تحت لهيب الحرب: خفايا عمل الصحفيين الاجانب في العراق

 
الصدى-تحت-لهيب-الحرب
مع الوفد الاسياني في فندق الرشيد

حدثت في القرن العشرين حروب عالمية عدة غطيت اعلاميا من مراسلون حربيون لوكالات عالمية اخبارية معتمدة ومراسلوا الراديو لنقل الاحداث من ساحة المعركة….إلا أن حرب الخليج 1991 كانت بامتياز”حرب ألتلفزيون” وتزامن ذلك مع إنطلاق ال سي أن أن ألاميركية لاول تغطية عالمية مطلقة لحرب ..فمنذ 2 آب 1990 حين اجتاحت القوات العراقية الكويت أصبحت شاشة التلفزيون هي الوسيلة الاهم والوسيط المباشر لمعرفة ما كان يحدث على الارض بعيدا عن صناع القرار والسياسين والافراد العاديين الذين كانوا جالسون في مقاعدهم في مكاتبهم وبيوتهم ويتابعون ما كان يحدث على الارض في كل انحاء العالم في لحظة حدوثه. فأصبحت بغداد هي مركز صنع الاخبار..وتطلب ذلك تواجد حشدا من الاعلاميين ليقوموا برصد وتصوير ونقل ما كان يحدث على الارض اولا بأول، وقد أرسلت كل وسائل الاعلام في العالم اجمع خيرة مراسليها وصحفييها ومصورييها وفنييها المحترفون واشبعتهم دورات تثقيفية وامنية وسياسية وحتى صحية لتلقيحهم ضد الاسلحة الكيمياوية والجرثومية وأرسلوهم الى العراق ، بأفكار سلبية منها ” أن العراقيين قد يعتدون عليكم أو تتعرضون للاشعاع  من جراء استخدام العراق للاسلحة المحرمة…

فوصلوا بكامل قيافة الحروب منها: الاقنعة الواقية للغازات السامة وحواسيب وصدريات وخوذ حديدية واقية للرصاص وصدريات واقية مكتوب عليه صحافة بأحرف كبيرة.. وأحذية عسكرية وكاميرات شخصية وراديوات ترانسستر وكمية كافية جدا من البطاريات الجافة وصناديق الاسعافات الاولية و كميات كبيرة من الادوية الاساسية وألاقلام الجافة ودفاتر الملاحظات ، وقد تعلمت منهم كتابة الملاحظات اليومية والتي ساعدتني عندما كتبت كتابين عن تلك الفترة ،

توافد على العراق من 5/2/1990 وحتى انتهاء العمليات العسكرية في 3/3/1991، حوالي 750 صحفي و مراسل تلفزيوني واذاعي ومنتج ومصور تلفزيوني ومصور فوتغرافي وفني صوت وصورة ، شغلوا فنادق عشتار شيراتون وفلسطين ميريديان والمنصور ميليا وتأجل اشغال فندق الرشيد الى بدء الحرب ، ….وكان من واجبي الاساسي كمدير العلافات والمشرف الميداني على عمل الصحفيين الاجانب في العراق.. ان اقابل كل فريق على حدة و أناقشهم على برامجهم وشطب كل الطلبات غير الواقعية.. وبعد موافقة مديري السيد ناجي الحديثي ، يقوم مرافق يتكلم لغة ذلك الفريق بمرافقتهم لتسهيل جولاتهم الميدانية، وبعد انتهاء عمل المونتاج يذهب منتج الفريق بصحبة المرافق الى غرفة البث الفضائي التي هيأتها دائرة الاذاعة والتلفزيون بالقرب من مكتب السيد المدير العام وتم تزويد الغرفة الجديدة بالعديد من المونيترات وأجهزة البث التلفزيوني لنقل الفيديو صورة وصوت عبر المحطة الارضية في الدجيل الى دائرة التلفزيون في عمان ومن هناك الى محطات التلفزيون العالمية بادارة السيدة عواطف سمير. واستمر العمل على هذا المنوال لغاية 2.31 بعد منتصف فجر يوم 17 كانون الثاني 1991 عندما اغارت طائرات وصواريخ قوات التحالف الذي تكون من 33 جيشا و من 28 دولة من كافة انحاء العالم . فأجئنا الصحفيون في لوبي فندق الرشيد حيت فتحنا المركز الصحفي ، بالصحفين الاجانب وهم يحملون جنط حديدية كبيرة فيها جهاز الهاتف الفضائي ” ألانمارسات ” وهو جهاز هاتف فضائي ومضلة حديدية لاستقبال الاشارة من القمر الصناعي وبدء أستخدام الهاتف لأرسال التقارير الصوتية واستمر الحال ليومين..ولتطور الاحداث المتسارع وسخونتها مما يتطلب تصوير آثار القصف وبث فوري صورة وصوت … بدلا من نقلها برا الى عمان …حصلت الموافقة وارسلت الى المرحوم حسين السامرائي مستشارنا الصحفي في عمان لتسهيل دخول ال أس أن جي وهو جهاز بث فضائي صورة ووصوت لشبكة دبليو تي أن ويديرها الصحفي الاردني ميشيل الحاج في فندق الرشيد.

ولان النقل التلفزيوني اصبح مباشر على الهواء فأن ما يقوله المراسل وما يصوره المصور التلفزيوني من بغداد وخاصة أخطاء طائرات التحالف التي استهدفت مواقع مدنية … الامر الذي عرض المراسلين الاجانب الى انتقادات شديدة من قبل السياسين المسؤولين في بلدانهم ومن ثم من رؤوساءهم المباشرين من قنواتهم الى وابل من الانتقادات اللاذعة لدرجة نعتهم بالكذابين او ان العراقيين قد مسحوا افكارهم وزودوهم بمعلومات مضللة…في حين انهم اي المراسلون والصحفيون كانوا ينقلون حقيقة ما يحدث على الارض في العراق جراء القصف…وكشفوا بكاميراتهم استهداف الطائرات والصواريخ “الذكية”الخاطيء لاهدافا مدنية لا عسكرية وقتل اعداد من المدنيين العراقيين الابرياء. ولكون فندق الرشيد أصبح مقرا للمركز الصحفي الاول ومقرا لاقامة وعمل الشبكات التلفزيونية والصحفيين…فلقد دخل فندق الرشيد بطوابقة ال 15 ليصبح من اشهر الفنادق التي دخلت التاريخ من اوسع ابوابه…ان  كل مذيع ال سي أن أن يقول على الهواء .. ننتقل مباشرة الى فندق الرشيد في بغداد حيث مراسلنا بيتر آرنيت…………………..

مع الصحفيين الاردنين اثناء كتابة تقاريرهم
مع الصحفيين الاردنين اثناء كتابة تقاريرهم

وكما ذكرت فأننا تعرفنا على خيرة صحفيي العالم وأخذنا نناقشهم ونحاول ان نصحح بعض الافكار السلبية التي وصلوا بها ونجح المرافقون العراقيون الى أبعد الحدود بشهادات الاجانب منهم الباحت الاعلامي ألكس تومبسون في كتابه المهم ( ضباب الشاشة) ص 244 ما نصه……(إن طريقة عمل المرافقين العراقيين كانت ناجحة الى ابعد الحدود.)… حيث كانت نقاشاتنا في اوقات راحة الصحفيين الاجانب تنصب حول الفكرة الخاطئة التي جاءوا بها من …..ان العراقيين سيعتدون علينا لاننا من نفس الدول التي تستهدفهم……وقد أكدت لهم مرارا وتكرارا ….أن الشعب العراقي شعب عريق تاريخه يعود الى آلآلآف السنين فانه من المستبعد أن يقدم أي عراقي على تهور مثل هكذا فأطمئنوا وثقوا بي وبالمرافقين العراقيين وستسير الامور على مايرام. فقاطعني برنت سادلر مراسل آي تي أن البريطانية ….أنه لو لندن تعرضت للدمار من طائرات معادية وقام فريق تلفزيوني من نفس جنسية الطياريين المعادية ، فأن اللندنيين سيمزقون الفريق إربا…. وضحكنا أنا وبيتر آرنيت وآخرين ومرافقين عدة…..وبعد سنة و نصف من عمل ميداني مع الاجانب وجولات لكل انحاء العراق قاطبة ….لم يتعرض أي صحفي او مراسل أو مصور او فني لاي اعتداء مهما كات ولو بكلام جارح…وهم يفهمون ولا يتحدثون العربية.. ومنذ الشهر الاول لتعاوننا اصبحت صديقا لكل هؤلاء الصحفيين نتبادل الاراء والافكار والمعلومات .. ولم اخذلهم باية معلومة مستنيرا بمقولة الاستاذ الراحل نزار حمدون حيت اكد لي أن سر النجاح مع الاجانب هو …الاحترام وتقديم معلومات دقيقة وصادقة…..فتعمقت علاقاتي بهم وانعسكت ايجابيا على عمل زملائي المرافقين والمترجمين….ومن ناحيتي عمقت فيهم اثناء نقاشي معهم نقل الواقع على الارض دون رتوش و دون اجندات مسبقة…وقد اتفقنا على ذلك. وتأكيد على فكرة الاجندات المسبقة فأن مراسلة الصنداي تايمزالبريطانية ماري كالفن الاميركية الاصل وكانت صحفية بارعة وشجاعة ..(قتلت في حلب في سوريا مؤخرا) تتجول وتخزن دون انت تسجل اي ملاحظة ،لترسل يوم السبت للنشر اليوم التالي الاحد..قدمت الصحفية تقريرها لي للمراجعة يوم السبت و اعترضت على جملة ( تسود حالة من التذمر والرفض للحرب في اواسط سكان مدينة صدام..الثورة سابقا….وقد اخبر اهالي المدينة المراسلة ذلك.) فضحكت وقلت لها اننا لم ننظم اية زيارة ميدانية الى المدينة مطلقا….فأنبتها لذلك…هذه هي الاجندة المسبقة….فشطبت الجملة من تقريرها..فضحكت لكل ذلك……فعلى مدى سنة ونصف من عمل يومي بكل تفاصيله ليل نهار، لم يتعرض أي أجنبي الى إهانة او اعتداء لا لفظي ولا يدوي ولم يعتقل اي صحفي على كلام قاله او كتبه او بثه او ارسله للنشر في الخارج ..إلا حالتين متميزتين اثبتت للاجانب ان تحذيراتي كانت محقة وصادقة…

الحالة الاولى…كان من ضمن مجموعة المصوريين الفوتغرافيين مصورة فرنسية الجنسية و محترفة جدا غاية بالدقة في التصوير او كما يقال عدستها حادة جدا واسمها …ميمي وكانت متشحة بالسواد بالكامل ……. وبالرغم من اني حذرتها ككل الاخرين من الخروج دون مرافق مع كاميرتها….فأنها لم تخرج لوحدها مع كامرتها حسب بل وقفت على جسر الجمهورية بمحاذات وزارة التخطيط وبدأت بالتقاط صور لما بعد وزارة التخطيط باتجاه العمق حيث القصر الجمهوري……ولم نعلم انها محتزجة في مركز شرطة الصالحية إلا بعد ساعة حيث ابلغني السيد ناجي أن أذهب واخرج المصورة الفرنسية ميمي من المركز..وقد استقبلنب الضابط قائلاكررت كلمة عربية واحدة…صحافة ……..ففتح الضابط الباب…فوجدت ميمي جالسة في غرفته لوحدها و ليس خلف القضبان… كانت مذعورة فهدأتها.. واعتذرت ميمي من الضابط وصافحته….وقدمت اعتذارا للوزارة وكان ذلك قبل بدأ العدوان باشهر.

الحالة الثانية….. فمع انهمار الصواريخ على بغداد السلام في فجر 17/1 انقطعت الاتصالات في الفندق لاستهدف القصف البدالات الهاتفية فاسقط بيد الصحفيين وكانوا يبحثون عن وسيلة اتصال لتحقيق سبق صحفي ، بينهم كان الصحفي الاسترالي ( بروس جسمان ) مراسل وكالة انباء… ففكر من أن هاتف السفارة الاميركية فضائي ولطالما استخدمه الصحفيون لعدة مرات عند زيارتهم للسفارة ، عرفت كل ذلك منه شخصيا….فخرج من لوبي الفندق الى الحديقة ومنها تسلق الحائط القريب من وزارة الخارجية وحسب متابعته لسير السيارة التي كانت تأخذه الى السفارة الاميركية في منطقة المسبح ..سار بخط مستقيم وعبر جسر الجمهورية مسرعا ودلف يمينا في شارع السعدون واندفع بخط مستقيم…وما ان وصل الى المسرح الوطني بحدود الرابعة فجرا….انهمرت صواريخ على مقرقيادة القوة الجوية الى يسارالمسرح….فدفعه حسه الصحفي ….فأتجه الى مصدر الانفجاراتان الموقع قيادة القوة الجوية ولكونه قصير والسياج عالي….قرر تسلق الجدار الخارجي ليتحقق من الامر….وقفز من فوق السور ليعتقله حرس الحماية للقيادة في الحديقة معتقدين انه طيار اسقطت طائرته… واختفت اخباره نهائيا لانه لم يخبر حتى زميله في الغرفة الصحفي الاسترالي دونالد كيرك ما كان ينوي عمله ،…..وقد واصل البنتاغون تهديداته ضد تواجد الصحفيين للعمل في العراق لانهم اصبحوا “جزءا من ماكنة صدام الاعلامية “..فرضخ الصحفيون مجبرين الى اوامر رؤوساهم وقرروا المغادرة ….فغادر اغلبهم عدا بيتر آرنيت من ال سي أن أن و ألفونسو روخو من صحيفة الموندو الاسبانية وميشيل الحاج من شبكة ال دبليو تي أن و قررت شبكة آي تي أن البقاء ليوم اضافي لان لديها موعد مع أمين بغداد المرحوم خالد عبد المنعم الجنابي للقيام بجولة ميدانية لتصوير حالة وسلامة محطات الماء والمجاري لكل انحاء بغداد وغادرالفريق في فجراليوم التالي.
 الصدى تحت لهيب الحرب

نعود الى حكاية بروس جسمان ..دفع غيابه المفاجيء زميله الى تصفية مستحقات غرفتهما دون ان يبلغ عنه ولملم كافة اغراضه الخاصة وجوازه ومقتنياته الشخصية وغادر. وبعد ثلاثة أيام جاءني المرحوم جليل الشيخ راضي مساعدي الاداري وابلغني أن ضابطا من القوة الجوية يريد التحدث اليه، فقابلته وبعد التعارف طلب هويتي فاعطيته هوية نقابة الصحفيين العراقيين…ففاجأني بالسؤال هل لديكم صحفي مفقود ، لم اتفاجيء من السؤاال لان دونالد عندما وصل الى عمان صرح بأن زميلة قد أختطف أو قتل في القصف في بغداد، وابلغنا بيتر آرنيت بذلك وكانت ال سي أن أن قد أبلغته بالامر وبدأنا بحثنا عنه. قلت له هناك صحفي واحد مفقود…قال اوصفهه لي…قلت بعفوية قصير ضعيف بنظارات طبية مدورة…تبسم الرجل وقال أنقذته….ما اسمه ..قلت بروس جسمان…فطلب أن يصاحبه أحد الى السيارة ويستلمه بتوقيع لانه معه فخرجنا كلنا انا وجليل والمسؤول الامني الى باحة فندق الرشيد وكانت صفارات الانذار تصرخ لغارة….فقفز بروس من السيارة وقبلنا جميعا….فاخذه جليل الى المطعم ليتعشى …ورجعت الى بيتر ارنيت وكان يبث رسالته الصوتية لنشرة اخبار ال سي أن أن .. فكتبت له الخبر …فقطع بث النشرة ليذيع هذا الخبر المهم جدا…فطلب منه المذيع ان يجلب بروس للحديث معه..فالتفت لي على الهواء وقال ..سعدون اين بروس…فجلبته معي الى حيث بيتر وطلبت منه ان لا يذكر اي شيء سلبي عن فترة اعتقاله لعدة ايام فهز رأسه موافق وقال لا تقلق …وبعث بروس برسائل طمئنة الى صديقيه ثم عائلته ومسؤوليه في الصحيفة….بعد ذلك طلب أن يذهب الى غرفته ليجد ايده والارض …وقد ترك له زميله ملابسه الداخلية فقط…. واخذ نقوده و نزل الى اللوبي وذكر انه يريد ان يغادر وليس معه نقود لاستئجار سيارة ولا اوراق ثبوتية للسفر…واستغرق الامر ساعات طويلة من الرابعىة فجرا وحتى الرابعة مساء وعاد المسؤول الامني بالاوراق الثبوتية وقد استخدم صورته في استمارة حجز الفندق…اما النقود فقد تكفل بيتر آرنيت بدفع تكاليف السيارة و اشترى له ماء ووجبات اكل للسفر وانتهت رحلة المتاعب الحقيقية.

أخيرا أكرر و أوكد أن العراقيين كانوا غاية بالانضباط والاخلاق في تعاملهم مع الاجانب في كل انحاء العراق وكانوا يردون على اسئلتهم عن الدمار …نعم كانوا يشتمون اميركا والغرب والعرب الخونة لتدمير بلدهم …لكنهم كانوا في منتهى الادب مع الصحفيين ولو انهم من دول العدوان….مع انهم يشاهدون عماراتهم وبناءهم الشامخ ومصانعهم وفخرهم بانجازات وطنهم وهي تتحطم وتدمر امام اعينهم وهم يقفون مع الاجانب على الاطلال يتحدثون عن كل ذلك….

تحية لكل من عمل معي من اخوتي وزملاءي المرافقين والمترجمين وموظفوا المراسم واقسام الوزارة كافة…والذين مجتمعين ساهمت جهودهم ان ندير دفة السفينة بالاتجاه السليم دون ان ينجح اي صحفي اية معلومات حساسة تمس امن الدولة والحمد لله وغادروا وهم اصدقاء بعد ان دخلوا العراق كاعداء….. لم يكن في بالنا جميعا التكريمات مطلقا …..بل كان هاجسنا تنفيذ واجباتنا المكلفين بها بكل اخلاص وتفاني وولاء لخدمة وطنا العراق بشرف.

لا تعليقات

اترك رد