طنطل عذير

 

مسجى منذ ثلاثة أيام في فراشه البسيط أشبه بالميت، بعد أن دثّره أهله بكل ما يملكون من أغطية وفرش وهم لا يملكون منها الكثير كعامة أهل الريف، غير أنه استمر يرتجف من البرد على الرغم من ذلك, وكان يصحو ويستعيد بعض وعيه بين فترة وأخرى، مشدوهاً متصفحاً الوجوه التي تحيطه كالدائرة، وملامحه تنطق بالدهشة والتساؤل، وكأنه يراها للمرة الأولى.. ليرجع بعد وقت قصير إلى غفوته القلقة غاطاً في سبات متقطع وهذيانات مكتومة.. على الرغم من أن حالته قد خفّت عما كان عليه في السابق.. تجده ليلاً ونهاراً محاطاً بعدد من أهل قريته ومعارفه من قريته ومن قرى أخرى مجاورة، يأتون لعيادته ففي عيادة المريض ثواب كما يعتقدون.. وهم بعد أن سمعوا بحالته صارت الشغل الشاغل لاهتمام الجميع، سواء بدافع الواجب أو بدافع الفضول..إذ شاع في ذلك العالم الصغير الذي تنتشر فيه الأخبار وتذيع بشكل سريع كانتشار النار في الهشيم، فقد تناهى إلى أسماعهم أن عذير1 لعب عليه الطنطل2 وأضرّه كثيراً،ووجده أهله مرمياً وهو في آخر نفس على الشاطئ كجثة هامدة.. قال أحد الرجال الحاضرين وهو ابن عمه “وجدناه مرمياً على الشاطئ بعيداً عن زورقه وهو يرتجف من الخوف والزبد يخرج من شدقيه ويكزّ على أسنانه ويهمهم كالمجذوب.. دون أن يقوى على الحركة. وكان يهلوس (ولكم الطنطل.. ولكم الطنطل..) سحبناه من مكانه وأتينا به إلى بيته، وها هو منذ ثلاثة أيام في فراشه على أسوأ حال, لا أكل ولا شرب ولا كلام..كان ابن عمه يروي على الحاضرين قصته، بل الجزء الأخير منها، فهو لم يعرف من رحلة الرعب التي تعرض لها عذير سوى الخاتمة.. وكان عذير ينتبه بين غفوة أخرى لما يدور حوله.. ويفهم بعض شتات كلام زواره، قال في نفسه لو مرّ هؤلاء بما مررت به..لما أكثروا من هذه الترهات (الجلاب أولاد الجلاب.. همه يدرون شصار بيه؟) وكأنه استعاد بعض وعيه للمرة الأولى منذ الحادثة، وصار بإمكانه التفكير قليلاً وهو يختض تحت الإزار، والعرق ينضح من جسده مبللاً ملابسه وذهنه يراوح بين حضور وغياب..لكنه وجد نفسه، بشكل لا إرادي يسترجع رحلته المخيفة.. والتي كان سببها جلب علف الماشية، إذ قال الكثير من أهل القرية إن (العنكر)3 قد بدأ ينمو ويبشر.. لكن في الأطراف القصية من الهور.. وهذا يعني أن الربيع أعلن عن قدومه، وسيعم الاخضرار الأرض والحيوانات والإنسان.. فحينما يبشر (العنكر) يعني نهاية جدب الشتاء وبخله وندرته، وبداية زمن الخير والرفاهية وامتلاء الضروع وتدفق الحليب من أثداء الجواميس والأبقار والنعاج، ويعني وفرة الزبد والدهن واللبن والروب والقيمر.. وكل ما يجعل حياة هؤلاء الذين يسكنون بين الماء والسماء أكثر يسراً وأقل شظفاً، وكما تبشر الرطبة بموسم التمر والوفرة وملء البطون وإيفاء الديون.. كذلك حينما يبدأ (العنكر) بالنمو في الهور بعد الشتاء والمطر يعني أن هذه الشريحة من الفلاحين ومربي الجاموس والأبقار..يعني أنهم “سيربعون” أيضاً وتخضر حياتهم بعد جدب طويل، وعذير هذا أحدهم وهو من أكثر الفلاحين حباً لجواميسه وشغفاً بهن, وأكثرهم قدرة وقوة على جرد البردي و(العنكر) في أول بشائره.. إذ يسرح في متاهات وأقاصي الهور البعيدة التي لم يصلها أحد قبله بغية الحصول على (العنكر)، وكأنه في سباق محموم مع الآخرين..وبعد أن سمع بتفتق جذور العنكر ونموها.. حزم أمره.. وخرج قبل انثيال الغبش.. وحيداًفي زورقه الصغير وليس معه سوى منجله المعقوف الحاد الأسنان، وزوادة فيها أرغفة من الحنطة و(زهمول4 من التمر).. وانطلق بزورقه الرشيق الذي راح يندفع كسمكة يطاردها صياد ماهر بفالته المروشنة5.. حينما يغرز (مرديه)6 في الطين (الحري) ليدفع بما أوتي من قوة ليوجه زورقه بين البردي والقصب في طرق محفوفة بالخضرة ورائحة الماء الزلال (فللماء في الهور رائحة وعبق، ربما هي رائحة الحشائش والأشنيات) وهدوء تام لا يعكره سوى لبط سمكة مشاكسة، أو فرار طائر حينما يشعر باقتراب الخطر.. كان يدفع ويدفع وهو يغني، ويغني.. احتفاءً بهذا الصباح الندي والمشبع برائحة الحياة، ومحاولة لطرد التعب وهي عادة متحكمة في نفوس سكان الهور نساءًورجالاً, شيباً وشباباً، فللغناء في تلك المناظر الخلابة وقعٌ جميل في الأرواح، ربما للإحساس أو الشعور بالحرية والجمال، أو تساوقاً مع تدفق العواطف الجياشة التي يخفيها أو يكتمها سكان القرى في المجمل لطبعهم الكتوم وحذرهم المفرط، فضلاً عن ذلك أن الأصوات تغدو في هذه المتاهات الخضراء الخضلة أكثر جمالاً ورونقاً وإيحاءً،في أجمل ما تكون المجاهل البكر المضمخة بالفتنة والسحر.. وكأن القصب والبردي نايات عاشقة تشارك هي الأخرى في هذا الاحتفال الفطري الشديد البهجة، كان يدفع ويدفع بزورقه الرشيق ليندفع إلى الأمام دون كلل أو ملل، ويغني دون انقطاع كي لا يشعر بالوهن أو التعب أو الوحدة.. وصل إلى أماكن بعيدة جداً لم يصلها أحد قبله..أماكن قصية عذراء.. قطع عشرات ( الكواهين)7 والبحيرات وتجاوز الكثير من (التهلات) 8 وهو يبحث عن ضالته.. البحث عن (العنكر) منتج الزبد والدر، بدأ صمت الهور يفرض أصوات عزلته السرية، وراحت الأصوات تحتويه تماماً.. وتكبر وتكبر.. وهو لا يسمع سوى ووشوشة البردي والقصب الذي تميس به النسائم الخفيفة.. فيتثنى مصدراًأصواتاً وضعته وجهاً لوجه أمام إحساسه بالوحده والخوف في عدم بلوغه (العنكر) الحلم.. انكسر شيء في نفسه، وراح الشعور بالوحدة واليأس ينزان من مسامات روحه تدريجياً.. لكنه لم يزل على قدر كبير من القدرة، على مقارعة هذا الحزن المباغت، في وقت تسلقت فيه الشمس قامات القصب والبردي وارتفعت على مقدار متر فوق رؤوسها.. تحسس قطرات من العرق طرزت جبهته السمراء المغضنة.. وقبل أن يدرك أن الجهد والتعب قد أخذا منه مشواراً واضحاً.. وقبل أن يقوده تفكيره إلى الشعور بالجوع وتناول طعامه البسيط، تراءى له أنه سمع صوتاً ليس بالبعيد قد جاء من جهة خفية، يجهلها ولا يراها مباشرة، صوت امرأة تنوح بحرقة وتولول, ما أيقظ صمت الهور المطبق إذ راح صدى صوتها يتردد بقوة الرعد، وينتشر في كل الاتجاهات مهيمناً على كل شيء, الأمر الذي فجر خوفه بقوة, حاول تكذيب نفسه مخاطباً (شنو انا ظل يتراوالي..شنو ظليت اتوهم؟) ولكن ها هو صوتها يناديه بالاسم في سياق النواح ويدعوه إلى الاقتراب وهو يعدد.. كما كان يتراءى له:

ولك يعذار جا وين المروّه؟

ولك يعذار ما تذكر الخوّه؟

هذا ابني ولك وتريد نخوة؟

اندفع قليلاً وهو لا يصدق نفسه.. هل يتراءى لي ذلك؟ قال معنفاً نفسه: هل أصبت بالجنون؟ هل أنا جبان أم فقدت شجاعتي في أول تجربة، وأرسل نظراته ناحية النواح فشاهد امرأة ترتدي السواد تقف على مرز8 كبير وأمامها جثة ملفوفة بكفن وهي تنشر ذراعيها للسماء وتولول وتعدد:

ولك يا خوي يعذير الحكني

هذا ابني ولك من زرع بطني

صعق عذير ويبس الدم في عروقه, سحقه الهلع وراح يدفع زورقه من حيث جاء بقوة لم يألفها من قبل، في هذا الهور الموحش المترامي امرأة لا يعرفها تنادي باسمه, بعد لحظة تفكير قال محدثاً نفسه: ولك عذير هذا (الماصخ)9 ولك ادفع وادفع, وبعد أن دفع طويلاً واعتقد أنه تخلص من شر (الماصخ) وجد المرأة أمامه بنفس الهيئة واللباس واقفة على مرز ناشرة يديها والجثة أمامها وهي تنوح وتولول بصوت مفجوع:

منين اجيب العنده غيره

يشيل نعش ابني ويديره

مهظومة أنه وعلتي جبيرة

ياعذير يا خويه

لم يعد هناك شك لدى عذير أبداً في أن هذا هو الطنطل بعينه، وعلى الرغم من أنه موصوف بشجاعته وجلادته وقوته راح ينتفض كسعفة في مهب الريح.. وكادت أن تمتلكه (ام الحبوكر)9 لكنه خاف أن يستفرد به الطنطل.. انتخى بنفسه قائلاً (انا اخو فلانه.. والله شتكول عليك الناس) ووجد طريقاً للهرب راح يدفع كالمجنون.. والمرأة الطنطل تتعقبه.. كلما قطع مسافة وجدها تسبقه إليها.. وهي تولول وتنوح, وراح يضرب منجله بخنجره ليصدر قرقعة الحديد10 ليخيف الطنطل.. لكن الطنطل يتعقبه كظله.. هذا يقرقع بالحديد، وهذا يرميه بكتل كبيرة من الطين، كما يروي, واستغرقت المطاردة وقتاً طويلاً..توقف الزمن خلالها ولم يعرف من هو وأين هو؟ وليس هناك سواه والطنطل, هو هجر عقله وغادر وعيه.. والطنطل له بالمرصاد، كلما يندفع إلى الأمام بكل ما أوتي من قوة ليجد الطنطل أمامه يرميه بكرات كبيرة من الطين وهو يقرقع له بالمنجل والخنجر ليخيفه كما يعتقد.. ولم يتذكر بعدها أي شيء.. وجدوه مرمياً على الشاطئ نصف ميت, واستمر مسجّى بفراشه لعشرة أيام.. وبعد أن شفي من حالته قرر عدم ولوج الهور بعدها.. وراح يضيف إلى قصته كلما سردها على سامعين جدد فصولاً جديدة من الرعب، حتى يبرر لنفسه اتهامه بالخوف والجبن، وأصبح اسم عذير مرتبطاً بالخوف والهلع ولا أحد من الأطفال يجرؤ على ملاقاته في الطريق دون أن يفر من أمامه, كانوايعتقدون أن عذير هو الطنطل فقد تلبسه منذ تلك الحادثة..

عبر كل العصور والحضارات والثقافات والأماكن، كان الحديث عن كائنات شبحية أو غير مجسدة شائعاً ومتواتراً وغير منقطع, للحد الذي يجعل الإنسان الموضوعي يتردد كثيراً في ألا يلجأ للرفض المجاني أو القطعي دون دليل علمي.. كما أن التسليم بوجود هذه التي من الممكن أن نسميها الكائنات الشبحية مجازاً، يعد تراجعاً وتجافياً عن التفكير العلمي الموضوعي والدخول في متاهة الخرافة.. ونحن هنا لسنا بصدد إثبات أو نفي هذه الظواهر, لكننا نرى حسب التجارب والتفسيرات العلمية أن خوف الإنسان وصحته العقلية وثقافته تلعب دوراً هاماً في تحديد وتفسير مثل هذه الأمور.. لذا نرى حسب تدقيقنا بمثل هذه الظواهر أنها تختفي بشكل واضح في المدن حيث الحركة والوعي العلمي والتفكير الموضوعي هي المهيمنة.. بعكس ما هو في الريف حيث الأماكن القصية المنعزلة وضعف التعليم والمستوى العلمي والإيمان الكبير بالغيب هي المهيمنة.. ورغم مرور حقب زمنية طويلة إلا أن العلم حتى الآن لم يأتِ بتفسير نهائي ودقيق لظاهرة الأشباح أو الكائنات الشبحية أو أسطورة الطنطل وغيرها.. كما لم يستطع أحد إثباتها على الرغم من تطور العلم والدراسات الإنسانية والتطبيقية والبحوث الطبية التي دخلت التكنولوجيا في صميمها. المهم هي قضية إشكالية, أنا أفسرها شخصياًبسيكلوجية الإنسان ومستواه العلمي وبيئته الحاضنة.. لذا نرى أن لكل منطقة أو جغرافيا شبحها الخاص الذي يتماهى عادة مع مفردات البيئة المهيمنة.. ففي البصرة جنوباً هناك (الخضرة أم الليف) وهو في الحقيقة توصيف للنخلة.. وهناك أيضاً (حمارة الكايلة) وهناك على مشارف الصحاري شبح يسمى (أم المساحي) التي تكون أرجلها على هيئة (مسحاة أو رفش) تأكل مؤخرة مطية من يردفها على مطيته بعد أن تستعطفه لنقلها إلى مكان ما.. والذين يسكنون قريباً من النهر شبحهم هو (عبد الشط) الذي يصفونه بالرجل الأسود الذي يغرق الأطفال حينما يسبحون في النهر.. وهي مقاربة واضحة مع الدلافين السود التي كانت تدخل من الخليج وتصل إلى العشار سارحة في شط العرب, لكن الطنطل هو الأوسع انتشاراً والأقوى نفوذاً وقدرة على التحول, فتارة يأتي على شكل كلب أو قطة أو بشر ذكر أو أنثى كما في قصتنا وكما يعتقد العامة من الناس، وهذا أيضاً متأصل في الثقافة العربية.. فالعرب يعتقدون أن الأشباح أو الجن يسكنون وادي عبقر.. ومن هنا جاءت كلمة العبقري لتشير إلى قدرات الشخص وكفاءته الفائقة تشبهاً بقدرات الجن.. وقد كانوا يعتقدون أن لكل شاعر جنيه أو شيطانه.. لذا يقولون ركبه شيطان الشعر وهي في عملية إشارة واضحة لقدراته الخارقة التي لا يأتي بها سواه.
____________________________
1- عذير: تصغير لاسم عذار كما هو شائع في البيئة الريفية.
2- الطنطل: كائن خرافي يعتقد به سكان الأرياف والقرى ويضعون له أشكالاًوألواناً وحالات مختلفة.. وهو مصدر الخوف الأكبر في الريف للصغار والكبار، يقولون إنه يتحول حين يستفرد بشخص في مكان معزول، يتحول من إنسان إلى حيوان، يتحدث ويعقد صداقات ويغضب وأحياناً يقتل، ولا تستثنى أية منطقة من العراق في الحديث عن هذا الشبح الخرافي، ويسمونه الماصخ أي الذي يأكل الطعام (ماصخاً) أي دون ملح.
3- العنكر: نوع من الحشائش الذي يقدمونه للجاموس على وجه التحديد.
4- زهمول تمر: قبضة كبيرة من التمر.
5- مردي: عمود من الخشب أو القصب يستعمل لدفع الزورق.
6- فاله مروشنة: الفاله أداة لصيد السمك وغالباً تكون من الحديد, وفي نهاية أضلاعها الخمسة نبلة على شكل سهم للإمساك بالسمكة بقوة.. وقد تستعمل الفالة للقتال كما حدث في ثورة العشرين.. وبعد أن غرز أحدهم فالته في جسد جندي بريطاني صار من المتعذر عليه استرجاعها فهوس (رد فالته احتازبناها).
7- الكواهين: هو جمع كاهن وهو الطريق المائي الواسع في الهور.
8- التهلة: هي مساحة مائية في قلب الهور تحولت إلى مساحة يابسة بفعل القصب والبردي والطين أو التراب, إلى مساحة متيبسة ممكن المشي والسكن فوقها لكنها تعوم على الماء وتكمن تحتها الأسماك.
9- المرز: هو بقايا جذور القصب والبردي.
10- الماصخ: يسمي سكان الريف الطنطل بالماصخ لاعتقادهم أنه يأكل الخبز دون ملح.
11- من الشائع لدى أهل الريف أن الطنطل يخاف من الحديد فحينما يشعرون بوجوده يقرقعون بأي معدن للتخلص منه.

المقال السابقالهوية العربية : الخصوصية والبحث عن الذات – ج2
المقال التالىحكاية حمارة!
علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من ...؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، عضو اللجنة ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد