المعنى بين الاستفهام والإثبات – ج٢

 

عاش أبو المستهل الكُمَيت بن زيد الأسدي بين عام مقتل الحسين عليه السلام وخلافة مروان بن محمد (الملقب بالحمار) وهو آخر خلفاء بني أمية

كان خطيباً شاعراً عالماً باللغة والآداب والأنساب مقدماً عند قومه ومن صفوة شعراء عصره ، وكان عالماً فقيهاً حافظاً للقرآن حاضرَ الجواب سريع الرد ومما يروى في هذا الباب ان الشاعر الفرزدق سمعه ينشد وهو صبي فاعجبه انشاده واستحسن فصاحته فقال له يا غلام، أيسرك اني ابوك؟

فقال الكميت: اما ابي فلا ابغي به بدلاً، ولكن يسرني ان تكون امي فأفحمه واسكته.

وعرف الكميت بموالاته لآل بيت النبي بيده ولسانه فنظم فيهم ثمان قصائد اسماها بالهاشميات والتي أوقفها في مدح الهاشميين من آل البيت سلام الله عليهم جميعاً.

والابيات التي نحن بصددها من احدى هاشمياته المشهورة، وكنا قد شرحنا البيت الأول منها وفيما يلي تكملة الشرح للابيات السته التي تلي المطلع.

فبعد ان قدم الكميت مطلعه

طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ … ولاَ لَعِبَاً وذُو الشَّيبِ يَلعَب

قال :ولــم يُلْهِـنِي دارٌ ولا رَسـمُ مَـنـزِلٍ … ولم يَتَطَرَّبْنِي بَنانٌ مُخَضَّبُ

كان مِن العرب مَن يقضي ردحاً من حياته في بكاء المنازل وآثار الأطلال سيما البدوي منهم والذي لا يكاد يقيم في شِعبٍ حتى يتركه ولا يشرع ببناء منزل حتى تُلجِأه حياتُه الى مغادرته تبعاً للخِصب وخُضرة الأرض وهنا يقول الشاعر انه ليس ممن يبكون الديار كما انه ليس ممن يهزه الشوق الى النساء ممن كن يخضبن اصابعهن ، وانما قال يتطربني مكنياً بها عن اللهو ومعاشرة النساء.

وَلاَ أنَــا مِمَّـن يَـزجـرُ الطَّـيرَ هَمُّهُ … أصَاحَ غُرَابٌ أم تَعَرَّضَ ثَعلَبُ
ولا السَّانِحَاتُ البَارِحَاتُ عَشِيَّةً … أمَرَّ سَلِيمُ القَرنِ أم مَرَّ أَعضَبُ

زجرُ الطيرِ عادة وفعل من عادات وأفعال العرب القديمة والتي عرفت عنهم قبل الاسلام وبقيت بعده في بعض القبائل، وترتبط هذه العادة بشكل مباشر مع مخاوف وتوجس الانسان من شر المجهول سيما اذا كان يهم بأمر او يتوقع حدوث أمرٍ، وقد عُرف هذا التوجس بالتطير، وتزداد حاجة العربي الى زجر الطير أو الحيوان في اوقات ترقبه لحدوث شر او نازلة أو حصول بوادرٍ لمصيبةٍ أو مكروهٍ، فما أن يشعر بهذا الشعور حتى يذهب عقله الى اكتشاف الغيبيات من الامور ومعرفة ما يخبئ له قابل الايام

والزجر هو ان يقوم الى أوكار وأعشاش الطير باكراً فيطردها من وكرها ويهيَّجها فإن ذهب الطير عن يمينه تيامن وتفاءل وسمى ذلك السانح واستبشر به خيراً ثم مضى في امره وعزمه، أما اذا ذهب عن شماله سمّوه بارحاً وتشاءموابه، وردَّه ذلك التشاؤم عن آلمضاء في ما عزم ، وأما ما استقبلهم منها فهو الناطح، وما ما جاءهم من خلفهم سمّوه القعيد وكل تصرف للطير او الحيوان المزجور له دلالة عندهم إما تشاؤماً أو تفاؤلاً كذلك إن رأوا غرابا تطيروا منه أو غزالاً مكسور القَرن كان مدعاة للتشاؤم وان كان صحيح القرن تفاءلوا، والشاعر هنا ينفي انه من هؤلاء القوم ولا يبالي بتصرفات طيور السماء ودواب الارض، وما يهمه هو أمر واحد لا شيء سواه وهو آل بيت النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فيقول

وَلكِن إِلى أهلِ الفَضَائِلِ والنُّهَى … وَخَيرِ بَنِي حَوَّاءَ والخَيرُ يُطلَبُ
إلى النَّفَرِ البيضِ الذِينَ بِحُبِّهم … إلى الله فِيمَا نَابَنِي أتَقَرَّبُ

فيصفهم بصفاتهم الزكية وفضائلهم وشمائلهم الطيبة الذكر وأنهم أهل العلم والتقوى وأنهم أفضل من انجبت النساء وأنهم خير بني حواء وأنهم اصحاب المناقب الشريفة والمكانة المنيفة ، وإن مدحهم وتبيان مكاناتهم وأخلاقهم شرف عظيم وقربى من الله تعالى سيما وأن الكميت لقي في مدحهم وموالاتهم ما لقي من التعب والنصب وويلات المطاردة والسجن حتى كانت نهايته قتلاً على يد والي العراق يوسف بن عمر الثقفي في ايام هشام بن عبد الملك.

ثم يبين ان هؤلاء النفر من آل بيت النبوة انما كان ما كان من علاء شأنهم وسمو مكانتهم ورفعتهم لانتسابهم الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهم اهله وذريته.

بَنِي هَاشِمٍ رَهطِ النَّبِيِّ فإنَّنِي … بِهِم ولَهُم أَرضَى مِرَاراً وأغضَبُ

ووصفهم بالرهط ورَهْطُ الرَّجُل : أهله وقومُه وعشيرته الأقربون وأنه أوقف فرحه ورضاه وحزنه وغضبه عليهم فلا رضا حتى يرضوا ولا غضب حتى يغضبوا وهذا يعد من حسن الصفات وعظيم الموالاة وخير ما يتقرب به العبد الى مولاه فحبهم من حب النبي وبغضهم كذلك
فاتبع بهم النهج الصحيح وأحسن بهم الوصف والمديح

لا تعليقات

اترك رد