العرب والغرب : استمرار إنتاج الهيمنة – ج2


 

فقد استثمر الغرب الإمكانات العلمية والتكنولوجية واستطاع إعادة تشكيل نظام العالم الجديد وإعادة ترتيبه، بما يتناسب مع مصالحه وأهدافه. كما تم التبشير والترويج للعولمة التي أصبحت بحرا متدفقاً من القيم، وأنماطا من السلوك و تحاول التشكيك أيضا بأهمية القيم الأخرى السائدة، بل إنها تعمل على تسفيهها والتقليل من قيمتها واعتبارها قيماً متلاشية، لا تناسب روح العصر والحضارة.

هذا التعالي ومركزية الحضارة كما يسميها صامويل هنتكتون دفعت العالم في هذه الآونة الأخيرة إلى وضعية المواجهة الحاسمة بين الحضارات، حيث نلاحظ تسلط وجبروت الحضارة الغربية بقيادة النموذج الأميركي المستبد بصفتها الحضارة المسيطرة، والتي تحاول الإحاطة بالحضارات الأخرى – كالحضارة العربية الإسلامية- كما تسعى أيضا إلى محاولة استيعابها ومحاصرتها والعمل على تفكيكها إن استطاعت ذلك.

حضور الفكر والحضارة العربية الإسلامية في الفكر الغربي الحديث يشير إلى الإهتمام البالغ الذي يوليه المفكرون والساسة الغربيون لهته البقعة الجغرافية ولتاريخها الثقافي، يدل على ذلك كثرة إحالاتهم ودراساتهم مما يشير إلى مدى حضور الفكر العربي الإسلامي في الدوائر الثقافية والسياسية الغربية. إلا أن هذا الإهتمام يواكبه أحيانا إجحاف كبير موضوعيا وعلميا حين يتعلق الأمر بالدراسات حول الدين والنبي.

لم تخلو دراساتهم من الأحكام القاسية التي يطلقونها تحت تأثير الأفكار المسبقة التي توقعهم في غالب الأحيان، بتناقضات خطيرة، وبذلك يصدرون أحكاما وأراءا لا تتساوق مع منطق بحثهم ذاته. وأحيانا لم يحصل الدارسون الغربيون من المجتمع الشرقي إلا ما أراد هذا المجتمع أن يبديه لهم، أو ما أرادهم أن يبحثوا عنه فيه وكانت النتائج أحكاما وقيما لا علاقة لها بالواقع في غالب الأحيان.

جاءت الأنماط والصور التي أنشأها الغربي عن المجتمع الغربي الإسلامي تعبيرا عن ما ترسب في الفكر الجمعي والذاكرة الجماعية الغربية، إنها انعكاس للأحكام والخيال المجتمعي الغربي الذي كونه عن المجتمع العربي الإسلامي. فسقط المثقفون الغربيون في فخ الذاتية واستجابوا لضغط الفضاء العام المشكل للأفكار مسبقا، وأحيانا تعبير عن ما يسكن اللاوعي الفردي والجماعي.

فالمجتمع العربي الإسلامي عند الغرب هو مجال مشتت العناصر منمطة لا رابط لها، فالبعض يرى فيه بلاد التعصب والتخلف والعنف … وآخرون يرون فيه مجتمع الحكمة والفلسفة والحضارة العريقة مما شكل للباحثين الغربيين مجالا يمثل لحظات معزولة في الزمان والمكان وبحاجة إلى دراسة جدية وليس عنوانا لتقديم أفكار وتصورات مسبقة.

هذا الإهتمام يظهر جليا من خلال مختبرات الأبحاث حول الإسلام حتى أصبحت هناك شعب تهتم بدراسة الإسلام Islamologie وأصبح العديد من الباحثين يطلق عليهم مختص في الإسلام Islamologue، الأمر الذي لا نجده وبنفس الإهتمام والأهمية حين يتعلق الأمر بديانات أخرى. فجاءت العديد من الكتب والمقالات مغالية وأحيانا قاسية لا يسعنا الوقت للحديث عنها، وهي في الغالب تعبير كما أشرت لما يترسب في الذاكرة الجماعية الغربية. فصار الحديث عن إسلام فرنسي وآخر أوروبي وإسلام حضاري وآخر غير حضاري … وكلها مسميات شكلية لا تمت للموضوعية العلمية بصلة.

فأصبح العديد منهم خبراء عن الشرق والمجتمعات العربية الإسلامية ومراجع للسياسيين والشركات العملاقة، رغم ما يفتقده بحثهم من قيمة علمية وحياد. فاتسمت مواضيعهم على ملاحظات المجتمع من الخارج دون أدنى عناء لدراسة التركيبة السياسية والإجتماعية والثقافية للمجتمع العربي الإسلامي بطريقة تحليلية علمية تستوفي شروط ومبادئ البحث العلمي. فتم التعبير والترويج على أن المجتمع العربي مجتمع ساكن لا يتحرك من طرف هؤلاء المهتمين وتمت الإستعانة بهم كمستشارين حين يتعلق الأمر بحماية مصالح الغرب في العالم العربي أو كيفية فهم القبائل و المجتمع العربي.

فرغم شمولية أفكارهم وعموميتها لا زال هؤلاء هم من يخططون السياسات الغربية ويتم الإستعانة أحيانا حتى ببعض المتطفلين الذين كتبوا مقالات صحفية عن المجتمع الشرقي كخبراء رغم محدودية قدراتهم العلمية والمعرفية. وغالبيتهم لا يميلون إلى التعمق في أبحاثهم ويقفزون إلى خلاصات ذات طابع سياسي محض، وجل المهتمين بالشأن العربي الإسلامي لا تخصص لهم فهم يكتبون عن أربعة عشرة قرنا من الوجود الإسلامي بدون حرج و بعمومية وشمولية دون تحديد مرحلة زمنية محددة أو موضوع محدد.

تعتبر إذن هته الدراسات الغربية (أو الإستشراقية كما يحلو للبعض تسميتها) تعبيرا عن النظرة المركزية الغربية للعالم العربي الإسلامي بعيدة عن الأهداف العلمية والأسس الموضوعية، فهي في نهاية المطاف كانت ولا زالت جزء من المؤامرة…

لا تعليقات

اترك رد