أناس يعيشون على ضفاف الزمن.. عن غجر السويد أتحدث ….

 

يقطن حوالي 15 مليون شخص في العالم على ضفاف الزمن دون انتماء لأرض أو وطن.. قوافلهم سارت تجوب بلدان العالم وحمولتها عادات وتقاليد وافكار خاصة بهم .. ساقتهم اقدامهم إلى بلدان عديدة في أوروبا وآسيا الصغرى دون تخطيط منهم ..إنهم الغجر او ما نسميه في بلاد الشام النّور وفي العراق والأهواز الكاولية ..

استوطن العديد منهم أوروبا ومنها دخلوا إلى الدول الإسكندنافية وبالتحديد السويد.. وتؤكد الدراسات ان الغجر الذين استوطنوا المجتمعات العربية دخلوها عن طريق بلاد فارس قادمين من الهند.

ويطلق السويدون على الغجر اسم Zigenare” ” (زيجينره) وفي الإنجليزية ” Gypsy” (جيبسي). ويعيشون في امكان متفرقة من السويد ..

تقول النظرية الأقوى أن أصول الغجر تعود إلى قبائل هندية وبالتحديد من حوض نهر السند، وكانوا يعرفون بـزنوج الهند بسبب بشرتهم السمراء. وتشير الدراسات إن الهجرة بدأت من الهند وتفرقوا بعدها وضربوا مشارق الأرض ومغاربها لينتشروا في الأرض عشوائيا إن صح التعبير.

ظروف الترحال كانت تحتم عليهم التحفظ في البلدان التي كانت تحتضنهم وكانت نظرة المجتمعات إليهم على مر الزمان والتاريخ دونية وتم التعامل مع كبشر من الدرجة الثانية وهذا ما جعل الغجر أن يثوروا مرارا على الظلم والتمييز والإستغلال الذي كان يمارس ضدهم وأرغموا بعض الأحيان على أن يبتعدوا عن المجتمعات التي كانوا يمرون بها حفاظا على عشقهم للحرية التي حرموا منها مما جعل منهم أناس يتجنبون التنظيمات البشرية المستقرة وأن يؤسسوا لأنفسهم مجتمعا خاصا بهم بات غامضا وغريبا وخارج عن المألوف للمجتمعات الأخرى.
غالبا ما تكون لهم أزياء خاصة بهم كالملابس الطويلة الفضفاضة بألوان زاهية كما أن لهم عادات وتقاليد وطقوس معينة تختلف تماماً عن البلد الذي يعيشون فيه، في حين إنهم لايملكون لغة خاصة بهم لكنهم ينطقون لغة البلد التي يعيشون فيه .
إختار الغجر منذ الأزل بإرادتهم حياة الترحال وقد يشارك جميعهم في حلم واحد يختلف تماماً عن حلم باقي البشر إلا وهو عدم الإستقرار والحنين إلى اللامكان واللازمان .

ولم يكن هذا الإختيار الوحيد أو الغريب من نوعه فعلى أرض الواقع ، وفي بداية الستينيات ترددت احاديث دولية من بعض المنظمات الحقوقية حول مشروع لإنشاء دولة مستقلة للغجر وإلا أن هذه المبادرة لم تسفر عن أية نتيجة والسبب أن الغجر أنفسهم عارضوا هذا المشروع رغم أن المشروع كان تحت رعاية الأمم المتحدة .

يؤكد البعض من الغجر أنفسهم إن أصلهم يعود لسلالة أولاد قابيل إبن آدم عليه السلام والذي كتب علية الترحال بعد قتلة أخية هابيل ودعاء سيدنا آدم علية بالشتات والترحال وعدم الاستقرار…

غالبا من يمتهن الغجر العزف والرقص وصناعة الالات الموسقية في دول معينة إلا أن البعض يتهمهم بخرق القوانين، لذا تجد بعض الأحيان من الصعوبة الوثوق بهم أو إسناد منصب أو عمل لهم من قبل الحكومات وخصوصا الحكومة السويدية، لكن في الوقت نفسه أبدت الحكومة السويدية مؤخراً نيتها استقطاب غجر أوربا وتحديد مساعدات مالية تحصل عليها السويد من صندوق مساعدات الاتحاد الاوربي لقطاع الصحة الخاص بالغجر المقيمين في السويد.
كانت السويد من الدول الأوروبية التي تصنف الغجر بانهم فئة غير سوية وكانوا يطلقون عليهم مصطلح او اسم “تتار” وتعني في معاجم اللغات الإسكندنافية القديمة، “فقير ومحتال” و”رجل ليل” أي ممتهن للدعارة .
نتيجة لهذه النظرة المقولبة تعرض الغجر لممارسات عدوانية من الشعوب المستقرة على مر التاريخ…وتبقى مشكلة أوروبا مع الغجر مشكلة تأريخية وثقافية قائمة تحتاج حلا جذريا يستند على التواصل معهم وبناء جسور الحوار معهم لكسر الحاجز الرافض لهم في المجتمعات وفي نفس الوقت خلق بيئة ملائمة لهم لينسجموا مع المجتمعات والإنصياع لقوانينها.
وعلى صعيد الصراع الدائم بين الغجر والدول التي يقطنون فيها تبقى مشكلة الغجر تطوف في الأفق ما بين الرفض والقبول، ولكن فقد ظهرت مؤخراً منظمات دولية إنسانية تدافع عن حقوقهم وخاصة حقهم في المواطنة، وتضغط بإتجاه الإعتراف بهم كأقليات وطنية في الدول المختلفة التي يقطنون فيها.

19 تعليقات

  1. الزميلة الكاتبه ليلى عيسى —————اديبة مفوهة وحروف متحركة واصفة لحياة لايعلم عنها بشر كثيريين لقد نقلتينا بقلمك الى عالم يتوه فيه البشر على ضفاف الزمن ————————–علاء حمزه المستشار الاعلامى للاسبوع—ج م ع

  2. موضوع اكثر من رائع بالتوفيق سيدتى الجميلة

  3. Avatar هادي العياد

    انه موضوع شيق وجديد وهم أناس فعلا يستحقون تسليط الضوء عليهم لانهم عاشو حياة الترحال وعدم الهوية والاستقرار
    أحسنت سيدتي لاختيارك المواضيع المهمة والحساسة
    مع خالص شكري لقلمك النبيل

  4. Avatar سامية الجزائري

    بحكم معيشتي في السويد أوضح لكم جميعا بان المقالة رائعة وكل كلمة فيها هي حقيقة لكني اضيف ان الغجر كانوا ومازالو يمتهنون السرقة والنصب والاحتيال في أوروبا ويخرقون القوانين ويعتبرون انفسهم اقوى من القانون
    تحياتي لك سيدتي كاتبة المقال على هذه الموضوعات الثرية بالمعلومات القيمة
    اشكرك

  5. Avatar الفنان. سامح السيد

    اشكرك عزيزتي الكاتبة ع هذا الموضوع الشيق حيث انة مختلف عن باقي موضوعاتك حيث انك تاخذينا ف كل مرة الي عالم مختلف مليئ بالمعرفة والتشويق وهذا ينم عن بحث ومجهود دايم فتحية لكي ونحن ف انتظار المزيد.

  6. Avatar Hassan Fouad Wahba

    مقال رائع مثير…احييك…

  7. Avatar Hassan Fouad Wahba

    مقال رائع مثير….اخذنا معه…

  8. ما اجمل ما تكتبينه استاذة من موضوعات شيقة وكل مرة نبحر نعم. في عالم شيق وغير مالوف
    تحية لك ولقلمك الرشيق

  9. Avatar ليلى عيسى

    متابعتكم ووجودكم وتواصلكم شرف لي
    أشكركم جميعا على كلماتكم الرقيقة واخص بالذكر الفنانة الكردية الجميلة دلنيا الفنان الراقي الاستاذ سامح السيد كما أتقدم بالشكر الجزيل للمستشار الاعلامي الاستاذ علاء حمزة وكل من يشاركني في الصفحة من تعليق او قراءة او مشاهدة واعتذر للكثيرين الذين لا يحالفهم الحظ في الوصول للموقع
    صدقا استمد قوتي منكم رغم حالتي الصحية المتردية
    دعواتكم لي
    مع شكري وتقديري

  10. تحية خاصة لاعلامية ليلى….
    موضوع مشوق وجميل ومتالقة دوما باختيارك …

  11. مساء الخير ست ليلى، هذه اول مرة اعرف ان بلد مثل السويد والذي يتصف مناخه بالبرد الشديد، يعيش على ارضه الغجر، لقد رأيت اعداد لا بأس بها للمرة الاولى في حياتي في المملكة الاردنية الهاشمية على طريق المطار، حييتي على هذا المقال.

  12. موضوع مختلف وشيق جدا تعلمت معلومات جديده شكرا لتنوير الثقافه من منشوراتك الجميله

  13. موضوع مهم واعتقد ان الغجر في العراق او الكاوليه كأنو يحملون الجنسيه العراقيه والغجر بات مصطلح يستعمله الشعراء في قصائدهم احسنت النشر

  14. فعلا انهم اقوام تستحق الشفقة لأن الظروف حكمت عليهم الترحال وعدم الاستقرار وانا بصفتي مقيمة هنا لي علاقات جيدة معهم فهم فعلا على المستوى الشخصي أناس طيبين جدا ولكن بصراحة على المستوى العملي أناس لا يعترفون بالقوانين ويخترقون القوانين والدولة لا تثق بهم
    أحسنت أستاذة على طرح هذه القضية التي لم يلتفت إليها الإعلام
    مع الشكر

  15. التاريخ يعني ليلي عيسي التاريخ يكتب عن الغجر في السويد وبعد الدول الله ينور عليكي يا تاريخ الغجر داخلوا بكتابة التاريخ عنهم الله عليكي ياتاريخ

  16. ان الغجر هم قوم من البشر يعيشون على هذا الكوكب مثلهم مثل باقي اقوام البشرية الآخرى ، ولكن يختلفون عنهم في نمط حياتهم الأجتماعية وطريقة تواجدهم ، فهم يعيشون على شكل تجمعات صغيرة في الأماكن التي يتواجدون فيها احراراً من دون تدخل الآخرين محافظين على العادات والتقاليد التي تربوا عليها رغم الحداثة والتغيرات الحاصلة من حولهم ، ومن هنا ياتي سبب تمردهم على بعض القوانين والانظمة طالما انها لا تتماشى مع نمط الحياة التي اعتادوها .
    ان من محاسن هؤلاء القوم اينما وجدوا ان لا يتاثروا كثيراً بما يجري حولهم من احداث سياسية وحروب وويلات ، وتغيرات أخرى في دول تواجدهم ، وهذا وحده يكفي بأن يكون رحمةً ، ورأفةً من الله عليهم ، وهو سر استمرار وبقائهم الى يومنا هذا ، وكما ارجوا الله ان يبعد عنكِ وعنا كل مكروه ، وان تتعافي بأذن الله سريعاً ، شكراً لك سيدتي .

  17. Avatar خالد عبد الكريم سعيد

    انها مقالة مهمة بكل المقاييس فالغجر او الكاولية او النور ( مهما اختلفت الأسماء ) يبقى الهدف الأوحد لهم هو حق الحياة … وانا بصفتي عاشرت العديد منهم فهم اقوام مسالمين جدا ومتمردين جدا … تناقض رهيب في شخصيتهم
    احسنت سيدتي لطرحك لهذا الموضوع

  18. Avatar علي الرسام

    متجدده دائما بكتاباتك واطروحاتك الجميلة ..دمتي رائعة ياراقية. .

  19. Avatar صبري الرماحي

    أناس يعيشون على ضفاف الزمن
    ليلى عيسى
    ألجميل هذا المدخل المؤثر لوصف هذه الشريحة التي تعامل الناس معهم بكل قساوة و بعيدا عن الإنسانية التي ترفض إقصاء اية شريحة من الناس فالناس سواسيه .. ماذنبهم و وجدوا أنفسهم بالموقع و الزمان الخطأ ..!!؟
    موضوعك إنساني المفروض تتبناه كل الجهات التي تسعى للخير و العدل ..
    الغجر يصنعون الفرح و البهجه لكنهم يحصدون الالم و الحزن و الترحال
    لقد اثريت الموضوع بشكل دقيق و اسلوبك الآخاذ ولم تفوتك اية معلومه عنهم
    أناس يعيشون على ضفاف الزمن
    فقط أضيف معلومه قد أخرج الشاعر و المخرج السوفيتي اميل فلم سينمائي كبير عن قصة الكاتب الرائع مكسيم غوركي و عنوانه
    ( الغجر يصعدون الى السماء )
    بوركت ليلى عيسى .. تحياتي و تقديري

اترك رد