كيفية حل المشكلة الاقتصادية المصرية

 

لا شك أن الاقتصاد المصري كان يعاني قبل ثورة يناير من مجموعة من الاختلالات الهيكلية، وأن استمرار بعضها قد يبدو طبيعيا تحت أية إدارة اقتصادية، ولكن الملاحظ هو تنامي الأزمة علي كافة المؤشرات، وأضحي التراجع الاقتصادي كأنه قدر لا فكاك منه، وكذلك فان حجم المساعدات والمعونات والقروض التي حصل عليها النظام كان غير مسبوقاً، بل ويعتبره كثيرون كافيا للبدء في إصلاح اقتصادي حقيقي، لا ينعكس فقط في صورة تحسن في المؤشرات الاقتصادية لكنه ينعكس كذلك علي مستوي معيشة المواطن البسيط والخدمات الحكومية المقدمة للجميع، والمؤكد ليس فقط أن كليهما لم يتحقق، ولكن أيضا تفاقم الأزمة.

من أخطر التحديات التي تواجه مصر حاليا وفي المستقبل هي ارتفاع معدلات البطالة، لأسباب عديدة أهمها عدم مناسبة إستراتيجية التعليم الحالية لمتطلبات سوق العمل، بصفة خاصة التعليم الجامعي، من ناحية أخرى فإن عمليات الاستثمار التي تتم حاليا في الاقتصاد المصري لا تخلق فرص عمل كافية للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وقد كان من المفترض أن تركز استراتيجيات الاستثمار على الأنشطة كثيفة الاستخدام لعنصر العمل. عدد كبير من الداخلين الجدد لسوق العمل من كافة المصادر يقضون حاليا فترات طويلة في حالة بطالة بحثا عن العمل الذي لا يجدونه في كثير من الأحيان

مع التأكيد على أن مسار الصعود المتعرج طبيعياً سواء لجني الأرباح من قبل المضاربين، أو للتأثير المؤقت للمساعدات الخارجية، وفي بعض الأحوال التصرف في بعض المدخرات لصغار المدخرين الذين اضطروا للدولرة كأداة استثمار سريعة العائد.

تحدد الرؤية التوجه المستقبلي للدولة، على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، سواء من حيث النظام المتبع، والمذهب المطبق، أو المكانة التي تريد أن تحتلها الدولة في المستقبل. فالرؤية باختصار هي الحلم المطلوب تحقيقه. الرؤية الجيدة هي القادرة على استشراف الغد، والسباق نحو التميز والريادة، والسعي نحو نيل المراتب الأولى، وذلك من خلال تبني ممارسات إنسانية وإدارية ومهنية ناجحة، تسهم في ديمومة التجربة السياسية وتألقها الاقتصادي وريادتها الإدارية والمهنية. ومن خلال الرؤية يتم تحديد مجالات الأنشطة الأكثر أولوية، ومدي الترابط فيما بينها، ووضوح صورة المطلوب انجازه، فتنتج الانتعاش على كافة الأصعدة.

واعتماد الرؤية ما هو إلا بداية فقط لرحلة مليئة بالتحديات والصعوبات والمسؤوليات والمهام، وتبقى قدرة الأجهزة الحكومية على التنفيذ المحدد الرئيس لترجمة الرؤية إلى واقع، والذي لن يكون فعالاً إلا بمعايير جودة وتقييم ورقابة من مختلف الجهات وأطراف المجتمع المعنية ومحاسبة عالية وشفافة.

عدم تطبيق ما سبق على الحالة المصرية أنتج مشروعات مبعثرة لا يربطها إطار كلي، ففقدت الوفورات الخارجية والداخلية، وإمكانيات التكامل بين المشروعات أماماً وخلفاً، كما أنها لا تخضع لنظام ومذهب اقتصادي بعينه، ولا يتم اختيارها وفق أولويات مجتمعية نابعة من رؤية ما، ولا وفقاً لإستراتيجية معينة، سواء أكانت تستهدف كفاية الإنتاج المحلي وكفاءته طبقاً لمعايير الجودة المتفق عليها، أو حتى تتوجه نحو المنافسة الدولية في مجالات تختار بعناية، بل تم التغييب المتعمد لأبسط قواعد المحاسبة والشفافية.

كل ذلك أفرز ناتجاً اقتصادياً لا يتناسب إطلاقا مع حجم التدفقات الخارجية إلي الاقتصاد القومي، ولا مع طموحات الجماهير وتطلعاتها، ولا حتى مع أبعاد المأساة الاقتصادية التي يعيشها نصف المصريون على الأقل. وأمام هذه الضغوط يضطر الكثير من الشباب إما إلى الهجرة إلى الخارج أو قبول وظائف لا تتماشى مع مؤهلاتهم ومهاراتهم، أو العمل في القطاع غير الرسمي من الاقتصاد المصري، وهو ما يمثل هدرا للموارد الضخمة التي أنفقتها الدولة على عمليات تأهيلهم. المشكلة التي يواجهها صانع السياسة في مصر هي أن نسبة صغار السن تعد مرتفعة للغاية، وعاما بعد آخر ترتفع أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وكل عملية خلق لوظيفة إضافية تقتضي ضرورة القيام بإنفاق استثماري يعتمد على ما يطلق عليه في الاقتصاد بالمعامل الحدي لرأس المال/العمل

أي مستوى الإنفاق الرأسمالي اللازم لخلق وظيفة إضافية. وأخذا في الاعتبار المستويات الحالية للبطالة فإن التعامل مع مشكلة البطالة في المستقبل سوف يتطلب ضرورة القيام باستثمارات ضخمة تتجاوز إمكانيات الاقتصاد المصري حاليا، ولا شك أن استقرار مصر الاقتصادي في المستقبل سوف يتطلب ضرورة خلق عدد كاف من الوظائف المنتجة للملايين من العاطلين عن العمل حاليا، وللداخلين الجدد إلى سوق العمل، ولا شك أنه هذه مهمة لن تكون سهلة، وتتطلب رسم خطط متكاملة للتنمية في القطاعات الإنتاجية المختلفة في الاقتصاد المصري مصحوبة بسياسات فعالة لجذب الاستثمارات الأجنبية في الصناعات كثيفة الاستخدام لعنصر العمل.

على المستوى المالي تواجه مصر تحديا آخر مرتبط بارتفاع العجز في ميزانيتها العامة، والذي يصل في بعض الأحيان إلى نسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة جدا، وتفرض على مصر، في ظل ضعف القاعدة الضريبية بها أن تلجأ إلى الاقتراض، سواء المحلي أو الخارجي، ولا شك أن استمرار هذا العجز على نحو متصاعد يعني أن النمو الحالي في الدين العام سواء المحلي أو الخارجي لن يكون مستداما، ويتوقع أن يميل هذا العجز نحو الارتفاع بصورة واضحة في فترة ما بعد الثورة، وذلك قبل أن تعمل مصر على رفع إيراداتها العامة وترشيد نفقاتها بهدف السيطرة على النمو في ميزانيتها العامة. فعلى الرغم من هيكل الضرائب المكثف جدا الذي تتبناه مصر حاليا،

إلا أن الإيرادات الضريبة تعتبر منخفضة بشكل عام، ولا تتجاوز نسبة الـ 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي بهذا الشكل تقل عن المستويات المحققة في معظم دول العالم المتقدم منها والنامي، الأمر الذي يعكس حقيقة أن الضرائب المفروضة، على كثافتها، لا تحصل، وأن هناك تهربا ضريبيا يمارس على نطاق واسع في الدولة من قبل الممولين وبمساعدة الجهاز الحكومي الذي يفرض ويحصل الضريبة، وأن الجهاز الضريبي لا يتسم بالكفاءة والفعالية المناسبة.

من ناحية أخرى تواجه مصر من الناحية التقليدية عجزا مستمرا ومتفاقما في ميزان المدفوعات، بصفة خاصة في الميزان التجاري (الصادرات السلعية والواردات السلعية)، حيث تعجز الإيرادات من النقد الأجنبي من الصادرات عن تغطية احتياجات مصر من الواردات من الخارج. وعلى الرغم من أن ميزان المعاملات غير المنظورة (صادرات وواردات الخدمات) يحقق فائضا، إلا إن هذا الفائض للأسف لا يكفي لتغطية فجوة الواردات في الميزان التجاري، لذلك تلجأ مصر إلى الاستدانة بصورة مستمرة لتغطية العجز في ميزان المدفوعات.

تواجه بيئة الأعمال في مصر عقبة خطيرة تتمثل في انتشار الفساد على نحو واسع والذي أصبح يؤثر سلبا على عمليات تخصيص الموارد وكيفية توزيعها بين الأطراف المختلفة في الدولة، كما أصبح الفساد يهدد إقبال المستثمرين على الاستثمار في مصر، بصفة خاصة الاستثمار الأجنبي. :

الدولة المصرية تدفع مقابلاً بسعر السوق للهيئة الهندسية مقابل كل مشروع يسند اليها لتنفيذه، ولكن للأسف نتيجة كثرة المشروعات والمبالغة في القدرات (سواء من حيث حجم العمالة أو المهندسين أو حتى الآلات) وسلق الدراسات تكون النتائج من عينة انهيار أربعة كباري بعد عام واحد فقط من تشييدها، أو إنفاق مليارات على أنفاق وكباري لحل أزمة مرورية في نقطة مكانية معينة. وبعد البناء نجد أنها والعدم سواء، ويزداد الأمر سوءاً مع انعدام القدرة على المساءلة.

وحينما تعترف الهيئة بمحدودية قدراتها تلجأ إلي مقاولي الباطن، تشاركهم الهيئة الربح، ولا يخفي أن ربح الهيئة سيقتطعه مقاول الباطن من أجور عماله ومهندسيه ومن جودة التنفيذ، فإذا علمنا أنه في معظم المقاولات -خاصة الكبرى منها- أن سلسلة مقاولي الباطن تمتد إلي ثلاثة وفي أحيان أربعة مقاولين، لنتخيل كم سيبقي للعمال الفعليين ولجودة تنفيذ المشروع. وللأسف في هذه الحالة تصبح الهيئة الخصم والحكم في نفس الوقت.

الفساد يساهم في زيادة تكلفة ممارسة الأعمال، ويقلل الثقة في العمليات التجارية، ويشوه المنافسة، ويزيد من المخاطر القانونية والتجارية للشركات. والمأزق الكبير لجهود مكافحة الفساد هو حصرها في التشهير بحالات فساد فردية محدودة، علاوة على الوقوع في فخ التسيس وتسوية الحسابات لتسقيط هذا وترفيع ذاك.

للفساد أسباب عديدة ومتنوعة منها على سبيل المثال: الفردية في فرق العمل، الفساد الإداري، الفساد القانوني، انعدام الاستقلال القضائي، افتقاد الرقابة والمساءلة، طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة، وانهيار الأخلاق، وانتشار الفساد العالمي العابر للقارات.

وتوجد أهمية كبيرة للتضافر بين برامج مكافحة الفساد وبين حزمة الإصلاحات اللازمة لتحسين الأداء التنموي (وذلك من خلال وضوح الأهداف التنموية من برامج مكافحة الفساد من ناحية، وإدخال ضمانات النزاهة ومكافحة الفساد ضمن السياسات التنموية من ناحية أخري) حيث يفيد هذا الربط في تحديد القطاعات والمجالات ذات الأولوية في تخطيط برامج مكافحة الفساد. على سبيل المثال: برامج وخدمات التعليم الأساسي، البرامج والخدمات الصحية، مجالات الإنفاق على المشروعات الكبرى، مجالات حماية المستهلك، مجالات حماية المنافسة والرقابة على الاحتكارات.

وتشير التقارير التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية إلى تراجع ترتيب مصر الدولي في مجال مكافحة الفساد، ولا شك أن من أهم التحديات التي تواجهها مصر في المستقبل هي كيف تكسب معركة محاربة الفساد المستشري بصورة عميقة في كافة أرجاء الجهاز الإداري للدولة، خصوصا مع تدني مستوى المرتبات التي يحصل عليها العاملين في الدولة وتجاهل النظام السابق لهذه الحقيقية بصفة مستمرة وعدم العمل بجدية على تحسين أوضاع هؤلاء العاملين، وبما أن العاملين في الدولة ينبغي عليهم تدبير قوت يومهم بصورة ما، فقد انتشرت الرشوة وغيرها من أشكال الفساد الإداري على نطاق واسع.

رغم استمرار حقن الإنعاش من مساعدات وقروض للاقتصاد المصري والتي وصلت لحدود غير مسبوقة، أفصحت كافة المؤشرات الاقتصادية عن تراجع حاد للاقتصاد المصري، تنبئ بأحواله المتداعية في المستقبل القريب، الأمر الذي أوجب البحث في الأسباب التي تقف خلف هذا التداعي، ان أهم تلك الأسباب ومن بينها غياب الرؤية الاقتصادية التي تجمع مزايا المشروعات المبعثرة لتصهرها داخل الوعاء الاقتصادي، وكذلك اضطلاع المؤسسة العسكرية بأدوار أكبر من قدراتها الاقتصادية، وتغييب الأسس الاقتصادية لهذه الأدوار، التي يعاني منها الاقتصاد المصري ، وكيفية التعاطي مع طبقة رجال الأعمال في مصر، ثم التعريج علي دور الفساد في تثبيط التنمية الاقتصادية وتعظيم كلفتها،

لا تعليقات

اترك رد