أنيستي و مشهد الصباح


 
(لوحة للفنانة فاطمة ابو سيف)

أيا غريبتي المؤنسة هل لي أن أبثك ما رأيت اليوم و أثلج صدري .من قلبي هذا الصباح …..

أعجبت اليوم و عجبت لفتاة صغيرة ذات عينين عسليتين واسعتين ثابتتين براقتين ..و ضفيرة طويلة شهباء كعرف مهرة جميلة و قامة صغيرة ..دخلت تنط رشيقة خفيفة و هي المحملة بقفة فطور الصباح للوالد القابع خلف المقلاة يعالج قطع العجين و يلقي بها في الصينية الملآى بزيت الذرة بعد أن يتقن رسم قطرها الدائري كما لو أنه اكتسب حكمة الهندسة من أشهر جامعات الرياضيات…هذه الصغيرة المخصوصة جدا كانت كذلك ترتدي ميدعتها و فوق الميدعة معطف بلون الزهر.. تقليدي بسيط بغطاء رأس مقلم ببياض مشرق ..اعتصرت ذاكرتي و أيقنت أنه من البضائع التي كانت تعترضني متدلية من أسقف المتاجر المرصوصة المرصوفة في المدن العتيقة و آخرها سوق توزر التقليدي ..

دخلت الأنيقة البسيطة الصغيرة مقصورة والدها خلف الستار البني و أحدثت حركة تناهت إلى مسامعي ..قد أكون وحدي من سمعها دون بقية الزبائن من شدة ما تعلقت حواسي بطيف الفتاة ..و مافتئت أن خرجت و قد وضعت فوق ثيابها قطعة من النايلون الأزرق تحتمي بفيروزيها من بقع الزيت الخبيثة و رفعت إلي تينك الدرتين في لون العسل ..”صباح الخير مادام ..قداش عندك ؟..” و عوض أن أجيب عن سؤالها سألت ..”فاش تقرا إنت يا حلوة ؟..”..ردت بابتسامة خفرة ..”سنة سادسة ابتدائي أنستي “..
فضحكت بدوري و همست خجلة من الحضور حولي ..”و ما أدراك أني أنستي ؟..”خفضت بصرها و قالت “لا أحد يكترث لصفتي الأصل في هذه الحياة غير من فطر على نبل التعليم وآمن بجدواه ..”…آلمني جوابها فتماديت ..”كم معدلك ؟” صدحت “17 ..” كأنها تسمع والدها و من هم في المكان معنا ..فصليت على الرسول و باركت و نقدتها ثمن الفطائر و أوصيتها بدراستها خيرا و وعدتها بهدية النجاح و طلبت لوالدها العون و أنا أنزل درج الفضاء و قلت ملء الصوت ..””براس والديك خف على البنوتة شوية و نفسها لدراستها و خل سبيلها فمحفظتها أولى بها يا سيدي ..” و أسرعت خطوي نحو السّيارة خوفا من ردّة فعله و شعورا منّي بتدخّلي في ما لا يعنيني و يعنيني …

و عدت إلى البيت أوقظ توأمي و أستحثه كي لا يفوته هذا الزمن الجائر على غيره ……..
(القمر )……في مشهد صباح من هذا الأخضر و ربي يحمي و يستر ….آمين

لا تعليقات

اترك رد