التعصب بلغة عرجاء وأفكار محنطة

 

من الخصال الرديئة في حياتنا الأنانية والتغطرس الفج والإسراف في التبختر وإطلاق التعميمات والتهم الجوالة والنعوت والتسميات دون حكمة وتبصر ، خاصة عند من يمكن تسميتهم بأنصاف المتعلمين ، الذين يعانون من اضطراب البوصلة الثقافية ، ولقد سماهم تيودور أدرنو ، أحد رموز مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع ، أصحاب ( الثقافة المصطنعة ) ، المخدرين للجماهير ، الذين لا يهدفون إلى ( تنوير البشر عبر العلم والمعرفة ) وإحداث قفزة ظافرة في وعي وسلوكيات العامة . (( فالباحث عن الحقيقة يشعر بداهة بالنقص ويتعلم . ومن يدعي العلم وامتلاك الحقيقة وحدة لن يتعلم أبداً ، ولن يرى الحقيقة )) حسب تعبير الأستاذ زكي بركات .

فالعقليات السطحية فاقدة للاستنارة والتبصر ، ولا تميز بين الخل والماء ، ومن بين الفعل الوضيع والموقف الرفيع ، ومصابة بلوثة عمى الألوان ، حيث أنها تحم على الأشياء من القشور والتمظهرات الخارجية ، وتعيش دائماً تحت سماء مكفهرة تتلذذ برغيف الجهل والبؤس الفكري والمعرفي ، وعاجزة عن وضع الإصبع على الجرح واكتشاف مكامن الأوجاع ، ومشغولة بالفسيفسات الشكلية ، فلا تجيد قراءة مفردات الواقع والنفاذ إلى قلب الحدث ، فهي مريضة وحزينة حتى الموت .

ومن أكبر الكبائر في مجتمعنا الجهل والتعصب والإصرار على الخطاء وضحالة التفكير ، فالأستاذ شكيب أرسلان في كتابه الموسوم (( لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم )) ، يشير إلى أن العلم الناقص هو ( أشد خطراً من الجهل البسيط ، لأن الجهل إذا قيض الله له مرشداً عالماً أطاعة ولم يتفلسف عليه ، فأما صاحب العلم الناقص فهولا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري ) .

وجُبل نزر من المعطوبين نفسياً على ثقافة الحفظ والإملاء والهيمنة والحيل والمراوغة و مرافسة الحقائق ومحاربة طواحين الهواء .

فلا يحق للجمل العليل صاحب الرقبة المعكوفة أن يسخر من الآخرين الذين لا يجنحون عن جادة الصواب ، ولا يحق للطائشين توزيع صكوك الغفران وإصدار فتاوى بدخول الجنة والنار . إنه لأمر مقرف أن يدعي أحدهم النزاهة والنظافة والاحتشام وهو غارق حتى أذنيه في الأوحال والروائح الخبيثة . إن الغرور والشمولية تكسو سلوكيات وأفكار المصابين بفيروسات وأمراض العقم و التيبس الفكري والعقائدي .

لم يعد مستساغاً السكوت عن المعائب والمشاهد المسرحية والطقوس الكهنوتية تحت ستار من العبارات الدخانية وشعارات الزينة والبخور والأرواح السابحة في الهواء.

أتركوا اللغة العرجاء والأفكار المحنطة والطيش الفكري ، كفوا عن توزيع النياشين والألقاب وصكوك الغفران ، فلقد صرخ مرة الروائي العالمي فيكتور هيجو:

(( أيها الكاهن .. إني أنا المؤمن وأنت الكافر ))

1 تعليقك

  1. احسنت النشر ويسعدني ان ارى من يصرخ عاليا في وجه ما اسميتهم انصاف المثقفين ….الذين يحاولون اسكات المثقفين ..عندما ينشأ مجتمع مؤمن في كتاب واحد على انه اعجاز علمي سيصبح مخدرا فقط بهذا الكتاب ولايبحث ولا يسأل ……مجتمعاتنا منعت من النقاش الديني والسياسي منعت من الاختيار الفردي انه مجتمع مسير كالقطيع حرية الاختيار تكاد تكون معدومه فقل الابداع والاكتشاف والانتاج . تحياتي

اترك رد