ضد الإسلام السياسي

 
الصدى-ضد الاسلام السياسي للكاتب حسام كصاي
لوحة للفنان جاسم محمد

لم يعد الحديث عن الإسلام السياسي مقتضباً أو يعتمد فقط على الشروحات والتفاسير أو التركيز فقط على التعريف بالماهيات, لأنه كمفهوم صار يفرض نفسه شيئاً فشيئاً, وبقوة الرّصاص المرافقة للنص الديني, فلم يعد يصلح كمفهوم لتغطية جميع المواقف الاجتماعية أو الممارسات السياسية التي ترتبط أو تتأثر بالدين الإسلامي, إذ أصبحت عبارة “الدين سياسة” هي الميزة أو السمة التي تميزت بها الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة عن سابقاتها؛ لأن تاريخ الإسلام السياسي هو تاريخ كفاح الجماعة المُجسدة في وجوّدها أو المُتمثلة لبقاء الدين وانتشاره للاستقلال في وجه سلطة زمنية كانت تولد باستمرار في القتال على قاعدة ميزان القوة؛ ثم تعود لتجدد ذاتها من جديد فوق أنقاض ميراثها الديني؛ لهذا شكلت الظاهرة مشروع مشاكل جمة لسنا قادرين عن السكوت على فجاجتهّا وخرابها.

بمعنى إنْ الحركات الإسلامية المُتبنْية لهذه الظاهرة أو المنبثقة من خاصرتها, أصبحت تشكل قوة هائلة وكم متزّن من الأنصار والحلفاء والأصدقاء, وصارت طبقة الإسلاميين تشغل قاعدة جماهيرية كبيرة في صلب المجتمع العربي الإسلامي, إنْ لم تكون الأقوى حضوراً, وبرأينا إنْ تجاهل هذا الكم هو سبب تراجع المشاركة السياسية في النظم العربية, فالنظم الحاكمة لا تريد إلا مشاركة رمزية “محدودة النطاق” والمثال العيد من النظم السياسية العربية الحاكمة, التي تُقيد الحركات الإسلامية بقيود وشروط للعمل السياسي خشية الوصول إلى السلطة, وكانت تمنْحها المشاركة السياسية بشروطها هي لا بشروط الحركات الإسلامية ذاتها !

أي إنْ الحركات الإسلامية أرُيد لها أنْ تلعب دوراً سياسياً بصفة هامشية أو ثانوية, وكانت شُبه مُقتنْعة بذلك الدور لحرمانها ردّحاً من الزمن بين الاعدام والاعتقال والتهميش والاقصاء والقمع والنفي والتذويب, حتى جاءت ثورات الربيع العربي التي غيرت قناعات الحركات الاسلامية لترّفع سقف مطالبها من الأدوار الكومبارس إلى أدوار البطولة.

فأصبحت حركات الإسلام السياسي اليوم “ظاهرة القرن”, سواء أساعد الغرب بذلك أم عارض, فالغرب مهما سعى إلا إنه لا يستطيع الصمود أمام رغبة الشارع العربي, وربما كان الغرب أكثر فقه ومعرفة لقراءة الواقع بعين مُبصرة, الأمر الذي دفعه للاضطرار للتعامل مع الإسلاميين, فكان قريب من خطاباتهم, وشعاراتهم, وساعدهم على ذلك, لأن الغرب لا يجد غضاضة من التعامل حتى مع “أشد الإسلاميين تطرّفاً” لأنه في النهاية هو “المُغذّي” لهم (!), وهم صنيعته (!)؛ وكذلك الإسلاميين هم الأخرين لا يختلفون مع الغرب بخصوص الإشكاليات التي يشعر المواطن العربي انها عقبة للتعامل بين الإسلاميين وامريكا, وكلنا يدرك وصول مرسي للحكم (أول وأبرز الحركات الإسلامية في العالم العربي) دون أن يلغي اتفاقية الغاز مع العدو رقم واحد للعرب والمسلمين (الكيان الصهيوني), بل قدم ضمانات لأمريكا ولإسرائيل بانه ملتزم اشد الالتزام بتلك الاتفاقات التي أخذت “طابع مقدس” _ حرصاً على أمن وسلامة أرض ومصالح مصر أولاً, وحرصاً على بقاء العلاقات الخارجية المصرية _ الغرب أورو _ امريكية على وئام تام, فلا مرسي ولا السيسي استطاعا التلاعب أو الإخلال بذلك الاتفاق لأنه مبرم على قناعات ذات تأليه خاصة _؛ ولأن الإسلام السياسي؛ كظاهرة, كان عليها أنْ تحافظ على روحية فكرها ونظرياتها, لكن للأسف خلطت الأوراق واخفقت في الاستمرار لأسباب موضوعية وأخرى سيكولوجية.

وتالياً فإن الإسلام السياسي قد كان “خلطة مُزّيفة” من الأفكار خلطت من خلالها الأوراق، وشوهت صورة الإسلام المُبكر من خلال رّبطها بالإسلاموية؛ وهو أمر مُكلف وباهض بالنسبة للإسلام ومربح ونافع للإسلاموية؛ لأنها ظاهرة القرن ينبغي أنْ توضع في ميزان العقل لمراجعتها ونقدّها على إنها ظاهرة سياسية مُجردة من التقديس والطابع الإلهي.

لا تعليقات

اترك رد