العلمانية ابنة المسكوت عنه بالإسلام


 

في ظل الاشتباكات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وهو المجال الذي ظهرت فيه النظريات والايديولوجيات المؤطرة للتعامل ما بين هذه المؤثرات المجتمعية وبين الانسان، برزت الحاجة الي عقد اجتماعي يحدد المسؤوليات والواجبات المناطة بكل فرد ومواطن، فكان أن ظهرت الدساتير المدنية التي تحدد علاقات التعامل والانتاج في الوطن الواحد. وكان لابد من أن يواكب ظهور هذه الدساتير، مؤسسات مدنية تساهم بالتالي في تعزيز مدنية الدولة والنأي بها عن التجاذبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتحدد لاحقا أساليب العمل والسياسة ومنظومة الحقوق والواجبات. فكلما استندت وتعاملت الدول والحكومات بإطار الدستور والقانون، كلما كانت أقرب لمفهوم الدولة المدنية. فالدولة المدنية هي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية.

ومن أهم مبادئ الدولة المدنية أنها لا تتأسس بخلط الدين بالدولة. كما أنها لاتعادي الدين أو اللادين، فرغم أن الدين يظل في الدولة المدنية عاملا في بناء الجانب الروحاني للفرد. إلا أن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد والتعايش الذي تقوم عليه الدولة المدنية، كما أن دمج الدين بالدولة قد يعتبر من أهم العوامل التي تحول الدين إلى موضوع خلافي وجدلي وإلى تفسيرات قد تبعده عن عالم الروحانيات وتدخل به إلى عالم المصالح السياسية والسلطوية. وتساهم الدولة المدنية منذ البداية على تعزيز مفاهيم المواطنة والديمقراطية ودعم الحريات الفرديةليكون المجتمع والفرد قادرين على القيام بمبادرات نهضوية تنموية ذات إطار يتشارك به جميع المواطنون للوصول الي درجات التقدم والنمو الحضاري. وفي العالم العربي اليوم، خرجت الي الساحة وصعدت التيارات السياسية الإسلامية مدفوعة بعاطفة دينية شعبية تريد الخلاص من حالات اليأس والإحباط والتخلف التي خلفتها السياسات الحكومية العربية، ولم تجد الشعوب العربية بظل غياب أي مشروع حداثي نهضوي ثقافي سوى التعلق بأوهام الدولة الدينية التي وعدتهم بالجنة على الأرض. ولكن لم تستمر هذه الأحلام أو الأوهام طويلا، حتى جنت الشعوب العربية الحصاد المر والعلقم الأليم جراء الممارسات الاسلامية السياسية التي قامت بها جماعات الإسلام السياسي بجر المنطقة العربية وشعوبها الي أتون الصراعات المذهبية والطائفية والقبلية التي دمرت ما تبقي من أمل بالثورات العربية التي قامت أساسا لإعلاء كلمة الحرية.

وبما أن الدين الإسلامي هو المرجعية الطاغية، تشريعيا وفكريا وقانونيا للدساتير العربية، إلا أن النصوص الدينية (القرآن والأحاديث) لعبت ولا زالت تلعب دورا كبيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في تحديد مصيرنا وتاريخنا ومستقبلنا. وهو ما يدفع الي إعادة الرؤية في الحال التى وصلنا إليها من تخلف وفساد وانحطاط لم يسلم منه أحد، وهو ما يدفع أيضا الي معرفة سبب هذا الإخفاق؟ ولماذا أستمر طويلا؟ وكيف نبدأ بالنهوض ومواصلة التقدم والمشاركة بالحضارة المعاصرة؟!!.. بعض الحركات العقلانية التي خرجت من صفحات التاريخ الإسلامي أجابت على أسئلة تخلفنا وأثبتت الحاجة الي إعادة فهم وقراءة وتأريخ النصوص الدينية، وما ظهور المعتزلة الا احدى المحاولات الكبيرة في اعادة فهم النصوص ومواصلة التقدم الحضاري. فعلى طريق فهمها والتعبير عنها على ارض الواقع يتوقف زخم التطور، فهي تشكل، أي النصوص الدينية، العمود الفقري للفكر الديني. فكيف ينبغي النظر الى تلك النصوص؟! وكيف نفهمها في عصرنا؟.. هذا ما ينبغي ان يكون موضوع اهتمام من قبل الدارسين والمثقفين على مختلف اختصاصاتهم الفكرية. وهنا سنكون أكثر جرأة في اقتحام المسكوت عنه واللامفكر فيه طوال 1400 سنة من السمع والطاعة والتنفيذ.

يجب أن نقر بداية، أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الانجاز وتوريث انجازاته عبر الاجيال وبهذا المعنى فهو الذي يتفرد بخاصيته تلك عن كل الكائنات الحيوانية، لذلك فأن كل انسان هو الغاية والهدف والوسيلة على الأرض، اما دور الانبياء والرسل اليوم،فهو دور قد انتهي. ولهذا عمل الفلاسفة والمفكرين على ايجاد نظريات فكرية تتناسب مع ما توصل إليه الإنسان من معرفة وعلم وصناعة، ومر الإنسان بالتالي في تجارب ومخاضات طويلة لن أتحدث طويلا عنها لإنها في غالبيتها قد تم الحديث حولها بشكل مفصل وهي موجودة للإطلاع في عدد كبير من المواقع والكتب، ولكن ما يعنيني في هذا المقال هو آخر ما توصلت إليه العقول الفلسفية من اختيار العلمانية كأساس فكري ومنهجي للدول، وخصوصا الغربية في تسيير أمور حياتهم ومجتمعاتهم. نبدأ من المادةالتى تشكل أهم بنود الدساتير العلمانية وهي المادة 19 التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كونها تتحدث عن حق هو من أقدس الحقوق اللصيقة بالإنسان ألا وهو الحق في حرية الرأي والتعبير كونه يملك وجدانا وضميرا وعقلا وفكرا.. وجاء العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ليؤكد هذا الحق أيضا في المادتين 18 ، 19 منه، وتوالت الدساتير الوطنية تتسابق إلي التأكيد والنص علي حرية الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه وأفكاره.

لكن هل تكفي النصوص الواردة في المواثيق الدولية أو الدساتير الوطنية لكفالة هذا الحقفي الدساتير العربية والاسلامية؟ وخصوصا ان مجتمعاتنا العربية والاسلامية تعتمد على الشريعة الإسلامية في التشريع وخصوصا قانون الأحوال الشخصية؟. المعلوم أن عالمنا العربي تسوده المؤسسات الدينية التي إستطاعت أن تفرض نفسها على مجتمعاتنابقدرات تنظيمية عالية، وبسبب فشل أنظمة الحكم الحالية من تلبية مطالب شعوبها في تنمية إجتماعية وإقتصادية تواجه الأزمات التي يمر بها الوطن وتحافظ علي كرامة الوطن والمواطن، فتسللت الأفكار الدينية لتحل محل مفهوم المواطنة، والبحث عن الدولة الدينية المؤمنة بديلا عن الدولة العلمانية حتى أصبح الدين والتدين سدا منيعا أمام الفكر العلماني الحر. إذن، في ظل هذه الظروف ما هي الضمانة ليمارس الإنسان حقه في حرية الرأي والتعبير؟ وحقه في أن يعتنق ما يشاء من أفكار؟ وحريته في أن يختار دينا بعينه يقتنع به أو لا يعتنق أي دين علي الإطلاق. إن التربة الثقافية في المجتمع العربي أصبحت تنبت بذورا وأشجارا للإرهاب الفكري يسنده ميلشيات عنف تمارس الإرهاب الدموي وتحسبه جهادا في سبيل الله يفتح الطريق أمام القاتل إلي جنة الخلد مفروشا بالورود والرياحين. إن التيارات الإسلامية تمثل اليوم منظومة كاملة متكاملة تسير بنظام معين وأدوار موزعة فيما بينهم على أكمل وجه، فمنهم من يمارس دورا دعائيا إعلاميا، ومنهم من ينفذ الفتاوي بإهدار الدم وتفعيلها في سبيل الله. وبين هذا وذاك هناك منهم من يستخدم سلاح الحسبة والتهديد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإرهاب كل من يحاول أن يكتب رأيا أو يبحث بحثا أو يجتهد إجتهادا بحثا عن الحقيقة. لازلنا نذكر فرج فودة المفكر الذي إغتالته يد البطش بإسم الدين، والإعتداء علي الأديب نجيب محفوظ، والتفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته بزعم أنه مرتد، والكثير من نماذج القهر والبطش من قبل جماعات الإسلام السياسي بإسم الدين، في التاريخ الاسلامي القديم والحديث على حد سواء.

هنا، كيف يفكر الإنسان العربي بحرية في ظل هذا المناخ؟ وكيف يجرؤ الإنسان على التعبير عن رأيه؟ ثم كيف نتحدث عن حرية الإعتقاد وهناك من ينتظر لتنفيذ ما يسمي بحد الردة؟.. فهل تكفي الأطر القانونية التى تدعي حماية الحريات في الدساتير العربية والاسلامية لتكون ضمانة مهمة وقوية لكفالة مثل هذا الحق؟ أتصور أن الأمر أكبر من هذا، فمازالت المحاكم الإسلامية تنظر في قضايا اعدام المسيئ والمتطاول على الذات الإلهية، وما قضية الشاب ولد مخيطر الموريتاني حاضرة اليوم بالمطالبة بإعدامه جراء مقال كتبه لنقد التراث الاسلامي.. إننا في حاجة إلي إعادة حرث التربة الإسلامية من جديد كي نبذر فيها بذور التسامح بدلا من الكراهية، وزهور القبول بالآخر بدلا من الرفض المطلق، ونعلي من قيمة الحوار والإختلاف من أجل الوصول إلي التعايش.

في الحقيقة، وحتى نصل الي درجة من وضع الحلول، لابد أن نقول ما تم السكوت عنه مدة طويلة بأن الدين، يتحول بفعل رجال الدين والفقهاء والمؤسسات الدينية إلى علة للتخلف والركود العقلي والفكري ينتج عنه بالضرورة إضطهاد فكري وديني وعرقي بفعل التشرنق أو التكلس الذي يصيب نصوص هذه الأديان بفعل الجمود والسكون لإمتناعها عن التجديد والتبديل والتغيير والتعطيل. وهنا يكمن السر في تراجع الشعوب بعد إعتناقها لأي دين بفترة تطول أوتقصر، لكنها لامحالة من إصابتها بالتخلف. لأنها تفقد ديناميكيتها فلا تجد من يقوم بتعديل نصوصها أو تغييرها أو حتى إلغائها بعد فقدها للنبي، وما الخمول والإنحطاط الذي يصيب العقل الديني نتيجة وصفات النصوص الدينية المتكررة دون إعادة النظر فيها بشكل جدي، سوى الضعف الذي يصيب الجهاز المناعي عند تكرار تناول المريض لنفس الدواء. ومع أن المذاهب الدينية التي تظهر بين فترة وأخرى، تشكل أحياناً محاولات جادة وجريئة لتخليص العقل الديني من حالة السبات، والتقليل ما أمكن من الآثار الجانبية الضارة للفكر الديني، بإدخال نوع من التغيير في الأديان، إلا أنها لا تلبث أن تحتاج هي نفسها إلى التغيير والتجديد، وكنتيجة طبيعية لثبات النصوص الدينية فإنها تنقل عدوى ثباتها إلى العقل الديني ليناله الجمود ثم لا يلبث أن يتحول إلى عقل محنط وفي أحسن الأحوال إلى كمبيوتر آلي يقوم بتلقي البرامج المقدمة له وإكتنازها دون أدنى إعتراض، ومن ثم الإشتغال وتقديم النتائج وفق تلك المعطيات. العقل الديني إذن هو في أفضل حالاته آلية تقوم بترجمة النصوص الدينية أفعالاً وأعمالاً وحركات وفق إملاءات وتفاسير تلك النصوص ذاتها. ومن هنا نجد أن التجديد والتبديل والتغيير أو أي عملية إجرائية أخرى في النصوص الدينية تعتبر ضرورة لابد منها وتفرض نفسها بكل قوة كلما إشتدت الآثار السلبية لهذه النصوص حدةً. إلا أن أي إجراء عملي تجديدي لهذه النصوص لا يلبث أن يتحطم ويتفتت عند إصطدامهبالكهنوت الديني الرافض لإلغاء امتيازاته نتيجة تحكمه بالتفسير والتأويل الديني.

وأمام هذه الحقائق، والتى مازال الإختلاف عليها بمثابة الجذر الأساسي لمشكلة العلمانية والدين الإسلامي، فإن بالتالي وبالضرورة، تصبح العلمانية بما تعنيه في أبسط معانيها والمتمثل بفصل الدين عن الدولة هو الخيار الإنساني الذي يساهم في تعزيز المواطنة والحفاظ على الإنسان العربي من التشرذم والسقوط في الماضي والمكوث فيه قرونا طويلة. ان فصل الدين عن الدولة لا يعنى تغييب الدين عن المجتمع، بل عدم استغلال الدين كمطية للسلطة كما يفعل ما يعرف بالاسلاميون، لان الاسلام عقيدة عالميةحالها حال المعتقدات والأديان الأخري تمتد مع حياة تابعيها. ولكن جعلها فردية، بمعني أن تكون حاملا شخصيا غير مؤثر على حياة الأفراد الأخرين وغير قائدة في مجتمعاتنا، هو ما يضمن لنا جميعا بزوغ العلمانية طريقا يناسبنا في عالم اليوم.

1 تعليقك

  1. المقال اكثر من رائع ..برأيي لا يتفق الفكر الاسلامي مع الفكر العلماني باي شكل من الاشكال …ولطالما بقي الفكر الاسلامي هو المسيطر على شعوب المنطقة العربية فلن يكون هنالك دولة علمانية ..علينا بالاول تنحية الفكر الديني الاسلامي تماما عن المجتمع ..ربما تجربة اتاتورك تفيدنا قليلا في هذه الفترة ..وبعد بناء جيل علماني حقيقي يبني الدولة العلمانية ربما سيعود الاسلام كقيمة روحية بسيطة بعد 100 سنة ولن يكون له حينها ذلك التاثير ..منع ريس الدين بالمدارس واستبداله بمادة حقوق الانسان ربما تكون بداية صحيحة ..فرض الحداثة والتنوير بالقوة ربما تفيدنا كثيرا في هذه المرحلة ..نحن في ازمة كبيرة علينا اخذ التدابير الصارمة للخروج منها ..مع المافيا الدينية المسيطرة اليوم سيكون تحقيق الهدف صعب ولكنه ليس مستحيلا بكل الاحوال ..تحياتي

اترك رد