرداء ، لا تحف بي الا كثبان الرمان ولا يصافح بصري الا السراب يلمع في نهاية الافق ، صانعا انهاره الكاذبة ، اقول كان شيئا مرعبا ان التفت فاجد ان رفيقي الذي يسير بجواري ، وكنت اسمع صوته يسرد بعض حكاياته مع السفر في الصحراء ، قد اختفى، بعد ان توقف عن الحديث وهو في منتصف الحكاية التي ظلت منقوصة ، كنت التفت اليه لاحرضه على اكمال الحكاية ، فلم اجد غير الفراغ ، وفي فزع صرت اصرخ مناديا عليه باسمه ، فلا اسمع احدا يجيبني غير رجع الصدى ، وامسح الصحراء ببصري متنقلا به عبر الاركان الاربعة فلا اجد له اثرا، كانه حقا تبخر في الفضاء ، او ان احدا من اهلا الخفاء جاء واحاله الى كائن اثيري مثله لا تراه العين المجردة ولا تصل اليه حواس السمع والبصر واللمس ونبت في ذهني يقين ارتعش له جسمي خوفا ورعبا ، وهو ان مصيري في هذه البيداء لن يختلف عن مصير صاحبي ، وانني قبل ان اتمكن من قطع هذه الفيافي سوف الاقي مصيرا مثل مصيره على ايدى القوى الخفية المجهولة التي تملا هذا الفراغ المهول .

ولكن لان له حفيدا يحمل اسمه، استطاع هذا الحفيد ان ينفذ عبر السجف الذي تحجبه عن جده ويسرع لانقاذه من التيه.

ــ4ـــ

اتقاء لشمس الصحراء الحارقة الخارقة ، جلست في ظل كتيب رملي كبير واوقدت بعض الاعواد ، اصنع نارا لاعداد كاس من الشاي اقاوم به التعب ، حرصت على ان تكون النار في الحد الادنى الذي يؤدي المهمة ، لكي لا اضيف بوهجها حرارة الى حرارة الطقس ، وادخن سيجارة انفث مع سحائب دخانها شيئا من سحائب الضيق في نفسي ،واكتشفت وانا استأنف المسير انني اعود من نفس الطريق الذي جئت منه ، وقد اختلطت امامي الاتجاهات ولم اعرف والشمس تقف في قبة السماء فوق راسي ، محلي من اتجاهات الشرق والغرب والشمال والجنوب ، فاستدرت عائدا لاستئناف الطريق في الاتجاه الذي رايت انه الاتجاه الصحيح ، وسرت مسرع الخطا اسابق الليل والنهار لانفذ من هذا البون الصحراوي الهائل في شساعته وطول مسافاته ، وكان الاكتشاف الساحق الماحق الذي جعلني انكفي فوق الرمل باكيا صارخا نادبا حظي هو انني بعد ثلاثة ايام من المسير الشاق المضني اجد نفسي وقد عدت الى نفس الكتيب الرملي حيت رماد النار التي اعددت فوقها الشاي وعقب السيجارة التي دخنتها ، انزلت من على كتفي الجراب ومطرة الماء واتكات على كتيب الرمل اوقد اعواد نار اعد عليها كاس شاي ربما يكون كاس الشاي الاخير في حياتي واوقد سيجارة ربما تكون هي الاخيرة ايضا بعد ان نفد الزاد ونضب الماء ولم يعد في وسعي الا ان اوجه مصيري بصبر وشجاعة واسلم اموري لما كتبته لي الاقدار في اللوح المحفوظ .

الا ان هذه الاقدار المكتوبة في اللوح المحفوظ كان في اخرها سطر عن حفيد سوف يلتقي بجده ويكون بينهما ما يكون من تواصل يؤدي الى الخلاص.

ـــــ 5 ـــــ

يهماء يكذب فيها السمع والبصر

هكذا وصف شاعر بدوي الصحراء من واقع عمر قضاه يعبر فيافيها وحزونها واكوارها ولاقي حتفه فيها على ايدي بعض الاشقياء وقطاع الطرق من لصوصها ومجرميها.

انها فعلا متاهة يكذب فيها السمع والبصر والدليل انه لاحت لي وانا اعاني قيظ القيلولة وتهبط فوقي اشعة شمس الظهيرة كانها صهاريج من النار ايكة من الاشجار استغربت وجودها وسط الصحراء واعتبرتها هدية الهية تنقذني من الشر المستطير لسعير هذه الظهيرة ، كانت ايكة ذات اشجار تلوح من بعيد كبيرة ظليلة غزيرة الاغصان والاوراق وعندما اقتربت منها وجدت انها لم تكن غير مجموعة نبتات عجرم ضيئة الاحجام لا يزيد ارتفاع الواحدة منها على شبرين ، يابسة الاعواد، جافة ، منزوعة الورق ، لا تنفع لمقيل سحلية لا لمقيل انسان ، فلم ازد على ان رددت قول الشاعر بصوت عال

يهماء يكذب فيها السمع والبصر

فجاء الصدى مرددا البيت كان هناك مجموعة صوتية من عشرات الاشخاص تنشد من ورائي بيت الشعر تاكيدا لما عناه البيت، بانه ليس البصر الذي يكذب ولكنه السمع ايضا.

ولكن هناك من سمع البيت وراه نداء شيخ ضل الطريق فجاء مسرعا للانقاذ، مدركا ذلك الصغير ان عندما ينقذ هذا الشيخ فانه لا ينقذ الا نفسه من التيه.

تأملات العارف بالله في زماننا الحاضر

اراد الحفيد الحائر، الذي اظناه هذا الزمان، وعاش تقلباته واكتوى بما اظهره من الوان الحيف والظلم والهوان للانسان، ان يبحث عن بريق امل في كلام جده العارف بالله احمد بن عبد الله القنطراري فساله عما يسميه اهل هذا الزمان قدوم الالفية الثالثةوانصرام ايام واعوام وعقود القرن العشرين وقدوم القرن الحادي والعشرين قائلا:

عندما كان القرن العشرون يدنو من نهايته، ناشراً فى الأفق مناديل الوداع، مفسحاً الطريق لقرن جديد من عمر الزمان، وأمل جديد فى عالم أبهى وأكثر عدلاً مما كان ، ارتفعت أصوات تدين ما كان من امر هذا القرن الذي شهد ابشع الحروب، ابادت اقواما وازهقت عشرات الملايين من الارواح ظلما وجورا، فماذا يقول مولانا العارف بالله احمد بن عبد الله القنطراري. فاجاب العارف بالله على سؤال حفيده بهذه الكلمات:

نعم ، هناك اصوات كثيرة ارتفعت تدين ما حدث من ظلم وعدوان، الا ان اصواتا اخرى كثيرة ارتفعت بعكس ما قال الكارهون للعهد الذي مضى، فبجوار الصوت الساخر الناقم، هناك صوت مادح شاكر، وصوت هازل ساخر، وكلها تشترك في رسم صورة، لاهم ملامح القرن الذي انضم الى اسلافه من قرون غابرة ، وساذكر لكم

سبعة اصوات هي التي وجدتها اكثر وضوحا وارتفاعا، وساعرض عليكم ما سمعته منها كما وصلني:

الصوت الأول : سيذهب هذا القرن فى التاريخ حاملاً فوق رأسه تاج العلوم باعتباره القرن الذى حققت فيه البشرية أعظم اختراعاتها العلمية.

أن حجم ما تحقق من اختراعات واكتشافات علمية خلال هذا القرن يبلغ أضعاف (ربما عشر مرات) ما حققته البشرية من اكتشافات علمية خلال ملايين الأعوام. مما أتاح لإنسان هذا القرن أن ينتفع بمنجزات علمية بلغت حدا عجز خيال الأولين عن الوصول إليه .

الصوت الثانى : سأسميه قرن الجرائم الكبرى فلم يعرف العالم شيئاً اسمه الحرب العالمية إلا فى هذا القرن، الذى اندلعت فيه حربان من هذا النوع، وحروب أخرى أبادت وأهلكت أعداء من البشر توازى ما أهلكته الحروب التى خاضتها البشرية فى كل العصور السابقة، كما عرف هذا القرن أشرس وأعنف أنواع الحكم وأكثرها شراً، مثل النازية والفاشية والستالينية وهى أنظمة حكم تناسلت وأفرخت مسوخاً شائهة أخرى ما زال بعضها لم يلفظ أنفاسه بعد.

الصوت الثالث : سأسميه قرن ملاحم التحرير الكبرى، فقد ظلت أنظمة الاستعباد والهيمنة قرينة بنشوء المجتمعات وقيام الدولة الحديثة، وازدادت استفحالات مع بروز الظاهرة الاستعمارية إلى أن جاء هذا القرن ليشهد انتهاء أنظمة العبودية والتفرقة العنصرية وتصفية الظاهرة الاستعمارية وحصول الأمم والشعوب التى كانت ترسف فى الغلال على حريتها واستقلالها، عدا جيوب صغيرة، لن يطول الوقت حتى تنال استقلالها، فهو إذن قرن خير وبركة على شعوب الأرض.

الصوت الرابع : سأسميه قرن الدجاجة والسكين فالحكاية الشعبية تقول أن الدجاجة ظلت فى مأمن من الذبح لأن صاحبها لا يملك سكيناً، حتى تطوعت هى ونبشت الأرض وعثرت له على السكين الذى سيذبحها به. وهكذا فقد ظل الإنسان ولعصور طويلة فى مأمن من الإبادة الكاملة إلى أن جاء يوم السادس من أغسطس عام 1945، تاريخ ذلك التفجير النووى الذى أهلك مدينة أهله بالسكان، والذى أعلن أن نهاية الجنس البشرى صارت ممكنة فى أية لحظة عن طريق هذا الاختراع الشيطانى.

الصوت الخامس : سأسميه قرن الانتصار النسوى، فلم يعرف العالم عصراً حققت فيه المرأة انتصاراً على مستوى المشاركة السياسية، وحضوراً فى الميادين الإدارية والعلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية مثل هذا القرن، بعد أن عانت من القهر أحقاباً طويلة، ووصل الأمر وأدها حية كما كان يحدث فى مجتمعات الجاهلية.

الصوت السادس : سأسميه قرن تدمير البيئة، فلم تشهد للبيئة تلوثاً ولم يشهد العالم تخريباً لأرضه وبحاره وهوائه وسمائه مثلما حدث خلال هذا القرن، إلى الحد الذى نشأت معه أمراض لم يعرفها العالم من قبل وأخطار تهدد الحياة فوق كوكب الأرض مثل الثقوب فى طبقة الأوزون عدا الانفجار السكانى الذى يهدد الموارد الغذائية فى العالم بالاستنزاف.

الصوت السابع : سأسميه قرن التكتلات والتحالفات والمجموعات الاقتصادية الكبيرة، وسأكتفى بالإشارة إلى ما عرفه آخر القرن، لأنها الأكثر عجباً، إذ من كان يظن أن أقطاراً مثل أقطار القارة الأوروبية التى كانت على مدى التاريخ تخوض أشنع الحروب ضد بعضها البعض، تنتظم فى اتحاد سياسى اقتصادى. كالاتحاد الأوروبى، ثم نراها تنتظم فى تكتلات اقتصادية أخرى تجمعها مع دول أمريكا وآسيا، ونرى دول أمريكا تجمعها تكتلات تضم دول الجنوب، وهكذا الحال مع بقية دول العالم، التي تبدا في بناء سياق جديد للبشرية ربما يشمل كل اقطار العالم.

اما ما اقوله انا عن الزمان فان قسمته الى ايام واسابيع وشهور واعوام واقرون والفية اولى وثانية وثالثة، ان هو الا تقسيم وهمي، انما هو نهر ينبع من ارض الازل ويصب في ارض الابد، امواجه نور وظلمة، ليل ونهار، وما للانسان الا لحظة هي تلك التي يعيشه فهي اثمن اللحظات واكثرها اهمية .

مخاطبات الامواج

سألت القادم من الغيوم موجة عذراء ارتطمت بالصخر عند قدميه ، ورفعت صوتها ببراءة عما يحدث فوق الارض من ضجيج يغطي على ضجيج الامواج وهي تصطدم بالصخور ، فهل هناك فوق الارض كما في البحر تيارات وصراعات وامواج فقال النبي القادم من خلف الغمام للموجة البريئة .

ما تسمعينه يتصاعد من اهل الارض في المدن والمحافل هو صوت ما يسمونه الوعود الوعود الوعود التي ينام الناس ويستيقظون على سماعها

وعود .وعود. وعود.

أنها وقود الحياة السياسية في كل زمان ومكان ولعلها وقود الحياة الإنسانية بشكل عام.

فما اجتمع حاكم ومحكوم إلا وكانت الوعود ترفرف فوق رأسيهما كالحمائم يطلقا الحاكم أو طالب الحكم لإسعاد المحكوم ولو بالأمل والرجاء

وأكثر اللحظات التي يشتد فيها انهمار الوعود على رؤوس العباد هي أوقات الحملات الانتخابية مثل هذه الحملات التي انطلقت في بريطانيا منذ بدء المهرجان الانتخابي البرلماني الذي يأتي مرة كل حمس سنوات والذي صار بفضل المحطات الفضائية مادة معروضة لكل الناس بدأت الأحزاب تصدر بياناتها وتطلق شعاراتها وتقدم للناجحين البرامج التي ستتولى تنفيذها إذا فازت بالأغلبية البرلمانية التي تؤهلها للحكم .

وكل ما تحتويه هذه البيانات والشعارات والبرامج هي بقة جميلة براقة من الوعود وهي وعود لا أحد يعلم على وجه التحديد نسبة ما سيتحقق منها ولكن الجميع يعلمون أن ما لن يتحقق أكثر من ذلك سيتم تحقيقه .

فهذه هي طبيعة الدعاية الانتخابية بل هي طبيعة كل أنواع الدعاية في الدنيا انتخابية أو غير انتخابية أن تريك الإيجابيات وتخفي السلبيات تظهر الجانب الجميل وتجتهد في إخفاء الجانب القبيح وقد تصل الدعاية الانتخابية إلى أن تقدم صورة مناقضة ومعكوسة للحقيقة التي لن يكتشفها الموطن إلا بعد فوات الأوان ولعل النازية في هذه الحالة تكون أبرز مثل في التاريخ الحديث للدعاية التي تبشر بنقيض ما جاء الحزب الناري لتحقيقه فقد بشر هذا الحزب أهل بلاده الألمان بالقوة والمجد والثراء أثناء الحملات الانتخابية وحكم بعد أن وصل إلى السلطة بالحديد والنار وأودي بالبلاد إلى مهاوي الموت والخراب والمهانة والهزيمة.

هذه هي أكثر الحالات تطرفا وشذوذا ولكن الحالة الأعم هي التي نراها اليوم في الانتخابات وتكرر بصورة مشابهة في بلاد النظم البرلمانية حيث تتنافس على السلطة مجموعة من الأحزاب يسقط اغلبها في اختبارات الناس وامتحان الزمان فلا فلا يبقى من بينها الا عدد محدود، غالبا ما يكون حزبين اثنين فقط يتداولان السلطة كما هو الحال في دول كثيرة عريقة في نظامها البرلماني، والعجيب ان الفروق بين هذين الحزبين، ضئيلة هزيلة لا تبرر هذه الهستيريا التي ترافق الحملات الانتخابية ولعل الفرق كان أكثر وضوحاً عند بداية اطلاق كل منهما، ولكن اختبار السلطة يقربهما من بعضهما البعض، فقد عرف كل منهما اسلوب مخاطبة الناس واللعب على وتر الحاجات، ومخاطبة الغراز، والمفارقة ان كل منهما يبدا، صادقا مع المبادي والمنطلقات، ولكن هذه المنطلقات والمباديء، تتغير مع مذاق السلطة، وخبرة الركوب في كراسي الحكم، فقد يكون احداها في البداية، اشتراكيا يؤمن بملكية الدولة لوسائل الإنتاج والخدمات في المجالات الحياتية الأساسية للمواطن وتبني عددا من السياسات التي تتصل برفع البؤس عن الطبقات الفقيرة وتحقيق مقدار من العدالة الاجتماعية والتي كان لها فضل المطالبة بتاسيس الخدمة الصحية الحكومية وانقاذ المواطن، من شراسة المؤسسات الاحتكارية الرأسمالية ثم أصاب النظم الاشتراكية ما

أصابها من ضمور وانحسار انعكس بشكل أو بأخر على الأحزاب ذات المنحي الاشتراكي في اغلب البلاد، فاهتزت موازينها وأسرع بعضها إلى تعديل برامجه وتسليم دفة القيادة إلى أكثر عناصره مهادنة وتصالحا مع القيم الرأسمالية وبهذه الطريقة تضاءلت الفروق بينه وبين غريمه حزب المال والأعمال فكل منهما يتبارى مع صاحبه في تعزيز قيم المجتمع الرأسمالي والترويج لصورة او الوهم او الحلم في عقل وقلب المواطن، وهو الحلم القائم على التنافس وأحياناً التسابق العنيف المحموم من أجل الثراء الى حد يصعب معه، ان يحدد احد الفروق في هذه السياسة بين ما تفعله وتقول به هذا الحزب، مع ادارة الحزب المنافس التي سبقتها في الحكم.

ولكي لا نبتعد كثيرا عن موضوع الوعود نقول أن الطبيعة المفتوحة للمجتمعات الليبرالية تتيح للأحزاب السياسة العاملة بها مجالا أكبر وأوسع للمناورة فهي مجتمعات تعتمد على المبادرة الفردية الحرة والمواطن منها كأن دوره محدودا وصغيرا فهو صاحب مسؤولية في إدارة حياته وليس مثل المجتمعات الاشتراكية الشمولية حيث يقوم مشروع الدولة هناك على تولى إدارة شؤون الناس جميعا وتنظيم حياتهم نيابة عنهم بحيث تضمن لهم العدل والمساواة .

والواضح أن أهم أسباب سقوط الدولة الاشتراكية بنموذجها الشيوعي، هو أنها تورطت في تقديم وعد كبير للمواطن، وعصي عن التحقيق، هو وعد إقامة المدينة الموعودة فوق الأرض وفي الزمن المنظور وعندما انتظر الناس طويلا ولم تحقق مدينة الوعد والبشارة وتتحول إلى حقيقة مجسدة فوق أرض الواقع كان حصاد الخيبة والإحساس بالخذلان هو النتيجة الطبيعية التي انتهت إليها دولة النظام الشيوعي الشمولي. الوعود أذن لا تفتك بالمحكومين فقط ولكنها تفتك بالحكم أيضاً .

وإذا هبطنا من مستوي الأنظمة والحكومات والأحزاب إلى مستوي الأفراد الذين يتسابقون على الفوز بالمقاعد النيابية ستجد أن بورصة الوعود تسجل هذه المرة أرقاما قياسية فمقابل الوعد الذي يتعهد به أحد المرشحين لابد أن نجد في اطار المنافسة له، وعدا أكبر وأكثر بريقا ولمعانا يقوله للناخبين لأنه يعرف أن الشيء المهم في هذه اللحظة هو الوعد نفسه دون التفكير في إمكانية تحقيقه، موقفه هنا يشبه موقف جحا الذي تطلع إلى أن يعيش في قصر السلطان فتعهد بأن يعلم حمار السلطان القراءة والكتابة وأخذ جحا مكانه بين الحاشية أملا بأنه قبل انتهاء المدة سيكون أحد أطراف العلاقة قد مات إما السلطان وإما الحمار وإما جحا.

لا تعليقات

اترك رد