ملابسي ليست أنا … إشكالية فلسفية وثقافية ودينية

 

لارتداء الملابس دلالات ومعاني كثيرة، فهو بشرة ثانية للجسد وعنوان هويته ووجوده. في ثقافة البشر، تنصهر الأجساد لاسيما الأنثوية منها داخل تلافيف نسيجية.. ومنسوجات ملفوفة ترتديها النسوة على نطاق طقوسي واسع.. أبدان نحيفة، وأخرى مكتنزة وممتلئة، تتململ.. تتمطط وتنثني، داخل أردية تقليدية وعصرية، فضفاضة وضيقة تمتد لجغرافيا الجسد ولشساعتها الكبيرة والواسعة. وبقدر ما هي أبدان، هي أيضا كيانات لحمية (من اللحم) ترسم علنية نداء الجسد، حيث تمسي التضاريس والنتوءات عناصر إلهام ومتعة وتحريض للرجل على التشهي..كيانات معرّضة للتلصص والنظر المسروق والكثير منها يمارس لعبة التكشف والظهور عبر اللباس الشفاف..عبر العري الذي يرمز إلى التمرد ….

ولا شك أن للملابس رمزيتها التي تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم وزوجه حواء ….لما أكلا التفاحة شعرا بالعري … فغطوا جسديهما بأوراق الشجر … أو هكذا وصلنا من خلال الكتب المقدسة أو التفاسير .. وهذا ليس موضوع البحث الأن . إن العري هو الحالة الإنسانية التي تشير إلى عدم ارتداء أية ملابس، وأحيانا تستخدم الكلمة للإشارة ثقافيا إلى حالة ارتداء ملابس، ولكنها أقل بكثير مما تقتضيه تقاليد وعادات المجتمع أو مما يقتقضيه الموقف، إلا أنها على العموم أيضا تشير إلى ظهور الإنسان عاريا تماما، وكذلك عورته. وتشير كلمة عاري إلى نوع من الفن التصويري يصف الرسم أو النحت الذي يصوّر البشر من دون ملابس، وإذا كان العري هو الحالة الإنسانية السائدة قبل اختراع الملابس، فقد أصبح العري نادرا في حضور الآخرين.واليوم في أوربا وبعض الجامعات المتقدمة هناك نزعة ايدلوجية تمارس العري الاجتماعي، وتدافع عن ممارسته في الأماكن الخاصة والعامة على حد سواء. وهذه النزعة معروفة في أوروبا باسم ‘النزعة الطبيعية’. للعري ما يبرره، إذ أن الاشتهاء الإيروتيكي هو الذي يدفع إلى التمرد على اللباس. وقد تقوَّى هذا الشعور والحاجة إلى العري كرد فعل عن بذخ الحضارة الغربية المعاصرة التي راكمت زيفها على الإنسان، فأضحى اللباس واحدا من الفواصل السميكة التي تعمق الفوارق بين البشر، وتمحو ما هو طبيعي فيهم. وقد كان الموقف متطرفا لدى بعض شوارع أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية مع مطلع السبعينات. ولا زال الجسد هناك يسلب الذات البشرية كثيرا من الحرية والتلقائية. اللباس هو بمثابة لغة ذات تأثيرات خاصة ومتميّزة في الآخر. إنه على حد تعبير فيشر ‘جلد ثان’ يعبّر بشكل رمزي عن تنشئة الجسد الإنساني من خلال خضوعه لبعض الشفرات الاجتماعية وقد بيَّنت بعض الدراسات الأنثروبولوجية بأن اللباس يؤدي ثلاث وظائف تتلخص في الوظيفة الوقائية، والوظيفة التجميلية، ثم الوظيفة المرتبطة بالستر والحياء. ولم يختلف الباحثون في إعطائهم للوظيفة الجمالية مركز الصدارة، بينما اختلفوا في تصنيفهم للوظيفتين الثانية والثالثة على اعتبار أن الاهتمام بتزيين الجسد وتجميله، ممارسة صاحبت الإنسان عبر التاريخ’وعبر تتابع الحضارات والثقافات. فحتى عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات التي يستعمل اللباس في نطاقها، فإننا نجد أعضاءها يزيّنون أجسادهم بالرسوم والألوان، أو بإضافة ديكورات معينة على الجسد (ريش، حزام، جلد، عقد..إلخ). هو بلا شك نوع من الاحتفال بالجسد عبر الإكساء والتلفيف المادي الذي اهتمت به أنثروبولوجيا اللباس منذ العقدين الماضيين.. اللباس في هذا الإطار، يغدو لغة ونسقا وكتلة من الرموز التي تجسد ثقافة الحجب والستر.. إن اللباس صورة مكثفة للثقافة ونسيج من الرموز، وليس مجرد نسيج من العقد والخيوط. وإن تنوّع صور وأشكال الزي أو الثياب يعني صور وأشكال الستر.

ومن منظور كونه وسيلة تعبيرية ذات مضمون إنساني، فإن اللباس يعد بنية رمزية تتغير وتحبل بدلالات تعكس تعقد العلاقات البشرية في سيرورتها. وكثيرا ما ينطق بعداء حيال النساء، يترجم في دعوى دنس أجسادهن، وهي رؤية تفتقد أساسا دينيا برغم انتشارها في المجتمعات الإسلامية، إذ يصرح الكلام الإلهي بأن المرأة والرجل من نفس واحدة، وهو قول يدل على قمة التماثل، والمساواة بينهما – ‘لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم’- من دون تمييز بين المرأة والرجل، لكن هناك من يصرّ على جعل العلاقات الأنثوية مرادفة للشهوة الحيوانية مبرّرا دعواه بالدين، فحرمت المرأة من التصرف حتى بصوتها . الجسد ثقافة..واللباس أيضا ثقافة. إنهما يعبّران عن سؤال الخصوصية والانتماء، إذ كثيرا ما نحكم على الجسد ونحدّد هويته من خلال ما يرتديه. الجسد/ اللباس..أو اللباس/ الجسد إشكالية فلسفية وثقافية ودينية تنطلق من كون الجسد كيانا اجتماعيا يكتسب صفة العرف، أما اللباس فهو تعبير جمالي ومادة إثنوغرافية بصرية مساعدة على فهم آليات السيطرة التي تمارَس على الجسد، أو ضده.. يقوم اللباس، باعتباره لغة، بالإخبار والتبليغ بواسطة اصطلاحات مفهومة ومتعارف عليها من طرف جميع الفاعلين الاجتماعيين، فلا يمكن أن يختزل اللباس في مجرد وظيفته المادية وحدها. فالوظيفتان معا الوقاية والتواصل مترابطتان، لأن اللباس/ الرداء لا ينفلت كليا، رغم أهميته، من مجموع الإكراهات الاجتماعية، لأنه يتطور. والحال أنه يبدو صعبا أن نؤكد مع بول يونيل بأن ‘الوظيفة الوقائية للباس هي الذريعة التي تختفي وراءها الرغبة في ارتداء الملابس . إن وظيفة التواصل لا تستبعد مع ذلك وظيفة الوقاية: فكلتاهما يتعايشان أحيانا، بحيث يمكن لنفس اللباس أن يحمل دلالة تختلف من حالة إلى أخرى، إذ يمكن معاينة انزياح في تلك الوظائف، بل وقلب معين للمعنى من وجودها، وذلك تبعا لكل وظيفة على حدة. ‘فالذي يلبس ثوبا ما، شيئا ما، إنما يصبح إشكاليا. يغدو اللباس نفسه وضعا سيكولوجيا، وقبلئذ سوسيولوجيا، وسوسيوثقافيا وتاريخيا، فكل لباس يفصح عن لبس فيه، عن ثقافة مرئية ومستنبطة- اللباس يرتقي إلى مستوى الكلام، بينما الجسد يصبح لغة مقننة. يرتبط اللباس بالجسد بعلاقة دلالية، ما في الجسد جنسائيا يتجلى لباسيا. الجسد نفسه التباس ولٍبْس، فهو يلبس ثقافة، ويتلبس في موقف، ويتلبس عليه الوضع الذي يعيشه، فهو ليس ما يبوح به، إنما ما لم يبح به- ثمة فكر في علاقة الجسد بما يلبسه، طيّات خفاء وتجلٍّ! قد يحل كل منهما محل الآخر- حيث يمسي الجسد لباسا، بكل عمقه الدلالي، واللباس جسدا بكل تجلياته العلاماتية .. واللباس بما هو تعريف للذات، هو أيضا شاهد على تطور الجماعة التي تنتجه. إنه عنوان الحضارة ودليل التغيرات التي تطرأ داخل المجتمع، بل هو امتداد للجسد في بعد التجميلي. من تم لعب اللباس في تاريخ الإنسانية وظيفة إيروتيكية تزيينية جعلته يحمل تناقضاته في ذاته لكونه يخفي ليجذب.كما أن أسلوب الارتداء يسمح للجسد بإبراز جسديته والتعبير عن مثالية الكائن الإنساني الذي يحاول الابتعاد عن جنسه الحيواني ما أمكنه ذلك. ولأن بناء الهوية يتطلب بالضرورة تأسيس الاختلاف أو التمايز على أن الثياب تمثل نسقا تمايزا يعتمد على التقابل الثنائي بين النساء والرجال وبين الثقافة المحلية وثقافة النخبة، فإن اللباس والجسد يشكلان معا نصا بصريا متحوّلاً حاملا لمعان ورموز كثيرة تعبّر عن حالة مدهشة من الاندماج.. داخل بنية هذا النص يلجأ كثيرون إلى زخرفة الجسد لدحر أذى العين والحسد (أكسسوارات الجسد) بالقدر الذي يراود آخرين حنين العودة إلى العهد الأول، حيث لا شيء يكسو الجسد، أي حالة العري الأولى التي عرفها الجسد الإنساني وهي تشبه الدرجة صفر في الثقافة..

لا تعليقات

اترك رد