فكر التصميم تحت مجهر الاسئلة والحوار العقلي – ج2

 

استنتج الكاتب (جان ماري اوزياس ) مؤلف كتب (الفلسفة والتقنيات ) الصادر عام 1983، في معرض حديثه عن الفكر التقني قائلا (على هذا المنوال تنجح الايديولوجيا الرامية الى تفسير العالم التكنولوجي في عدم رؤية التقنية ،الى ان اصبح من الممكن ، شيئا بعد شيء ،الاستعاضة عن انموذج الثقافة الادبي المتطلع الى الماضي السحيق بجعله من ابحاث المشكلات ذات الصبغة الواقعية الأعظم ، وهي اكثر حداثة واستجابة للمطلب السوسيولجي الحقيقي)،وفي قراءة لهذا الاستنتاج نجد شقين ربما يبدوان للوهلة الاولى متناقضين ، بسبب الدور الذي تقوم به المرجعيات الايديولوجية سواء اكانت في انساقها التقدمية، في انساقها المعاكسة ،والبحث دائب في تذويب الفكر في مصهر التقانة والمرتبة التي بلغتها في العصر الحالي ، والذي ادى الى ارتقاء الأطروحة التقنية عل حساب المناهج الأيديولوجية ، التي (عنت في معناها المباشر (علم الأفكار) …وانها منظومة التصورات والاعتقادات والنظريات التي تبنى عليها حياة الأفراد والمجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن كونها نظام من الأفكار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية والفنية والدينية التي تعكس علاقات المجتمع البشري التي تحددها المصالح المتضاربة في ذلك المجتمع، وهي ناتج عملية تكوين نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، ويحدد موقف فكري معين يربط الأفكار في مختلف الميادين الفكرية والسياسية والأخلاقية والفلسفية، وأنها “نظام متكامل من الافكار والمعتقدات التي نتمكن من خلالها من فهم العالم الخارجي ، بل ونتصوف من منطلق ما نملك من معلومات. إنها الوسيلة التي نحاول من خلالها فهم العالم الخارجي. اكثر من ذلك تعد الايديولوجيات دافعا للفعل، وذلك لان الافراد او الجماعات التي تشترك في اطار ايديولوجي واحد تتأثر بذلك الاطار لتعمل في انسجام لانجاز أعمال تم تحديدها سلفا)، اذن هي منظومة متكاملة من الاطروحات العقلية تعمل في اطار الحوار الفكري الجمعي ، وامتد هذا الحوار زمنا ليس بالقليل حتى وصل الى ماوصل اليه، لاسيما في مجال الفكر السياسي الذي ضرب باطنابه عقود خلت شهد العالم فيها الكثير من الايديولوجات المتفقة والمتصارعة على حد سواء ، وكانت تحمل في طياتها الايجاب والسلب معا ، وكان من اكبر عثراتها كما يقال انها ارادت ان تفسر كثير من الجوانب الانسانية من منظورها العقائدي الصرف ، ماغيب النظر الى مشكلات واقعية قائمة ، من ذلك ما جاءت به الاطروحات التي نادت بالحضور التقني واليات الفعل والعمل والحرية في الدخول الى هذا العالم ، وانطلق( اوزياس) قائلا (ظلت الثقافة التقنية الحقيقية في مستهل القرن العشرين خبيئة في صميم الوقائع دون ان تجد ما يعبر عنها،ثم استطاع الفكر الفلسفي شيئا بعد شيء ان يتغلب على عطالة المشكلات التقليدية ،وحان الوقت كي يطرح الفكر المشكلات والكف عن الثرثرة والهذيان دون ان يعي، برغم ذلك ، ذاته وهي تعمل في وسط العالم التقني؟ واخيرا تسارع الفكر الفلسفي وبدأ باستخلاص مسيرته الخاصة في اطار المسيرة التكنولوجية ) ،

ويبدو ان الحضور التقني فرض اطروحته بقوة بعد ان اثبتت كثير من الأيدولوجيات التي ارادت تشويش الدور الجديد ، انها لاتمتلك حجة مقنعة لكي يستمر هذا الشويش المفترض ،ذلك لأن الدور التقني الذي يتداخل مع المنظومة التصميمة والاقتصادية في عالم اليوم الذي يعد تقنيا بامتياز، كشف بعض من سلبيات النزعة الشمولية لعدد من الايديولوجيات التي اخفقت في ايجاد حلول ناجعة للمشكلات الواقعية ، وعندما نشير الى هذا الدور ،فأننا نتلمس من التصميم ان ياخذ مساحة اكبر في ايجاد تلك الحلول لانه في تماس مباشر مع الناس ، وهو ملب مهم لحاجاتهم وانشغالاتهم وتصوراتهم المعيشية، وفي معرض قراءته لكتاب (الفكر في عصر التقنية) لمؤلفه (عبد السلام بنعبد العالي ) يورد (ادريس شرود)، ان(السمة الأساسية التي تميز العالم المعاصر هي سيادة التقنية. فهي تكتسح الوجود المعاصر، ولا أحد يستطيع أن يوقف مدها، وهذا ليس راجعا لتدبير فاعل تاريخي، أو إرادة “مؤامرة” يدبرها البعض ضد الآخر، وإنما لقدر تاريخي اندلع يوم اتخذ الوجود صبغة رياضية، فتعينت علاقة الإنسان بالإنسان جديدة، وعلاقة لهذا بالوجود. هذا يفترض بأن الحاجة تضع التقنية الحديثة موضع تساؤل، لأن هذه الأخيرة تنوجد بالحصر وتسود عبر علاقاتها المميزة والمسلطة على ظواهر الكون والمكان الذي توفره للإنسان، بل أن قضية التقنية تمس الكائن ذاته، كما أنها لا تخص مسألة تطبيق المعرفة العلمية، وإنما مصير الكائن ووضعه المعاصر)، واذا ماوضعنا المعروض في ميزان التقابل المعرفي مع الفكر الأديولوجي والمدى المفترض الذي ذهب به نحو تشويش الرؤية، نجد ان كفة التقنية تأخذ وزنها في هذا العصر ،لان المنطلق هو شرطي املته نواتج التقنية ذاتها وما تأتي به في الصعد كافة ، وبما ان النواتج تصميمية اساسا ، فأن للتصميم القدح المعلى في ترجمة الدور التقني الى نواتج نفعية تؤدي اغراضها بعيدا عن شمولية الفكر الموجه ، بمعنى اوجز ،التقنية تعمل في ظروف الحرية الاقتصادية والاستثمار وضخ الاموال ومشروعية اقتصاد السوق ،لهذا نجحت الاطروحات الأقتصادية التي انبثقت عن الحضور التقني ، رغم بعض السلبيات التي نتجت عنها ،اذ اخفقت الراسمالية وبعض من تنظيراتها عندما لامست سلبا شفف وهواجس المواطن الاقتصادية ،

اذ نجحت في تنمية الاقتصاد التقني واثرى من اثرى عن طريق اعمالها ،كما اخفقت الاشتراكية عندما سلبت المواطن حقوق اقتصادية شخصية ، لكن العمل الكبير الذي عملت عليه نظم الاقتصاديات الحديثة اسهمت بشكل مباشر في تأكيد الحضور التقني ، وكان من نتائجها دخول عصر الثورة الصناعية الرابعة والخامسة التي قدمت الرقمنة بصيغ متطورة جدا، وهنا لابد من تأكيد الدور الحداثي للفكر والتقنية في التصميم ،فكر التصميم ومنطلقاته الفلسفية المرتبطة ببنية التصميم ،والتقنية في شقيها التصميمي والتنفيذي اللذان مازالا غير مفهومين لدى عدد مهم من المشتغلين ، ولأن العصر الحالي هو عصر تداخلت فيه الايديولوجيات وتشعبت فيه الرؤى بين ما هو تقليدي مازال باقيا ، او صار في طيات الكتب ، وبين ماهو غير تقليدي حداثي النزعة لايؤمن بالمركزيات، فأن التقنية كأتجاه اختطت لنفسها مساقات عولمية تعتمد اطر معرفية جديدة مرتبطة بالحاجة والابتكار والتطوير والبحث عن المصالح ، وهي سائرة نحو افاق اكثر ملامسة للفرد والمجتمع ضمن منظومة اقتصادية تسويقية اكثر انفتاحا عما سبق.

لا تعليقات

اترك رد