السينما العراقية .. تشابه الموضوع ، ضياع التميز

 
السينما العراقية .. تشابه الموضوع ، ضياع التميز.. للكاتب كاظم مرشد السلوم #فن

احد الاسباب المهمة في انتشار السينما وانشغال وشغف العالم بها هو التنوع الكبير في مواضيعها ، الذي نتج عنه في فيما بعد ظهور انواع فلمية عديدة ، مثل الافلام التاريخية ، الافلام الرومانسية ، افلام الاكشن وغيرها الكثير من الانواع . ويتراواح نجاح هذا الفيلم او ذاك على الكيفية التي يتم تناول الموضوع فيها ، فكما يقول جوادور ان الافكار الجيدة تبقى جيدة ولكن طريقة تناولها تجعل منها افلام جيدة او افلام رديئة .

اسوق هذه المقدمة بعد مشاهدتي لمعظم الافلام العراقية التي شاركت في العديد من المهرجانات السينمائية الداخلية وكذلك مشاهدتي لأفلام طلبة كلية الفنون الجميلة في مهرجان قسم السينما والتلفزيون السنوي . وقبلها مشاهدة معظم الافلام التي انتجت بعد التغيير الكبير الحاصل في نيسان 2003 .

الملاحظ ان هذه الافلام تعتمد في معظمها على موضوعة واحدة هي موضوعة مامر به العراق من أحداث بعد التغيير .

بالتأكيد ان الاحداث التي جرت تستحق ان توظف مواضيعها سينمائيا ، فهذه احدى وظائف السينما المهمة في توثيق وطرح ماجرى تسجيليا ودراميا ، ويختلف تناول ذلك سينمائيا من مخرج لاخر تبعا لثقافته وربما موقفه من هذه الاحداث .

ولكن ان تكون هذه الموضوعة هي التي تشكل القاسم المشترك لحولي 90% من هذه الافلام وعلى مدى الاعوام التسعة المنصرمة فذاك مؤشر غر جيد وربما ينم عن فقر واضح في بحث المخرجين السينمائيين العراقيين عن مواضيع جديدة، فمن غير المعقول ان لا تكون هناك مواضيع اخرى يمكن ان تكون هي المادة التي تتناولها الافلام العراقية ، ربما في السنتين الاولى من التغير او حتى الثالثة كان من الممكن تقبل هذه الحالة ، ولكن الان وبعد مضي ما يقارب ال13 عاما من ذلك ، فهو امر غير مقبول .

في السنين الاولى انتجت افلام سينمائية، مثل غير صالح ،واحلام ، وابن بابل وكرنتينة ، لعدي رشيد ومحمد الدراجي اضافة الى افلام اخرى لمخرجين اخرين ، تقبلها جمهور المهرجانات التي شاركت فيها ، وحصلت على جوائز باعتبار انها افلام عراقية تتحدث عن العراق بعد التغيير، وربما تكون قد حصلت على العديد الجوائز عديدة بسبب تعاطف الكثيرين مع الوضع العراقي ، في حين انها لم تعرض للمشاهد العراقي الا بعد سنوات من انتاجها .

االسينمائيون العراقيون الشباب خصوصا اولئك الذين شاركوا في مهرجانات عديدة ، نحوا نفس المنحى باصرارهم على تناول نفس الموضوع ، وطلاب كلية الفنون الجميلة لم يذهبوا بعيدا عن ذلك .

لذلك نجد ان الكثير من المتابعين للنتاج السينمائي العراقي الجديد يؤشرون وجود خلل واضح في فقر المواضيع التي تتناولها السينما العراقية وخصوصا سينما الشباب .

بعض المهرجانات ولحسابات سياسية وتبعا لاجندات تديرها ، ترحب بمثل هكذا مواضيع ، خصوصا تلك التي تتناول الوضع العراقي بشكل سوداوي .وتمنحها الجوائز ،في حين ان بعض الافلام لم تجد فرصتها للأشتراك في بعض المهرجانات بسبب تناولها المتفائل للوضع الداخللي العراقي .
أذن فنحن امام مشكلة كبيرة تتعلق باغراء الجائزة التي يحصل عليها السينمائي العراقي لغاية في نفس منظمي هذا المهرجان او ذاك .
لابأس في تناول بعض المواضيع التي نتجت عن التغيير ولكن مهمة السينما هي طرح الحلول ، ولو كانت حلولا مقترحة على الاقل خصوصا الافلام الروائية منها.

وهناك العديد من الافلام العربية والعالمية التي تناولت احداثا غيرت كثيرا في حياة بعض الشعوب يمكن ان تتخذ مثلا يمكن ان نشتغل على اساسه.

ان الذي يشتغل في الحقل السينمائي لا يمكن ان ينجح في عملة بدون المشاهدة الكثيرة والقراءة المستمرة ، ففهم السينما هو مشاهدة وقراءة ، كون المشاهدة المستمرة توفر فرصة الاطلاع على تجارب الاخرين والكيفية التي يتم من خلالها تناول الموضوعة السينمائية ، من خلال المعالجة السينمائية الصحيحة باستخدام ذكي لعناصر اللغة السينمائية ، والقراءة توفر بالتأكيد فرصة كبيرة للأطلاع على النظريات المهمة في السينما ، وكذلك على العلوم والنظريات والتنظريات التي تدخل في التناول السينمائي ولا اعتقد ان اي من العلوم لم يدخل بعد في الصناعة السينما ، كموضوع او كتناول في حوار او صورة او دلالة او علامة ما .

ولكن ومن خلال لقائي بالعديد من السينمائيين الشباب وجدت ان الكثير منهم لا يتوفر على ذلك اي على القراءة والمشاهدة المستمرة ، فكيف يمكن ان يكون ان تكون لدى مثل هكذا سينمائي امكانية لاختيار موضوعة فيلمه ، وكيف يمكن ان يفكر حتى بمعالجة سينمائية صحيحة لفكرة جيدة ربما تطرح عليه من هذا الشخص او ذاك .

لا اعتقد ان شخصا ما يريد ان يكون مخرجا سنمائيا ناجحا بدون ان يكون يتوفر على ذلك ، وإلا لاصبح اي فرد عادي مخرجا بمجرد حصوله على شهادة التخرج من معهد او كلية الفنون .

كما انه ليس بالضرورة ان يكون جميع خريجي كليات ومعاهد الفنون الجميلة مخرجين ، فالسينما ليست في الاخراج فقط ، وبعض النقاد ينتقد إطلاق جملة او صفة صانع العمل على المخرج ، بل يرى ان صانعوا العمل هي الادق، باعتبار ان فريق العمل السينمائي يتكون من كادر فني ضخم فهناك مصورين ومسؤولي اضاءة ، ومنتجين ، ومصممي ديكوروكرافيك ومونتير الفيلم الذي يضع الروح في الفيلم بعد انتهاء تصويره وبدونه لا يسمى الفيلم فيلما كما يقول إزنشتاين .ويحصل هؤلاء على جوائز الاوسكار وغيرها حالهم حال مخرجي الافلام ، خصوصا واني لاحظت تطورا ملموسا في استخدام السينمائيون الشباب للتقنيات الحديثة ، واخراجهم للعديد من افلام الأميشن الممتازة ، وبعض الافلام كان التصوير فيها رائعا وجميلا ، كذلك حركة الكاميرا واختيار زواياها ، وتنوع اللقطات التي تخلق ديناميكة الفليم السينمائي ، واختيارهم لمواقع التصوير ايضا ،وهذا دليل على امكانية تعاملهم مع كل التقنيات الحديثة بكفأة عالية في حال توفرت لهم وهذا ما نتمناه جميعا .واعتقد ان كلية الفنون الجميلة قد ساهمت الى حد كبير في ذلك رغم افتقارها الى الدعم اللازم .

قبل أيام كنت حاضرا في ملتقى السينما ضد الإرهاب في أربيل ، تشابهت فيه الافلام العراقية كذلك ، ربما الوحيد الذي استطاع ان يخرج ولو جزئيا من ذلك ، هو المخرج ملاك عبد علي في فلمه ” اسمي مريم ” الذي يتحدث عن فتاة تحب الموسيقى وتعزف الكمان ، تعيش في الموصل ، فتهرب الى بغداد بحثا عن الحرية .

اخيرا اتمنى ان نشاهد افلاما عراقية سواء افلام الشباب او غيرها تتناول مواضيع جديدة غير تلك التي استهلكت ، فالعراق مليىء بالقصص والروايات التي من الممكن ان تتحول الى افلام سينمائية مهمة، وكما يقول الجاحظ ” المعاني ملقاة على الطرقات ” .

 

لا تعليقات

اترك رد