قراءة في ثنائية الفراش والكرسي – ج1

 

هنا أنا أجد نفسي مضطرا لأمضي قافلا ، راكضا ، مستعجلا ، متوجسا ، متشوقا ، لأفتح مغاليق الكتاب العجيب كتاب الكهف العتيق ، وفي فصل ملوّن باذخ الألوان والتصورات والرؤى ، رأيت الخوف يبرق جاحظا من عيون الإنسان القديم ، الذي تبتسم له الطبيعة طورا ثم يكفهر وجهها في طور ثان ، رأيته يتوسلها أن لا تروعه وصغاره بأمطارها ورعودها ووحوشها وبردها وفيضان أنهارها ، ثم صار التوسل عبادة ، والعبادة صارت آلهة ، والآلهة صارت إلها واحدا ، هذا ما رواه كتاب الكهف العتيق ، كانت الأرض أو أرضية الكهف هي كرسي الإنسان الأول التي حفظت عن الإنسان الكثير وحفظته من الكثير ، الإنسان الذي لن يكف عن لهوه بممارسة الخلق فطوّر الفراش ليكون علامة من علامات الشبق ، فكل الملوك شهرياريو الهوى صنعوا الافرشة على شكل محفات يتمدد فيها الأمير أو السلطان صاحب اللحية المنقارية والأنف المدبب ، تجلس عند قدميه الجواري والمحضيات ويقدمن له صنوف اللهو والتطريب والتحنان لينسى سلطته عبر جرعة من الخمر يحتسيها بجسد الأنثى ، ليبدو ضعيفا واهنا أمام سلطة الأنثى وهي تتلوى بيّن يديه ، تتمايل ، تتمنع ، يدوَخه الغنج ، يذوب ، يبتعد في انبساطات جسد الأنثى وتعرجاته وميوعته يذهب بعيدا ، وهناك خارج فرودس الفراش ثمة من يختطف الدولة ، هناك من يسرق المُلك والمملكة من بين يديه ، هذا الفراش الذي لم يفشِ سرا للملك أو السلطان أو الأمير حتى في تلك اللحظة التي حيكت فيها ضده المؤامرات لينتهي إما شريدا أو قتيلا تدول دولته لتأتي دولة أخرى سيشمها الفساد والخلاعة من جديد ويقفل ذاهبا نحوها تحت جنح الليل متسربلا بزي جارية استقدمها منافق للملك أو الأمير من بلاد السند أو جزر الواق واق أو من غابات أفريقيا .. نخاسون ، ووسطاء وقراصنة ومستهترون وأفاقون وقطاع طرق قاموا بكل ذلك ، ليتمدد الملك بكل استرخاء على فراشه أو محفته والجواري تدّلك له أقدامه وتطقطق له عظامه وربما تفعل له أشياء أخرى غمز لها الجاحظ المفكر العراقي الكبير بالقول (كان ميل العرب للإماء أكثر من الحرائر لأن الجمال في كثير من نساء هذه الأمم المفتوحة أوفر، والحسن أتمّ فقد صقلتهن الحضارة وجلاهن النعيم، ولأن العادة أن لا تُنظر الحرة عند التزويج بخلاف الأمة، لذلك صار أكثر الإماء أحظى عند الرجل من أكثر المهيرات ) ، ولكن الفراش كما عهدناه سيظل صامتا ولن يخبر الملك أو الأمير أو السلطان بأن فراشه ونزواته ستقتله ، وبالتالي ستقتل الدولة – المملكة ، ولان كراسي الملوك لا تقع في المخدع السري للملك الشبق وإنما في قاعة العرش لذلك فُضحت الإسرار يوم استنطقها ساردوا ورواة التاريخ ، بينما المَخادع ستظل صامتة وعصية على النطق لذلك تم تدويل الكرسي ليكون لاكثر من ملك أو أمير او سلطان ، هذا الموت جاء به بوح الكرسي وشبق الفراش المكلل بمخامل حمراء تزيد من هياج الملك لتفعل فيه الافاعيل فعلها ، يمتدد الكرسي بامتداد الدولة ويمتد الفراش الحمراوي ، على أصقاع المملكة يرفرف على الفقراء والطامحين بالسطو على المملكة ، هكذا يلعب الكرسي والفراش لعبتهما عندما يصمت الفراش وينطق الكرسي، ففي كل الظروف ومهما قيل تحت دثار الفراش او فوق مساند الكراسي سيمر الخطر كمرور الماء من تحت التبن فتغرق الحياة وتُمحى الدول والممالك ، إذن الفراش والكرسي ليسا معنىً هامشيا في حياتنا ، أنهما حدّان ثابتان خطران أزليان وسيستمران بتربيتنا على فهم لعبة الحياة والموت .

يكتب المؤلف المجهول في كتاب الليالي الشهرزداية ذوات الألف ليلة وليلة ويستغرق كثيرا وطويلا ويغوص عميقا في رويّه طولا وعرضا عن مخاطر الفراش بوصفه غواية ، لكن شهرزاد قرأت جيدا وفهمت جيدا أن الفراش مثلما له القدرة على تقريب آجال الملوك ، فأنه يمكن له أن يمد بعمرها طويلا فيصير مصدرا من مصادر الحياة ، يا لمصير شهريار المسكين الذي مات مختنقا بين مطرقة الفراش وسندان الكرسي ، تحاصره رائحة شهرزاد المبللة بنقيع السرد ونثيث الحكايات ، فما بين قاعة العرش وما بين جناح المَخادع وعلى بلاطات منبسطة ، لامعة ، مرآوية ، تعثّر ملوك كثر عثرنا على جثثهم ومصائرهم في كتاب الليالي العجيب ، هذا الكتاب قال من بين أشياء كثيرة :- جئنا جميعا من مضاجعة كان الفراش مهادها وقوامها فأن الفراش سيستمر حتى الى ما بعد موتنا ليكون كفننا الذي يلفنا ونحن سادرون في غياهب العدم ،هكذا يصنع الفراش الحياة مثلما يصنع الكرسي ذلك ، كما قرأنا في سيّر الافرشة الحمراء ذات الآيروتيكية العالية في قصور الملوك ومرافقته لنا في رحلة الموت وما بعده من إن الفراش الصامت والكرسي الناطق هما وجهان لعملة واحدة ، عملة الموت والحياة ، إذن لا فكاك لنا من سلطة الفراش والكرسي فهما الغاويتان الخطرتان أبدا ، فقط سنكف عن فعل أي شي عندما يغمرنا بياض الكفن – الفراش ، وعندما يلفنا الصمت الأبدي في رحلة الموت وما بعد الموت، سنكف عن كل هذا ليظلَّ الفراش والكرسي حدان ثقافيان علينا أن نحسن ونمعن طويلا في قراءتهما وتأملهما .

لا تعليقات

اترك رد