صفاء الحافظ وصباح الدرّة – 37 عاماً على الاختفاء القسري


 

أعادني خبر اختطاف عشرات المواطنين العراقيين في وضح النهار في شمال العاصمة العراقية بغداد، إلى ظاهرة الاختفاء القسري التي ظلّت مستفحلة في العديد من المجتمعات، بل إن نحو 63 بلداً في العالم تعاني منها، ولأن الاختطاف الذي يسمّى بلغة القانون الدولي والأمم المتّحدة “الاختفاء القسري”، ظاهرة شائعة في العراق في الماضي والحاضر، فإن اعتراف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: “… بإقدام قوة مجهولة على اعتقال 30 شخصاً من منطقة التاجي والطارمية، ولم يُعرف حتى الآن مرجعية هذه القوة، ولا مصير المعتقلين ولا الجهة التي اقتيدوا إليها”، يعتبر مسألة جديدة، فهو اعتراف صريح، بأن جهة مجهولة استغلّت قيام الجيش باعتقال عدد من المطلوبين، فنفّذت عمليتها المدبّرة، سواء باسم الدولة أو بعض أجهزتها أو بانتحال صفتها من جانب ميليشيات مسلّحة.

في السابق كانت الدولة وحدها هي من يحتكر العنف، وإذا ما حدث عمل من هذا النوع، فإن إصبع الاتّهام سرعان ما يوجّه إليها، إذْ من سواها قادر على القيام باختطاف مفكّر أو صاحب رأي أو ناشطة سياسية وحقوقية أو رجل دين وإخفائه إلى ما لا نهاية، الأمر الذي سيدخل معها في نزاع حول اختصاصاتها، وهو أمر غير مسموح به على الإطلاق، ولكن منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، فإن جماعات عديدة من داخل الدولة وبجوارها ومن خارجها، ناهيك عن الاختراقات الأجنبية، من يقوم بهذا الدور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وظلّت الكثير من الحوادث يلفّها الغموض والإبهام والالتباس والتقديرات المتباينة، وإن لم تخرج من دائرة الصراعات الطائفية والإثنية ومصالح أمراء الطوائف بألوانهم واتجاهاتهم المختلفة الفاقعة منها والباهتة.

وفي العادة فإن الدولة تنكر أية صلة لها بالخطف وتبعد عن نفسها وعن أجهزتها الشبهة، بل تحاول إلصاقها بالأجنبي أو بأعدائها، كما حصل في حال الاختفاء القسري للفقيه القانوني د. صفاء الحافظ وللخبير والباحث الاقتصادي د. صباح الدرّة، وهما شخصيتان وطنيتان عراقيتان وعالميتان، فالأول عضو في مجلس السلم العالمي، والثاني عمل في سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، وقد اختطفا في شباط (فبراير) العام 1980، ولا يزال مصيرهما مجهولاً.

ومنذ ذلك التاريخ لم أترك مناسبة إلاّ وذكّرتُ بهما في المحافل الحقوقية الدولية والعربية، ليس للعلاقة الشخصية فحسب، بل للدلالات الخاصة، سواء ما يتعلّق بالجهات الخاطفة أو المتواطئة أو المدسوسة التي أسهمت في أن تقع الشخصيتان بيد الخاطفين، لا سيّما وكانا قد اعتقلا قبل ذلك وتعرّضا للتحقيق والاستجواب لأكثر من مرّة، وحتى بعد تغيير النظام وانكشاف الكثير من الأمور، فقد ظلّت قضيتهما خارج دائرة الضوء، وربما يكون من مصلحة البعض ذلك، كي لا تتم المساءلة الضرورية، وكي لا ينال المتورطون عقابهم العادل، ولكن ذوي الضحايا وأصدقائهم ومن تعنيهم قضية حقوق الإنسان من مصلحتهم إجلاء مصير الشخصيتين الوازنتين.

وبالطبع فإن موضوع الاختفاء القسري يشمل أسماء أخرى ذات شهرة واسعة مثل المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس العام 1965، وموسى الصدر الذي اختفى في ليبيا العام 1978 ومنصور الكيخيا الذي ضاع كل أثر له في القاهرة العام 1993، وشبلي العيسمي الذي اختفى قسرياً في لبنان العام 2011، إضافة إلى شخصيات عراقية مثل: عايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي ومحمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى وعزيز السيد جاسم وضرغام هاشم وشاكر الدجيلي وآخرين.

وكنت أتوقّع أن يجلى مصير العراقيين المختفين قسرياً بعد العام 2003، ولكن للأسف لم تتم متابعة مثل هذه الملفّات، في حين أن المطالبة بكشف مصير منصور الكيخيا أتت أُكلها، في نهاية العام 2012، وتقول الرواية أنه نُقل “سرّاً” من القاهرة إلى طرابلس الغرب، بعد اختفائه قسرياً العام 1993 خلال حضورنا لمؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وبقي “سجيناً” في أحد “المساكن” بعيداً عن الأنظار، وتوفي في العام 1997، لكنه لم يدفن، وإنما استبقي في ثلاجة لحين الإطاحة بالقذافي العام 2011، وكان قد استمع إلى نصيحة إحدى العرّافات، بأن دفن شخصية مهمة قد يؤدي إلى وفاته، فأبقى عليه لمدّة نحو 14 عاماً، حتى تم اكتشافه، وأرسل الحمض النووي إلى معهد خاص في سيراييفو لتحليله وفحصه، والتأكّد من أنه يعود للكيخيا، وخصوصاً بعد مقارنته بالحمض النووي لابنه رشيد وأخيه محمود، وقد نُظم احتفال مهيب لتكريمه، تشرّف كاتب السطور بحضوره وإلقاء كلمة فيه (نهاية العام 2012)، علماً بأن الكاتب كان قد أصدر كتاباً عنه بعنوان: “الاختفاء القسري في القانون الدولي: الكيخيا نموذجاً”.

وبخصوص الحافظ والدرّة، وبغض النظر عن الملابسات الغامضة التي اكتنفت عملية اختفائهما والاتهامات العديدة التي صاحبتها في غمرة صراعات سياسية وحزبية، فقد آن الأوان للكشف عن مصيرهما ومتابعة بعض الخيوط بخصوص اختفائهما، إذْ لا ينبغي أن نجعل النسيان الذي يراهن عليه المتورطون يطغى على القضية، ولا بدّ لها وجميع قضايا الاختفاء القسري أن تظل في دائرة الضوء لكشف المتسبّبين والمتواطئين فيها أمام الرأي العام ولمنع تكرار حوادث الاختفاء، بهدف ردع القائمين عليها، باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم. والأمر يشمل قضايا المختفين قسرياً في الجزائر والمغرب ولبنان والعراق (وكردستان العراق أيضاً) وأفغانستان وليبيا وإيران وسوريا وتشيلي والأرجنتين، وغيرها.

وإذا كان هناك من سكت عن الاختفاء القسري للحافظ والدرّة، أو حاول التقليل من شأن تلك الجريمة، فإن جرائم الاختفاء القسري التي تبعتها، لم يعد السكوت عنها ممكناً، الأمر الذي على الجميع إدراكه بأن مثل هذه الجرائم يمكن أن تطال “الجميع”، طالما تمكّن الخاطفون والمتواطئون معهم الإفلات من العقاب، حيث شملت مجموعات ثقافية وبشرية تم استهدافها مثل الصابئة المندائيين والمسيحيين والإيزيديين الذين سُبيت نساءهم، في محاولة لفرض نوع من التأسلم “الداعشي” على كل من يختلف مع الفكر التكفيري الإرهابي، ولعلّ الوطن بكامله تعرّض إلى الاختطاف، وتحوّل العراق بمشيئة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، من شعب موحّد إلى “مكوّنات” متناحرة، حسبما ورد في الدستور ثمان مرات، وحلّت الطائفية والإثنية محلّ المواطنة الجامعة، في محاولة لإعادة الجميع إلى أصولهم الدينية أو المذهبية أو العرقية ولو بالإكراه.

لا تعليقات

اترك رد