“كراهية الإٍسلام” لفخري صالح: صناعة الكراهية وقيادة المستقبل


 

عندما تري عيناك شخص ما أحْوَل …فهل هذا دليل على حَوَله ام حَوَلك انت ..؟

تتقاطع الرؤية الإستشراقية الجديدة مع القديمة فى بناء نموذج او بنية تصورية ، يتم استخدامها فى مواجهة العالم الإٍسلامي كأداة لصناعة فهم ما حوله ، ورغم ان الواقع اكثر تشابكا وتعقيدا فقد يماثله النموذج ولكنه لا يطابقه، ومن هنا تكمن إشكالية البنية التصورية الغربية للإسلام، في انها اشكالية التفكير الغربي عينه وليس الإسلام، وعليه فإن صياغة ذلك النموذج هى عملية بناء لصورة الطرف الآخر” الإسلام والمسلمين” كبنية ذهنية غربية تستخدم لصياغة استراتيجية صراع فى المستقبل وتقود فعل الغرب تجاه الإسلام الى وجهة تخدم مصالحه، في كتابه”كراهية الإسلام” الصادر مؤخراعن (الدار العربية للعلوم ناشرون)،يسعي الناقد والكاتب فخري صالح الى تتبع ذلك النموذج وتشكلاته عبر كتابات ثلاثة مفكرين ساهموا بشكل كبير فى صياغة ذلك النموذج كخبراء ودارسين للمناطق الإٍسلامية وتسخير ذلك النموذج المؤدلج فى صناعة القرار الغربي والأمريكي وبناء تحالفات دولية لمحاربة عدو متخيل يسمي الإرهاب.

يبدأ فخري صالح الجزء الأول فى مقاربة كتابات المستشرق البريطاني – الأمريكي برنارد لويس،عبر قراءات تفسيرية وسياقية لعدد من أفكار لويس والتي تحويها عناوين “جذور السخط الإٍسلامي” و “اعادة التفكير بالشرق الأوسط” و”صدام الإسلام والحداثة فى الشرق الأوسط: ما الخطأ الذي حصل؟” و “مستهدفون بتاريخ من الكراهية”و “ملاحظات على قرن من الزمن”:تأملات مؤرخ متخصص فى الشرق الأوسط” ،تمثل تلك العناوين محطات هامة فى حياة برنارد لويس وتحوله من خدمة الحقيقة الى خدمة السلطة وتسخير المعرفة لصناعة القرار، فجذور السخط الإٍسلامي يقيمها لويس على مقاربة تاريخية تلصق بالإسلام بث الكراهية والعنف فى اتباعه ،وأن تلك الكراهية موجهة ضد الغرب، ويرجع تلك الكراهية الى شعور المسلمين بالدونية الحضارية والهزيمة امام الغرب المتفوق، ورفض المسلمون ان يحكمهم “الكفار” لأنهم ليسو اهلا لهذا الحكم، ورغم انه لا يدمغ الإسلام كديانة وعقيدة وحضارة بالتطرف او العنف ، الا انه يسعي الى تعميم نموذج الكراهية ودسه في الاسلام كصورة نمطية ثابتة كعدو يحتاج الى مواجهته.

وتتماهى منهجية برنارد لويس فى نظرته للإسلام مع جملة اوسكار وايلد((Oscar wilde الطريفة “من المؤكد انه تم اكتشاف امريكا قبل كولومبوس لكن تم الحفاظ على السر جيدا”

ويطرح لويس سؤال “لماذا يكرهوننا” ويوجه اجابته وجهة تاريخية، ويلتقط من تاريخ العرب ما يدل من منظوره انهم معادين للديمقراطية مختلفين فى منظورهم للعالم عن الغرب الذي يكرهونه ، وان نظامهم القيمي يختلف اختلافا كبيرا عن مثيله فى الغرب، ومن ثم ، فإن فرض الديمقراطية على شعوب العالم العربي سيؤدي الى نتائج كارثية، ويسخر لويس الذي اتُهم بدفع ادارة جورج بوش الابن للهجوم على العراق عام 2003 تلك الرؤية الحولاء فى مقالته

“اعادة التفكير بالشرق الأوسط” والتي نشرها فى مجلة “الشؤون الخارجية” الأمريكية عام 1992 ،الي توجيه القارئ وصانع القرار السياسي لتشكيل تصوره حول العالمين العربي والإسلامي، مشددا على تخلف هذه المنطقة من العالم وهيمنة الإستبداد فيها، ورغبة اهلها الشرسة فى الإنتقام من الغرب “كرد فعل غير عقلاني لكنه تاريخي لمنافس قديم موجه ضد الميراث اليهودي والمسيحي وحاضرنا الحداثي المعاصر” كما يري لويس ،ولا يكشف الأسباب الحقيقية لهذا الصراع وهذا الغضب الإسلامي والذي نتج فى الأساس كما يري المؤلف من الهجوم الإمبريالي على العالمين العربي والإسلامي والتحالف السافر بين امريكا واسرائيل للهيمة على هذا الجزء من العالم ،وقبل ذلك الأمراض طويلة الأمد والتي زرعها الإستعمار فى تلك المنطقة وكأنه تركها لتنضج وتتفاقم وعاد اليها فى شكل جديد ، سخر لويس نفسه لخدمة السلطة، يمارس التزييف والتضليل ويشرعن لظمأ الإمبراطورية الغربية للغزو والتحكم فى شعوب الشرق، وفى النهاية يستنتج المؤلف ان برنارد لويس يعد مثالا سيئا للمؤرخ والعالم الذي وظف معرفته التاريخية لغايات واهداف سياسية ايديولوجية تخدم صانع القرار السياسي، مما كان له نتائج كارثية فى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على افغانستان والعراق، وكما يقوم ممثل بدورين فى فيلم واحد فقد ظهر لويس بوجهين وجه الباحث الجامعي المتخصص فى قضايا الشرق، ووجه المستشار وموجه لصناع القرار السياسي، بتقديمه صورة نمطية مزيفه عمن ينتمون الى الثقافة الإسلامية، لصناعة وقيادة حرب لا تمت للحقيقة بصلة ولا تنتسب حقيقتها الا الى ذلك النموذج الغربي المزيف.

يتناول الجزء الثاني من الكتاب كتابات صمويل هنتنغتون صاحب كتاب” صراع الحضارات”، تلك الفكرة التي مهد لها الطريق برنارد لويس ولكنها اتخذت حلة جديدة فى شكل نظرية سياسية ونموذج قادر على تفسير الحاضر والتنبؤ بالمستقبل على يد هنتنغتون، وتأتي نظرية هنتنغتون ردا على فرضية نهاية التاريخ وسيطرة الثقافة الغربية التي قدمها فوكوياما وينتقد هنتنغتون تفاؤل هذا الأخير موضحا ان الصراع فى المستقبل ثقافيا، بمعني انه سيكون صراع بين الكيانات الثقافية الكبري ، وان تلك الكيانات هى التي ستقوم بالدور الرئيسي الفاعل فى ذلك الصراع، ويوفر نموذج هنتنتغتون خريطة سياسية جديدة للعالم ما بعد الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفيتي، ويوضح ان الدين هو الحجر الأساس الذي يستند اليه فى تعيين تلك الحضارات ،ويقسم العالم الى دينين رئيسيين هما المسيحية والإسلام وذلك تمهيدا ان عدو الغرب المستقبلي هو الإسلام،ويري المؤلف ان ذلك النموذج من التفكير شديد التبسيط ولا يلتفت الى التحولات الحضارية الكبري التى حدثت فى عمر الإنسانية، بمعني انه يفتقر الى الكثير من الشروط المعرفية لكي يصلح نموذجا لتفسير الأحداث الكبري فى القرن العشرين، وينتهي الى ان كتاب هنتنتغتون ما هو الا مجرد بيان سياسي يعلن عن وجود عدو جديد، يمد صانع القرار السياسي بمسوغ يستطيع من خلاله تكتيل العالم الغربي ضد ذلك العدو المشترك.

يعني الجزء الثالث من الكتاب بالبحث فى صورة الإسلام والمسلمين فى كتب رحلات نايبول الى العالم الإسلامي وهى كما يقول المؤلف محاولة لفهم كيف يفكر روائي عالمي كبير، صنع ميراثه السردي والثقافي من الارتحال بين الشعوب، ومن تأمل ظاهرة الإجتماع البشري،ويربط المؤلف بين توقيت حصول نايبول على جائزة نوبل للآداب سبتمبر 2001 وبين دور كتاباته فى حصوله على تلك الجائزة، ويوضح فخري صالح ان اللجنة قد خصت كتاب نايبول”ابعد من الإيمان” بالذكر وهو الكتاب الذي يسرد رحلات نايبول الى عدد من الدول الاسلامية الاسيوية، ويري نايبول ان الإسلام دين امبريالي يقوم على التوسع ومحو الأديان الأخري، والرغبة فى ان ترتد شعوب الأرض عن عقائدها لتعتنق الإسلام

وحده ، وتدل تلك الصورة النمطية التي بناها نايبول علي صورة متحيزة ابعد ما تكون عن الحقيقة، ناتجة عن ميراث الاوهام والأساطير التي راكمتها اوربا حول الشرق،وقائمة على التعميم الأعمي والنظرة الفردية المتحيزة.

ان العدو هو صناعة تحتاج الى عناصر سلبية مختلفة يتم مزجها بخلفيات متعددة، لتخلق وهم مفاهيمي سيئ ، يصلح ان ينطبق على اي”انا آخر” غير الغرب يمثل سلبه ايجاب الغرب ومحوه وجوده ، ويتم حشد اكبر قدر من الإيمان بشرعية حربه.

فبرنارد لويس دمغ الإسلام بالكراهية،وهنتنغتون قدم الإسلام كمرض يجب مجابهته من اجل صحة الغرب،ونايبول لونه باللون الأسود والسلبيه فى اسوء صورها، ثلاثة نماذج تشكل فى مجملها نموذج اكبر ومثلث للرؤية الغربية المشوه للإسلام، انها نموذج لأسطورة المرض، اسطورة الخوف، اسطورة المؤامرة، والتي طالما تحلل منها الغرب، ولكن فى الحقيقة تشكل تفكيره ورؤيته المفتعله للعالم الإسلامي.

ويغيب عن الكتاب التأصيل النظري الكافي لمفهوم النموذج ومفهوم الإستشراق الجديد وايضا مفهوم العدو او لماذا يسعي الغرب الى صناعة عدوه ..؟ وتعامل المؤلف مع تلك المفاهيم كمعطي ورغم انه حدد اتجاهه من البداية فى تتبع آلية “كيف يصور الإستشراق الجديد العرب والمسلمين ” الا ان تلك المفاهيم هامة فى تعميق الطرح ، وتكمن اهمية الكتاب فى انه يأتي في وقت يمثل اوج تصاعد خطاب الكراهية ضد العالم العربي والإسلامي، على لسان رئيس اكبر دولة فى العالم”ترامب”، ذلك الخطاب الذي يرتكز على قواعد ايديولوجية بناها امثال برنارد لويس وهنتنغتون ونايبول،تشرعن لعدم المساواة وازدواجية المعايير، ويتمحور خطابها حول احساس بالخطر وتصورات مشوهه ، تضع حدودا وقيودا على الآخرين ،وربما اختراع حرب مقدسة،لتدميرهم من دون رادع.

5 تعليقات

  1. عرض يستحق خمس نجوم ..أوصل فكرة الكتاب باحترافية كبيرة ..وانا قرأت الكتاب وقد عمقت هذه القراءة قرائتي بشكل كبير ….دامت إبداعاتك سيد حجاج

  2. عرض يستحق خمس نجوم ..أوصل فكرة الكتاب باحترافية كبيرة ..وانا قرأت الكتاب وقد عمقت هذه القراءة قرائتي بشكل كبير ..احسنت

  3. عرض مختصر وشيق, ربط بين تاثير الادب والكتابات على مراحل زمنية ومختلفة والنتائج المترتبة عليه حديثا فى موقف الرئيس الامريكي ترامب.

اترك رد