فن التصميم تحت مجهر الاسئلة والحوار العقلي ج١


 

لقد انتقد الفيلسوف البرغماتي الامريكي جون ديوي نظرية النزاهة الجمالية ونظرية النزعة الشكلية في الفن وحدد لكل منهما نسقا في تبرير مايذهب اليه ،اذ اورد (كانت) في كتابه (نقد ملكة الحكم) الكثير من الاراء حول الجمال والجميل، وكيفيات تشكيل الوعي الجمالي ،لاسيما موقف الحكم الجمالي في كل ذلك ، فضلا عن تخليص الفن من الطابع العملي ، ويعد (كانت المولود في ( (22 أبريل 1724 – 12 فبراير 1804) ، والذي برز في مجالات الــ (فيزياء الفلكية، الرياضيات، الجغرافية، وعلم الإنسان) ، وعد أحد أكثر المفكّرين المؤثرينِ في المجتمع الغربي والأوروبي الحديث والفيلسوفِ الرئيس الأخيرِ لعصر التنوير،معرفا اياه بقوله:انه أنه عصر تشكل تحت شعارِ : “الجرأة من أجل المعرِفة”. مما نمى نمط من التَفْكير الداخلي خال من قواعد السلطة الخارجية،وكانت لكانت تأثير حاسم على الرومانسية والمثالية فلسفات القرن التاسع عشر. كما شكل عمله نقطة بداية لفلاسفة القرن العشرين) وتعد اراؤه حول التقييم الجمالي من بين الأراء التي تصدى له عديد الفلاسفة والمشتغلون بالشان الجمالي لما لها من بواعث على التفكير ،

ومن بين من تصدى لها (جون ديوي )الذي عاش للمدة من (1859 – 1952) ويعد من أوائل المؤسسين للفلسفة الپراغماتية ومن أشهر أعلام التربية الحديثة على المستوى العالمي. ارتبط اسمه بفلسفة التربية لأنه خاض في تحديد الغرض من التعليم وأفاض في الحديث عن ربط النظريات بالواقع من غير الخضوع للنظام الواقع والتقاليد الموروثة مهما كانت عريقة,فهو الأب الروحي للتربية التقديمية أو التدريجية وهو من أوائل الذين أسسوا في أمريكا المدارس التجريبية بالاشتراك مع زوجته في جامعة شيكاغو 1896 – 1904, وهو فيلسوف قبل أن يكون عالم في مجال التربية والتعليم )،اذ تناول في نقده ماسمي بالنزاهة الجمالية الكانتية ،وان الفن لاينبغي ان يكون منتجا نفعيا وان يترفع عن ذلك ، مع الابقاء على الفن في مجاله وارتقاءه الجمالي المثالي وانه محكوم بالذاتية قبل اي شيء ،اذ عارض (ديوي ) ذلك واضعا الفن في شقه التطبيقي النفعي داعيا للثورة(على كل نزعة أرستوقراطية تريد أن تجعل من الفن ميزة خاصة يتمتع بها بعض أصحاب الأمزجة الرقيقة، والأذواق الرقيقة»، لاسيما وأن «جذور الخبرة الجمالية كامنة في جحيم خبراتنا اليومية العادية». وفي هذا الإطار نفسه، يرى ديوي أيضاً أن «الفن ينحو أساساً إلى وضع الناس في علاقة مع بعضهم بعضاً، علاقة ترتبط بالتجارب المشتركة المباشرة». وهذه هي، في رأيه، «الوسيلة الوحيدة لتمكين الإنسان من الإفلات من نزعته الفردية». ثم، في هذا الإطار نفسه أيضاً، يرى ديوي أن وحدة «الشكل والمضمون في العمل الفني، ليست في حقيقتها سوى التعبير الحميم عن العلاقة بين السلبية والفاعلية اللتين تستتبعهما أي تجربة ملموسة يعيشها البشر)،اذن هو يخضع الفن الى شرطية الخبرة ،لكنها خبرة منتجة نافعة ، لهذا فأن التصميم افاد من هذا المنطلق لأنه معني قبل غيره بهكذا اطروحات على الاخص ان البرغماتية عالجت موضوعا مهما الا وهو البعد النفعي والوظائفي الاجتماعي الذي تستند عليه فلسفة التصميم ، ووفق هذا المعنى فأن هذه النزعة تتفق تماما مع اطروحات السوق والتسويق والاعلان وحركة التجارة الحرة ، وفتح المؤسسات الاقتصادية ذات المنحى الربحي ،على الاخص لك التي تتفق مع نظريات الاقتصاد والتبادل بين المنظومات الاقتصادية ،من جانب اخر انتقد (ديوي) النزعة الشكلية في الفن ،التي مثلت ( منهجا غير واقعي يتضمن اتجاهات ومدارس كثيرة في الفن وعلم الجمال في المجتمع البورجوازي في عصر الامبريالية (انظر الفن التجريدي، التكعيبية، السريالية، الدادائية، البدائية، الوحشية، والتبقيعية). فلكل هذه الاتجاهات – بصرف النظر عما بينها من فروق سمات مشتركة: فهي تضع الفن في تعارض مع الواقع، وتفصل بين الشكل الفني والمضمون – الفكرة، وتعلن استقلال وأولية الشكل في الأعمال الفنية. وتنبثق النزعة الشكلية عن الفهم المثالي للمتعة الجمالية، التي تزعم أنها متحررة من الأفكار الاجتماعية، ومن المصالح الحيوية، ومن المثل العليا الجمالية والاجتماعية، وأنها – من ثم – تعتمد كلية على « اللعب بالأشكال الخالصة ». وتكشف النزعة الشكلية عادة – بالفعل – الاعتماد الكامل لمضمون الأعمال الفنية على الايديولوجية البورجوازية. وفي الوقت نفسه فإن انفصال الشكل عن المضمون في الفن يفضي حتما إلى دماره، رغم الزعم بأن هذا هو “خلق الشكل”.

والنزعة الشكلية في الفن معادية للاشتراكية) هي نزعة انبنت في ظروف ايديولوجية معروفة واغلقت الباب امام اي تنظير يدعو الى مخالفة مقولة الفن للفن وان الفن مراة للحياة ،وانه لايتفق مع المحاكاة ،وهو عالم مستقل منفصل عن الموضوعات الحياتية ،كل ذلك كان مدعاة لنقد (ديوي) داعيا الى النظر الى الفن نظرية واقعية ،وانه اساس عملي للتواصل بين الافراد والامم ، فضلا عن كونه ذا منحى وظيفي اجتماعي وهو عين مادعت اليه الاطروحات التي تلت التي دعت الى انزال الفن الى موضع التطبيق والتعامل والترويج ،وفي هذا الإطار( يتابع ديوي محللاً أن كل «خبرة» إنما هي «نتيجة لعبة متبادلة بين القوى التي تتحرك بن حدث خارجي وإبداع داخلي… وهذه اللعبة ليست بأية حال لعبة سببية ولا فوضوية: بل هي لعبة تتبع إيقاعاً معيناً، وسيرورة واضحة… لعبة لها بداية ولها نهاية. وحين تتطور هذه السيرورة في شكل متناسق، ترتدي بفضل هذا التطور قيمة جمالية، مستقلة عن كل جهد يبذل لخلق عمل فني… أما العمل الفني نفسه، فإنه يولد من رحم تلك الحاجة إلى التعبير عن تلك الخبرة التي كان سبق لها أصلاً أن ارتدت طابعاً جمالياً. ففي البداية تكون لتلك الخبرة قيمة جوّانية غير واضحة التعبير. أما الأشياء البرّانية والمشاعر الراهنة أو السابقة، فإنها عندذاك تفعل بصفتها أدوات تعبير». وهنا ينبهنا ديوي إلى أن التعبير، في حد ذاته، لا يكون ذا جوهر فني أو جمالي… ذلك أن كل شعور ينحو أصلا لأن يعبّر عن ذاته، بتصرف ما، بصرخة، بكلمة عابرة. أما التعبير الجمالي، فإنه – على عكس هذا – يولد من خلال عملية نقل واضحة: فالشعور، خلال سيرورة تطوره، يجتذب إليه حالات وجدانية أخرى، ومشاعر مشابهة، في شكل ينتج نظاماً معيناً، ووحدة أكثر سمواً من تلك الناتجة من التعبير الشعوري الأولي)،ولو ربطنا ذلك مع التصميم ،فأننا نجد بوضوح ان النزعة الشكلية والنزاهة الجمالية تتناقضان تماما مع فكر التصميم ونظرياته ،لاسيما في جدلية الفن واللافن التي لم تجد صدى لها الا عند البعض ،على العكس فان التصميم بتطبيقاته كافة هو في قلب التمظهر والجدل الفكري وفق تأطير (ديوي ) ، واذا ما صيرنا التصميم فنا فأن لعبة التصميم والنفع والسوق والوظيفة الاجتماعية تكون حقيقة بينة لامراء فيها.

لا تعليقات

اترك رد