كن جميلا ترى الوجود جميلا


 

بهذه الكلمات الرائعة من الشاعر إيليا أبو ماضي أبدأ مقالتي هذه عن نظرة الإنسان لما حوله من جمال …
تلك النظرة التي تسهل عيش الإنسان والمضي في الحياة سواء إن كان سعيداً او شقياً.

ويختلف النظر إلى ما يدور من حولنا من شخص لآخر كما تختلف قوة التحمل للصعاب والمشقات من فرد لآخر وطريقة تخطيها ..
رغم أن العدل السماوي يتيح للكل فرص متقاربة من الحظوظ للبشر للإستفادة منها إلا أن جهودنا ومساعينا لتسخيرها هي التي تخلق الفوارق وتحولنا إلى أغنياء أو فقراء وسعداء أو تعساء فنحن نقرر مصائرنا بأيدينا وفقا لسنة الحياة حيث “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فالمحصلة النهائية فإن الفرص التي تأتي لنا بالسعادة و الشقاء في الدنيا متقاربة.

إن سنن الله في الوجود تأخذ منا وتعطينا وتحرمنا وتعوضنا على قدر جهودنا وهذه السنن لن تتغير “فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا” إلا أن البعض يظنون بأن الدنيا لم تمنحهم الحظ الكافي والوجود لم ينصفهم في توزيع الفرص، عليه يتذمرون دوما، زاعمين أن نصيبهم من الدنيا أقل من غيرهم.

وفي الكثير من الأحيان لو قدر لكل شخص منا أن يكون مكان الآخر أو الدخول في قلبه لأشفق عليه و لتجلى أمام عينيه عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية.. ولما شعر بحسد وغيرة من مال الآخر أو بنوه .

الكثيرون منا لم يبذلوا ما يكفه من جهود لحصاد الفرص المتاحة من حولهم وفقا لسنة الله، فيعيشون في تعاسة كحصيلة لما فعلت أو لم تفعل أيديهم، فيرون الحياة سوداء اللون كئيبة .. في حقيقة الأمر أن هذه النظرة السوداوية ماهي إلا تلك النظارة التى نرتديها بعدسة التشاؤم لنبرر عجزنا عن ممارسة الكفاح للحصول على ما ينبغي أن نحصل عليه، لذا لو غير كل منا نظارته وحاول وسعى للإستفادة من الفرص المتوفرة له لوجد الحياة بحلوها وجمالها.

قد تكون في دواخل كل منا ذكريات هزائم في معترك الحياة تثير لدينا الألم ولكن لو نظر إليها بمنظار التحدي لأصحبت دروسا جميلة ورائعة يجب علينا أن نستنير بها طرقنا نحو المستقبل، لتصبح تلك الذكريات رائعة لما منحتنا من تجارب، فما أجمل أن تصمت وفي قلبك جرح كبير يتكلم وأن تبتسم وفي عينيك ألف دمعة ودمعة ولكن تنظر إلى المستقبل بتفاؤل وتتأهب للتحدي .

نعم، لا مفر من أن يزيد كل منا أي سقوط أو فشل إلى مخزونه التجربي ليقف على قدميه بعد أن استمد القوة من هذا المخزون ليشق بها طريقه إلى الأمام حيث السعادة والنجاح، فالفشل الحقيقي هو أن يبقي الأنسان في مكانه حيث سقط.

فمن هذا المنطلق لنستقبل الحياة بنظرة تفاؤلية ونكسر في دواخلنا اليأس ولنجعل الابتسامة شعارنا لكي تشرق لنا الحياة بألوان الطيف الزاهية ونحاول قدر الإمكان زرع السعادة في كل مكان، أن السعادة لا يقاس بعدم مواجهة الصعاب أو قلة المشاكل، بل السعادة الحقيقية تنبع من قوتنا على التحدي لها والتعايش معها بغية التغلب عليها والتأقلم معها بغية تغييرها إلى الأفضل وهكذا يمكننا أن نخلق أجواء سعيدة بدلاً من الإستسلام والغرق في عالمنا المملوء بالتعاسة والتشاؤم بل التفاؤل والأمل والطموح لبناء غد سعيد وعدم ترك النفس لليأس والاستسلام للألم هو طريقنا الأوحد للنجاح والسعادة.

ولنعمل بكلام من سبقونا بالعلم والمعرفة وهنا يستحضرني قول الامام علي (ع) حيث قال:
“الدهر يومان يوم لك ويوم عليك .فاذا كان لك فلا تبطر واذا كان عليك فلا تضجر”.. إنها الحقيقة فالحياة ليست كلها وردية كما يتصورها الكثيرون، كما إنها ليست بالبشاعة التي ينظر إليها المتشائمون .. دائما هناك بين هذا وذاك، وهنا يأتي دور القناعة بما وهبه الله لنا، فهي الثروة الحقيقية بل هي كنز لا يفنى .

إن الحياة هبة الله لنا وبأيدينا يمكن أن نخلق منها جنة نعيشها أو جحيم نحترق فيه في كل لحظة وكل ثانية ..
فلنعش كـل لحظة من هذه الحياة وكأنها آخر لحظة لنا في الدنيا ونستمتع بكل ثانية فيها .. فألزمن الذي يمر لن يعود ابداً .. لذا علينا أن نناضل ليعم الحب والأمل والتسامح جميع البشر ولكي نكون في صلب هذا النضال، يجب أن ندرك بأن كل منا في أشد الحاجة للتفاؤل حتى يتمكن من المضي قدما نحو غد مشرق وليرتدي كل منا نظارة التفاؤل لنرى جمال الحياة الحقيقي المفعم بالأمل والسعادة .
المتفائلون يعيشون حياة مطمئنة سعيدة بعيدة عن الحزن والاكتئاب والقلق وقد أثبتت دراسات وأبحاث جمة قام بها علماء النفس، أثبتت وجود ترابط بين النظر للحياة بشكل تفاؤلي وبين انخفاض مخاطر الإصابة بالعديد من الأمراض وعلى رأسها السكتة القلبية والدماغية.
اخيرا وليس آخراً تفاءلوا خيراً تجدوه في كل مكان وزمان .

14 تعليقات

  1. وهل هناك اجمل من روحك وقلمك ونفسك يا استاذة
    انت ما تجملين الكلمات والمقالات باختيارك لمفردات السهل الممتنع التي تبهر كل القرّاء
    احسنت ومنورة كعادتك استاذة ليلى

  2. ما اجمل ان نصحى صباحا على كلمات مقالك الجميل يا استاذة ليلى .. صدقا انها اجمل ما في قهوة الصباح
    احسنت النشر

  3. فعلا عزيزتى . الفارق الجوهرى بين البشر على هذا الكوكب هى الرؤية . اذا كانت نظرتنا متفائلة تتغير الامور للافضل و اذا كانت رؤيتنا للحياة تحمل فى طياتها تشاؤم فان الامور تزداد سوءًا و تعقيدا . احسنتى مدام ليلى . مقال اكثر من رائع وكلام عملى .

  4. مااجمل ان يقرأ الفرد هذة المقالة ف بداية اليوم فهي تبعث ف النفس روح التفائل والبهجة وانتي دائما استاذ ليلي صاحبة الموضوعات الجميلة الشيقة التي تترك فينا اثر جميل مهما كانت.

  5. لا يوجد اجمل من التفاؤل سيدتي ولا اجمل من ان تكون جميلا فعلا تر العالم كله جميلا .. السعادة الحقيقية هي التي تنبع من دواخل النفس الجميلة
    شكرًا لقلمك الراقي يا استاذة

  6. ربنا سبحانه وتعالى منحنا الجمال في كل شيء من جولنا مع الاسف الانسان هو الذي يشوه هذا الجمال انظري الى الطفل عندما يولد انظرى الى الصحراء و البحار والسماء قبل ان يلوثهم الانسان كما هي جميلة وهي بكر مثل الطفل قبل ان تقتل طفولته وتدمر نفسيته .
    ويبقى قلمك الجميل الذي دائما يطرح قضايا هامة تمس حياتنا من مختلف الابعاد السياسية والانسانية والدنيوية تحياتي لكي استاذة ليلى على اختياراتك الرائعة ورشاقتك المعروفة في كتاباتك والتي تنتقلي فيها كالفراشة الرقيقة………

  7. ويستمر العزف الجميل بكل معنى الكلمة بكل حروفك الأنيقة .
    كل التحيات الصادقة لك ولقلمك الجميل ست ليلى الراقية

  8. كن جميلا ترى الوجود جميلا
    ليلى عيسى
    نعم انا معك كاتبتنا الجميلة و مع ابحارك الرائع في هذا المعنى
    وكيف يتعامل الانسان في صنع حياته و مستقبله و يحقق ذاته بالعلم و المعرفه والتعاون مع الناس و المحيط الذي يعيش فيه
    و عليه ان يتفائل و يبتسم اذا ضاقت به الدنيا ويتحدى الصعاب ..!!؟ و الدهر يومان يوم لك و يوم عليك
    وكن جميلا ترى الوجود جميلا
    انا اتفق معك سيدتي في كل ماذهبت اليه ان الانسان هو الذي يصنع قدره و يغير مسير حياته الى الجانب الذي يتمناه ..!! لكن كيف ..!!؟ وهو مرهون بزمانه و محيطه و زماننا يا سيدتي لم يترك للمواطن حريته و حتى العيش بسلام يفتقره و الموت و التهجير صار منفاه الاخير
    حكوماتنا العربية المواطن فيها آخر من تفكر به ..!! منشغلين بشهواتهم ونسائهم و أموال الناس الطيبه في بنوك الغرب مجبره بأسمائهم ..!! من ابن لنا
    كن جميلا ترى الوجود جميلا
    ودماء الأبرياء والأطفال و النساء تراق في الشوارع و الأزقة
    على أيدي شذاذ الافاق ( داعش )
    هاهي آثارنا و مدننا تهدم و العالم يتفرج على مأساتنا من ابن لنا ان نتفائل و الخيم انتشرت في عموم الوطن ..!!؟ كيف لنا ان نبدل الحال وأبنائنا هجروا مقاعد الدراسة وهم يرتجفون من قساوة البرد و حرارة الصيف ..!!؟ ورجال الدين او بالأحرى تجار الدين منشغلين بفتاوى تهم مصالحهم و مصالح اسيادهم ..
    الانسان ابن واقعه و نحن نعيش في واقع مرير نقتل بَعضُنَا البعض و نسمم اجيالنا بمرض خطير ( الطائفية ) كيف يتم التغير و سدنة الحكم في وطننا العربي غير ابهين بما يجري المهم تمسكهم بكراسي الحكم و على الدنيا السلام
    اذا كان رب البيت على الرّق نافر فكيف هي شيمة اهل البيت
    سلام

    • اشكر مروركم جميعا واخص بالذكر استاذي ومعلمي استاذ صبري الرماحي … لا تتصور سعادتي وانا اقرأ كلماتك … تلك الكلمات التي كانت بمثابة سكينة تقطع أحشائي لانها تحمل بين سطورها الالامنا وأوجاعنا وحاضرنا المرير الذي نعيشه يوميا سواء كنا في ارض العراق الجريح او على ارصفة شوارع الغربة .. وتأكد يا استاذي ما قصدته من مقالي هذا هو ان ابعث بصيص من الامل في وسط كوم من الياس والحرمان الذي نحن فيه ..
      أكرر شكري واعتزازي لكلماتك
      ادامك الله ذخرا ومحبا دايما للوطن
      تحياتي لك يا غالي
      ليلى عيسى

  9. ما اروع ان يكون الانسان جميلا والوجود اجمل ..اتمني من صميم قلبي ان جميع المتشائمين من هذا الوجود ومن هذه الحياة ان يقرأوا هذا المقال ليخففوا عنهم كاهل الكآبة والحزن عن أنفسهم اولا وعن أنفسنا ثانيا لان مثل هذا النوع من البشر يقومون بنشر الطاقة السلبية من حولنا ..وعلى رأي الإخوة المصريين ((( هي مش ناقصة هم وحزن وكآبة )))
    وبالفعل بالرغم ما نمر به من احداث مريرة وعصبية لابد ان يطلع النهار وتسطع الشمس وعجلة الحياة تدور من جديد ..
    احسنت النشر يا بنت الرافدين الجميلة

  10. الكاتبة الرائعة استاذة ليلي
    ما اجمل كلماتك صدقتي في قولك ان الفشل الحقيقي انً يبقي الانسان مكانه حيث سقط والله انه جملة تستحق ان تكتب بماء الذهب. فعلاً الفاشل اختار ان يندب حظه ويحسد عيره بدون ان يفكر كيف يغير حظه قانعاً بالفتات وقد اختار الطريق السهل طريق الفرجة علي الناجحين والحقد عليهم رافضاً ان يفعل ما فعله هؤلاء الناجحون من تعب وصبر وتضحيات. اما الناجح الذي يجني ثمار تعبه يظل حامد ربه الذي أكرمه فأعطاه فاجزل له العطاء مكافأة له علي ما قدم وما بذل من جهد وعرق وتضحيات. فعلاً انك انت عزيزي الانسان الذي تصنع حاضرة ومستقبلك. جزاك الله خير استاذة ليلي علي هذا المقال الرائع

  11. ” كن جميلا ترى الوجود جميلا ”
    انه كلام معبر وجميل ، وان هذا النوع من الجمال نابع من احساس داخلي تتواجد عند الأشخاص الأكثر تفاؤلاً وحباً للحياة ، وهؤلاء الأشخاص هم الأكثر سعادة من الآخرين حيث ينظرون الى كل ما يمر عليهم وما يدور حولهم جميلا ومبهراً ،والآفاق عندهم مفتوحة ، وهم يتعايشون مع الآخرين بحبٍ. ومودةٍ وصفاء ، وهؤلاء عكس الأشخاص المتشائمين والميؤسين من الحياة ، حيث الآفاق عندهم مسدودة ، والفرص محدودة ، وحياتهم قد تبدلت الى جحيم .
    أن الوجود في هذه الحياة رغم ما يشوب فيها من ويلات الحروب التي تجري حولنا ، والفساد عند المسؤلين والمسلطين على رقاب شعوبنا ، فهي جديرة بأن تستمر وتعاش بعيداً عند التشائم واليأس ، وبالأبتسامة والمحبة والصفاء في ما بيننا نتطلع الى غدٍ افضل واحسن ، والأمل على ان تنتهي هذه الحروب في منطقتنا وتسود الامن والاستقرار في اوطاننا ، والى ذلك اليوم اتمنا لك سيدتي وللجميع دوام التوفيق والصحة والسعادة .

اترك رد