نبيذ منتهي الصلاحية

 
(لوحة للفنان عيسى درويش)

(امنح الموقف كل ما يتحمله من فعل، وإن استطعت إعطاءه المزيد، فافعل) كأني بمفاصل هذه العبارة ذكت وترعرعتْ في خلاياك، فأججتها، بحثتَ عن مرفئها الآمن في ذاتك، فحطتْ على جزيرته، لتخلص إلى نفعٍ تنشده، يهديك مزيداً من الطمأنينة والهدوء، يغسل عنك شيئاً من عتاب الحياة.. لذا كأني شعرتُ بتنهيدتك تأبى الانكتاب نصاً في الضوء على سؤال ما قض مضجعك:
– أين هو، ذلك الشيء الذي يكون مبعثاً للسكينة؟.
لمحتك تقف فوق الطريق السريعة الخاوية الضاوية، التي أخالك تتمنى لو أن مسافتها لا تنتهي وأنت تقطعها، والأفكار الناحلة تمتد بطولها اللامتناهي في عينيك، تطلب منك السمنة والركون، أعتقد أن خيالك أشعل جمجمته بما فيه الكفاية، وهيأ لك مشهداً نَعِمَ قلبك فيه واستراح، وأدارت رحى أعضائك ماكينتك المنهكة، فترجلتْ بك من سيارتك القديمة التي بالكاد تداريها لتؤمن لك مسافة الوصول الطويلة..
في وجه الريح المنفلتة، حاولتَ قطع الطريق عرضاً، متلافياً خطرها الجسيم المؤكد، مؤتزراً عنفوان مشهدك المتخيل، ومستتراً عن جحيم الشمس بتجسمه في غرفاتك، لتصل إلى بالون كبير جميل لمحته عالقاً في الشِباكِ التي تحجز الحيوانات الهائمة عن السائقين.
أعتقد أن المشهد المتقاطر في خلجاتك، نجح في تمكينك من قطع الطريق، رغم أن الرياح، بغبارها، برملها، بحصيها، وبكل ما تحمله من مخلفات متباينة، تسدد سهامها الطائشة إلى كل جزء ظهر أو خفي منك، حتى ضممتَ البالون إلى صدرك، حينذاك لمحتُ ــ أنا ــ بهجتك وإن غبشتها العواصف الشرسة.. يبدو منها أنك فعلاً منحتَ الموقف بكل ما تحمله من فعل، لكن تركتَ لي سؤالاً يترنح بين ما فعلتَه وما ستفعله: هل تعتقد في قرارة نفسك أنك قادر على أن تهب الموقف المزيد؟.
باهتمام أرقبك من بُعد، تكفنني الدهشة في داخل سيارتي المركونة في قارعة الطريق، تكومني على نفسي غائرة الرياح.. مُنشدٌّ إليك، أتحين النتيجة التي تتأملها، وكأني أقرأ حتى مقالاتك الداخلية التي تحملك بجرأة ومغامرة، وتتمتم في دهاليزك: ( إذا لم أُحْدِثُ في حياتي أشياءَ كبيرة، بقيتُ صغيراً لن أُحْدِثُ فيها ولا حتى في أحلامي إلا الأشياءَ الصغيرة).
ضممتَ البالون إلى صدرك، ضم طفل من الرعبِ، عن الفتكِ، وأردتَ العودة إلى سيارتك التي وكأن جانٌّ يهزها وتود أن تقلع ، كسيارتي، في الفضاء الرحب الموحش بافتراس الريح ، وكأني أيضاً ببهجتك الصارخة التي تعلو على محياك، أعمتْ عيناك عن طيش الرياح، بل عن تهور السيارات التي سرعان ما أوقفتك إحداها عند حدك بارتطام مفجع.
رمتْ بك ككرة خفيفة في فم القدر، فأزحتَ الغبار ولونه عن الاسفلت، واستبدلتهما بدمك ولونه القاني، لكن المدهش، أنك لم تزل قابضاً على البالون!!. وسؤال يتلاطم في ذهني: ما قيمته عندك، يا ترى؟!!.
أفجعتني، فهرعتُ إليك مضطراً لإنقاذ ما أبقاه التهور منك، حملتك، أنصتُّ لأنفاسك المتسارعة، استحممتُ في دمائك، واستجوبتك بملامة: ما الذي جعلك تفعل هذا بنفسك؟.
فلم يبق منك شيئاً ناطقاً، سوى دموع مغبرة، ولسان جاف مثقل، بالكاد اجبتني به بتوسل:
– أرجوك، عدني، أيها الطيب، قبل أن تُرْسَمَ حروف اسمي على قبري، أن تأخذ هذا البالون، إلى طفلي الذي لم يحصل قط على لعبة ما فيبتسم بها.
وهنا ألجمتَ الأنفاس، وأغلقتْ نوافذ البوح، بالرغم من فسحة الزمن.

لا تعليقات

اترك رد