تحدّيات دولية متوقعة خلال العام الجديد 2017

 

لا شكّ أنّ العام الجديد مليء بالتحديات التي تعصف بالعديد من القارات وعلى رأسها آسيا وأوروبا، حيث شهدت تركيا حادثًا إرهابيًا مروّعًا في أولى صباحات العام الجديد، دون التمكّن من العثور على الجاني حتّى اللحظة، وهناك بيانات تشير لهروبه تجاه أوروبا ما أدّى لاستنفار الأجهزة الأمنية التركية على الحدود المشتركة تجاه بلغاريا. عدا عن عمليات إرهابية أخرى شهدتها ألمانيا وتهديدات عديدة في عواصم الدول الأوروبية.

كما بات من الممكن قراءة مصطلحات جديدة ذات جذور عربية في العديد من المقالات الغربية مثالا على ذلك، “داعش، جهاد، جهاديّ، فتوى، ديانات” وغيرها من الكلمات التي تدلّ على الصراع العقائدي خلافًا لكلمة انتفاضة سابقًا والتي حملت دلالات النضال من أجل التحرّر ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي. كما استخدمت الصحافة الغربية مصطلحًا جديدًا دلّ بصورة خاصّة على حالة القلق والتوتر على الصعيد الدولي والمعني بذلك:

فلسطنة الصراع العالمي
ليس بالضرورة أن يحمل مصطلح الفلسطنة “Palestinazation” المعاني الإيجابية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقد ظهر من قبل مصطلح نقيض “Israilization” رغم أنّ كلاهما يدلّ على احتدام الصراع وتواصله بين الطرفين. الصراع الحضاري والعقائدي في العالم الغربي وارتفاع معدّلات الخوف والقلق من التعرّض لمزيد من العمليات الإنتحارية في كلّ مناسبة وعيد وطني في دول المنظومة الأوروبية، واتخاذ اجراءات غير مسبوقة لتحجيم الحريات الشخصية، ورفع صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخبارات لمراقبة المكالمات الهاتفية والمراسلات الإلكترونية والحسابات والتحويلات البنكية، وكذا السماح للقوات الخاصّة باقتحام بيوت المشبوهين واعتقالهم ومصادرة أملاكهم باسم مواجهة الإرهاب، أدّى لظهور مصطلح فلسطنة الصراع والمواجهة في قواميس الكلمات المتداولة في الغرب، وهي محاولة لظهور المحلّلين السياسيين والمفكّرين بالتفرّد مستخدمين هذه المفردات دون فهم جوهر القضية الفلسطينية – محور الصراع في الشرق الأوسط، رغم تراجع حضورها في المحافل الدولية والإقليمية في ضوء حالة عدم الاستقرار والحروب التي يشهدها الإقليم. تبدو المقاربة بين أوجه مقاومة الاحتلال المختلفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومقاومة عدوّ افتراضي غير محسوس ودون عنوان واضح ومحدّد، دون جيش أو موازنة في العالم الغربي مقاربة غير مقنعة، وتصبّ في صالح الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة.

ما تشهده الدول الغربية من مخاوف وذعر شبه يوميّ يحمل طابع الإرهاب المدني، حيث يستغلّ الإرهابيون أيّة أداة أو وسيلة للقيام بعمليات قتل جماعيّة، أدّت في نهاية المطاف إلى

تغيير نمط الحياة الاعتيادي في الغرب، ورفع الحواجز الإسمنية والتقنية ليس فقط ما بين دول المنظومة ما يهدّد بشرذمتها، ولكن أمام المؤسسات الحكومية والمدنية والمسارح ومحطّات مترو الأنفاق، وهذا أمرٌ مكلف على الصعيد المادّي والمعنوي ويبدو أنّ أوروبا على استعداد لقبول هذه الكلفة، دون بذل الجهود لمواجهة مصادر القلاقل والفكر الراديكالي. مصطلح فلسطنة الصراع في أوروبا بات يعني كذلك تأكيد حقّ إسرائيل في مواجهة الإرهاب الفلسطيني، حسب تصريحات العديد من المحلّلين بل وحتّى المستشرقين، والدعوة الحثيثة لتبنّي النموذج الإسرائيلي الناجح في مواجهة الإرهاب، دون التنويه بصورة مباشرة أو عابرة لمعاناة الطرف الفلسطيني من تبعات الاحتلال الإسرائيلي المتواصل على كافّة المساقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية.

الشعبويون – وعود كاذبة
شهد العام الماضي 2016 موجة من الشعبوية السياسية، أحسن استخدامها القوميون في أوروبا، وظهر مصطلح Post-truth الذي اعتبر الأهم خلال العام الماضي، وحسب قاموس أوكسفورد فإنّ الكلمة قد ظهرت تزامنًا مع الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب وحملة استفتاء خروج بريطانيا من إطار المنظومة الأوروبية، والمصطلح يعني “الظروف التي تصبح خلالها العوامل الموضوعية أقلّ أهمية بشأن تشكيل الرأي العام، مقارنة بأثر العواطف والمشاعر والرأي الشخصي”. على أيّة حال أدّى ذلك لنجاح استفتاء Brexit وفوز ترامب، لكن هناك مخاوف حقيقية من استمرار نجاح هذا المنطق الخطر على كافّة المستويات.

فرنسا أيضًا تعاني من فائض في الوصفات العاجلة للخروج من الأزمات، قدّمتها بحنكة زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبين، التوقّعات تشير إلى فوز مرشّح اليمين المعتدل فرانسوا فيون، لكن الوقت لا يزال مبكّرًا على حسم النتيجة وستحاول لوبين جاهدة رفع مستوى شعبيتها، ما سيترك أثرًا واضحًا في المنظور البعيد. هزيمة نوربرت هوبر زعيم اليمين المتطرّف في انتخابات الرئاسة في النمسا، يعدّ خبرًا جيّدًا في قوام الاتحاد الأوروبي، لكنّ النتائج تشير إلى إعجاب نسبة كبيرة من النمساويين بخطاب نوربرت المعادي للاجئين وسياسة الانفتاح، الأمر الذي سيتيح المجال لمزيد من التألّق الشعبوي خلال العام الحالي 2017 في دول لم تعان من هذه التوجّهات في الماضي القريب. تزامنًا مع فشل القادة الأوروبيين لإيجاد أجوبة شافية لمعالجة المخاوف والقلق الشعبي وانعدام آليات دمج اللاجئين للتعايش معهم ضمن النظم المبدئية والأخلاقية في أوروبا.

هولندا مرشّحة لجذب الأنظار خلال شهر مارس المقبل، حيث ينافس حزب “من أجل الحرية” اليميني والمعادي لموجات اللجوء بزعامة غيرت فيلدرز لنيل المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية. فيلدرز رحّب بفوز ترامب معتبرًا ذلك ثورة و “ربيع للقومية” داعيًا إلى

الانفصال عن المنظومة الأوروبية والتمهيد لعقد استفتاء شعبي كما Brexit. داعيًا الهولنديين لاستعادة بلادهم ثانية. ألمانيا بدورها ستشهد انتخابات عامة خريف العام الحالي، وستترشّح المستشارة أنجيلا ميركل لولاية رابعة وهي آخر الحصون المنيعة ضدّ الشعبوية والتوجّهات الانفصالية داخل الاتحاد الأوروبي، من المتوقّع فوزها بعد أن عقد قياديو الحزب الديمقراطي المسيحي مع حليفه الحزب الاشتراكي الديمقراطي صفقة، ليحصل الأخير على منصب رئيس ألمانيا، مقابل ترك منصب المستشار لصالح ميركل. لكن المستشارة الألمانية ستجد صعوبات جمّة في قيادة المنظومة الأوروبية دون شريكها القويّ في فرنسا، إذا أقدم فيون حال فوزه بمنصب الرئاسة في فرنسا على تغيير سياسة بلاده خلال العام 2017، ما يهدّد قوام المنظومة الأوروبية.

نادي اليورو
عانى نادي اليورو منذ العام 2011 من أزمات متعلّقة بمديونية العديد من الدول الأعضاء، وقفزت إيطاليا إلى السطح بعد أن احتلت اليونان طليعة الدول ذات المديونية الكبيرة لصالح البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية لفترة طويلة من الزمن. حاليًا تبلغ مديونية القطاع البنكي الإيطالي قرابة 360 مليار يورو، تزامن ذلك مع أزمة وفراغ سياسي تعرّضت له البلاد مع نهاية العام الماضي 2016. الاتحاد البنكي الأوروبي ذاته يتسبّب من خلال قوانينه إلى رفع مستوى الأزمة لتطلّبه دعم المؤسّسات المالية والبنوك وحمايتها من الانهيار، وفرض آليات محدّدة لتعافيها متمثّلة بتوجيه وضخّ أموال الضرائب وصناديق الضمانات لحساباتها، الأمر الذي سيترك آثارًا اجتماعية سلبية ووضع السلطات الإيطالية أمام معضلة معقّدة للغاية. إذا التزمت السلطات الإيطالية بجوهر القوانين الأوروبية فإنّها تخاطر باندلاع غضب وثورة اجتماعية. أمّا إذا لجأت للالتفاف على القوانين المالية المتعارف عليها في الاتحاد، فإنّها ستثير حفيظة العديد من الدول الأعضاء وبعضها يعاني من أزمات مشابهة. ما سيؤدّي كذلك إلى زعزعة الثقة بالاتحاد البنكي الأوروبي، ومخاطر انهياره في نهاية المطاف.

تركيا ما بعد الانقلاب
اعتبرت العديد من الدول الأوروبية تركيا إلى وقت قريب وقبل الانقلاب الفاشل، دولة مستقرّة يمكن التنبّؤ بمخطّطاتها وردود فعلها، وإبرام الصفقات المتبادلة التي تصبّ في صالح بروكسل وأنقرة. لكن الانقلاب الفاشل إدّى لسلسلة تغييرات جذرية على الصعيد الداخلي والسياسة الخارجية. خاصّة بعد انعطاف تركيا المفاجئ للطرف الروسي والتهديد المتواصل بإغراق القارة الأوروبية بموجات كبيرة من اللاجئين، دون أن تملك دول الجوار حيلة أو وسيلة للردّ على جار بحجم تركيا، سوى بكيل الاتهامات هنا وهناك، وإدانة خرق حقوق الإنسان ومطالبتها بالالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية. وقد تزداد الخطورة في مواجهة السلطات

التركية لأتباع غولن، الذيت تسبّبوا بالكثير من المتاعب والقلاقل في البلاد. عدا عن الصراع المتواصل مع القوى الكردية الساعية لتحقيق الحكم الذاتي أو الاستقلال. ورغم تأكيدات الزعيم الروسي بتراجع أثر وقوّة داعش إلى أنّ الوقائع تشير لغير ذلك.

إذا لم تتمكن السلطات التركية من التحكّم بالأوضاع الداخلية والحيلولة دون وقوع المزيد من العمليات الإرهابية، فإنّ دول الجوار الأوروبية ستتأثر هي الأخرى بتبعات ذلك، علمًا أنّ تركيا دولة ترانزيت رئيسية للكثير من السلع، كما تعتبر سلّة الخضار والفواكه لدول أوروبا الشرقية وروسيا، وإغلاق المعابر حتّى وإن حدث ذلك لفترات زمنية قصيرة، سيؤدّي إلى عرقلة حركة النقل البرّي، وتشهد الحدود المشتركة مع بلغاريا باعتبارها المدخل إلى أوروبا نشاطًا تجاريًا ولوجستيًا يصعب تعويضه أو الالتفاف عليه، لذا فإنّ أمن واستقرار تركيا عامل ضمان واستقرار على الصعيد السياسي والاقتصادي لإقليم البلقان والقارة الأوروبية.

خلافًا للدراية والكفاءة التي تمتعت بها وكالات استطلاع الآراء خلال السنوات الأخيرة، تبدو هذه الوكالات غير قادرة مؤخّرًا على التنبّؤ واستقراء النتائج المتمخضة عن الأحداث التي شهدها العديد من الدول حول العالم، بما في ذلك توقّع نجاح الانقلاب في تركيا، توقّع فشل ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية وفشل استفتاء Brexit، عدا عن فشل معرفة نتائج العديد من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في دول المنظومة الأوروبية، لذا فإنّ وضع الخطط بناءً على النتائج المتوقعة يبدو أمرًا صعبًا للغاية.

العام الجديد 2017 مليء بالتحديات وكما أوردنا فأوروبا تستعد لسلسلة من الانتخابات في فرنسا وألمانيا وهولندا واليونان وبلغاريا، وكذا التعقيدات المترتبة على خروج بريطانيا من المنظومة الأوروبية، بما في ذلك إمكانية امتداد هذه الاجراءات الإدارية لسنوات طويلة، قد تبلغ 10 سنوات حسب بعض الخبراء، وصعوبة استفادة بريطانيا من السوق الأوروبية الحرّة كما كانت تتوقّع قبل الاستفتاء، تبعات انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية على صعيد السياسة الخارجية، ونوايا تقرّبه من روسيا والتراجع عن دعم خطط الناتو في أوروبا ودول البلطيق، رغم التطمينات التي قدّمها الرئيس أوباما في نهاية عهده في البيت الأبيض. المؤتمر الوطني العام للحزب الشيوعي الصيني 19 وانتخاب قيادة جديدة، دون معرفة التوجّهات الجديدة للدولة العملاقة على الصعيد الوطني والدولي، استمرار الحرب ضدّ داعش وتردّي العلاقات الروسية مع الغرب، مع توقّع انتخاب قادة أوروبيين جدد يكنّون لبوتين مودّة، تحفزهم رغبة كامنة بتحسين العلاقات مع روسيا وتخفيف العقوبات ضدّها وحتى إلغائها. إضافة للعديد من التحديّات في السايسة الداخلية والخارجية والتهديدات المتوقعة في مجال الأمن والأمن القومي.

الإرهاب وتنامي نشاط داعش في الغرب
يتوقع الأوروبول ارتفاع معدّلات نشاط مقاتلي داعش أفرادًا وقيامهم بعمليات إرهابية في العديد من دول المنظومة الأوروبية، أخذًا بالاعتبار الخسائر الميدانية التي لحقت بداعش في منطقة الشرق الأوسط، حسب تقارير أمنية صادرة عن وكالة الأوروبول. كما يشير التقرير إلى عودة وحدات مقاتلة مدرّبة جيّدًا إلى أوروبا والبلقان، تعمل بصورة مستقلة وفاعلة، قادرة على المبادرة وتوظيف أدوات بسيطة لا تخطر على بال كالسيارات المفخّخة للقيام بعمليات إرهابية، عدا عن إمكانية تجنيد بعض اللاجئين غير القادرين على الاندماج في المجتمعات الأوروبية، ويشعرون بالظلم من المجتمع الذي هربوا منه والمجتمع المضيف الحاضن أيضًا.

تمكّنت العمليات الإرهابية التي قام بها أفراد مؤخّرًا في بعض الدول الأوروبية من تغيير طبيعة الحياة اليومية، ما أدّى لتوظيف وحدات أمنية على مدار الساعة. الهاجس الأمني مكلف للغاية وسيترك آثارًا عميقة في طبيعة الحياة الثقافية، وقد اضطرّت العديد من الحكومات إلى خفض موازنة وزارات الثقافة والرياضة وأكاديميات العلوم ومراكز الأبحاث، لصالح وزارات الدفاع والداخلية وأجهزة الاستخبارات والأمن القومي.

المقال السابقأما آن الأوان لإجراء التعداد العام للسكان؟
المقال التالىاحلام داعش
خيري حمدان صدر للكاتب خيري حمدان العديد من الأعمال الأدبية باللغتين العربية والبلغارية. باللغة البلغارية روايات: • أرواح لا تنام – 2005 • أوروبي في الوقت الضائع- 2007. • مذكّرات موسومة بالعار- تحت الطبع. شعر: ▪ ديوان - مريمين - 2000 ▪ مجموعة - عيون العاصفة - 1995 ▪ حياة واحدة لا تكفي 2016.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد