ترامب .. حين تصنع الحداثة ابطالها من جديد


 

اكتفيت خلال الأسبوع الفارط من الردود الغنية بالشتم والسب واللعن الاسلامي بكل جدارة وتفوق، من أن أبني رأيي الشخصي وموقفي العقلاني من قضية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول بدايات تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية خلفا للرئيس باراك اوباما وامتدادا للأسبوع الأول من حكمه وإصداره للقرار المثير للجدل بحظر دخول عدة جنسيات الي الولايات المتحدة الأمريكية وغالبها من الدول الإسلامية. وقد كنت قد علقت في مقاربة عقلانية وتساؤل منطقي على حسابي الشخصي في موقع تويتر بتغريدة أشرت فيها مع صورة واضحة وحقيقية في المملكة العربية السعودية بما معناه، إذا كنا نمنع غير المسلمين من دخول مكة بتعليق اشارة كبيرة على الطريق السريع ونطلب منهم اتخاذ منعرج آخر حتى لا يدخلوا مكة بينما يكون من صلاحية المسلمين فقط الدخول. وكتبت تعليق على هذه الصورة قائلا: حين تريد أن تنتقد ترامب عليك أن تصلح ذاتك ومجتمعك وثقافتك وتدينك حتى تكون حجتك أكثر عقلانية. وبعدها لم أشعر الا بالأخلاق الاسلامية تنهال علي والتى خرجت بكل انحدار سوقي ولفظي لتعبر عن رفضها وغضبها وامتعاضها من إحداث مثل هذه المقارنة . مما جعلني أجزم بأن العقل المسلم مازال رافضا الي اليوم قيمة المساواة مع الكفار، وما زال مستحقرا لقيمة التعايش معهم، وما زال وهو الأسوأ، يتعامل معهم، وهو بأسفل درجات الانحطاط، مع الإستعلاء الديني الفارغ من أي قيمة علمية أو فلسفية ناهيك عن الإنسانية، التى أهدروها بكل وقاحة في مستوى الردود والتعليقات التى ابتعدت عن القضية الأساسية واتجهت الي القذف الشخصي والدفاع الممزوج الخالي من الحجة العقلانية ما عدا الإرتكاز على النصوص الدينية التى أمرتهم بهذا التصرف والسلوك مع الكفار وكل مختلف.

ورغم أن، وحتى يكون مقال اوشاج أكثر مصداقية، أعترف بأن موقع تويتر والتغريد عموما لا يعتبر مقياسا للرأي بشكل علمي، إلا أن هناك بعض التغريدات التى تحظى بعدد كبير من التعليقات لتكون نوعا ما قياسا ظاهريا يعبر عن مكنون الأخلاق والمشاعر والأفكار الاسلامية تجاه أي قضية يتم طرحها بشكل واضح وربما جريء لم يسبق أن تم طرحه في الإعلام الرسمي او في الصحف وغيرها من وسائل الإعلام التقليدية، لنتمكن بعدها من بناء فرضيات منطقية حول القضية المعنية.

وهنا نطلق بعض التساؤلات بالمقابل حتى نستطيع الخوض في شرح وتحليل العقلية والثقافة الإسلامية التى تتواجه اليوم بكل قوة مع الحداثة التي وصلت الي أوج قوتها وانتصارها، وأعنى الولايات المتحدة الأمريكية. فهل فعلا الإسلام اليوم يعاني من خلل فكري وأخلاقي تجاه الآخر المختلف؟..وهل منع دخول جنسيات بعض الدول الاسلامية إستثار المسلمين بعد أن شعروا طوال تواجدهم في الغرب أو في مجتمعاتنا بأنهم تلك الأمة التى لا تهزم او التى لا يمكن الدوس على كرامتها؟؟..ولماذا أساسا يغضب العرب والمسلمين وهم ومنذ الولادة وخلال تاريخ 1400 سنة وأكثر من الإسلام مازالوا يكفرون الآخر المختلف بل ويمارسون ماهو ألعن من سياسات ترامب في لعن المختلفين عنهم خمس مرات في اليوم في صلواتهم، ويرفضون حتى السلام عليهم ومشاركتهم الطعام والزواج والفرح، ويطالبون بعودة الخلافة الاسلامية التى تجعلهم مواطنين درجة ثانية وطبعا بعد تخييرهم بين الإسلام او الجزية أو القتال؟؟.

في الواقع، وحتى نفهم مرحلة الصدام الحالي والمتوقع صعوده خلال فترة رئاسة ترامب، علينا أن نفهم اولا أن المرحلة الفكرية التى نعيشها حاليا وبعد انتهاء الحرب الباردة وبعد هيمنة الديمقراطية الليبرالية في الغرب بمقابل هيمنة الإسلام، إن لم يكن سياسيا فبالتأكيد اجتماعيا وقيميا، في الدول المغاربية ودول الشرق الأوسط والخليج العربي وبعد مفاعيل الثورات العربية أو الفوضى الخلاقة المصنوعة أمميا، هي مرحلة صدام الحضارات، وهي تماما ما أشار اليها السيد صامويل هنتنجتون في كتابه “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”. حيث أشار الي أن “صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية وإختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة”. لترتفع حدة المواجهة اليوم بين الإسلام وبين الحداثة الكونية، لا بكونهم متعادلين في القوة العسكرية والسياسية بل في اتخاذهم شكل الهوية وهو الأخطر وخصوصا بالإسلام لما يبنيه داخل العقل المسلم من انتماءات طائفية ومذهبية ونرجسية ودوغمائية تتوحد ضد ما يسميه الإسلام بعدو الله ومحمد والمسلمين. بينما تصبح الهوية الغربية بانتماءاتها المختلفة وانسانيتها المرهفة تلك الضحية التى يجب عليها مواجهة الحق الإلهي القادم من الشرق، وما هذا الإرهاب الإسلامي إلا دليل على هذا الصراع الذي يغذيه الفقه والفتاوي والمؤسسات الدينية المختلفة.

وفي هذا الصدد يقول توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق “طوال حياتي في المناصب العامة راودتني حقيقة واحدة بقوة متنامية ألا وهي أن عدم فهم قوة تأثير المعتقد الديني يعني الفشل في فهم عالمنا الحديث”. فأين وصل الرئيس الأمريكي الجديد في فهم هذا المتقاطعات؟. وهل الحداثة والليبرالية والعلمانية أصبحوا اليوم اللعنة التى صنعت او خلقت العنصرية كما يدعي من يواجه ترامب مثل ما يقولون ان الإسلام السياسي او الارهاب الاسلامي هو اللعنة التي صنعها الإسلام؟.. لنرجع الي الوراء قليلا.. فقد أثار فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بأغلبية أصوات الكلية الانتخابية في الرئاسيات الأمريكية التي جرت يوم 8 نوفمبر الماضي الذهول لدى العديد من الأوساط العالمية، إذ لم تكن النتيجة متوقعة بهذا الشكل نظرا إلى أن معظم التحاليل والتنبؤات أشارت إلى مسار مغاير تماما لما حدث في تلك الليلة. ولكن سرعان ما أدرك الجميع بأنهم باتوا أمام امر واقع اتخذه الشعب الأمريكي بناءا على وعود السيد الرئيس بعودة المجد لأمريكا وتعزيز الهوية الوطنية ومصالح المواطنين، حتى لو اتخذ موقفا شبه سلبي من مبادئ العولمة وحقوق الإنسان وحق التنقل والمواطنة العالمية والتجنيس وهو ما حصل تماما حين اتخذ قراراته الأولي داخل البيت الأبيض. فهل ما فعله ترامب يعتبر خروج على الحداثة، وهل هو عودة إلى ما قبل الحداثة.؟ أم شيء آخر؟.

في الواقع، يعتبر ترامب قمة النضج الحداثي أو ما أسميه الحداثة الجريئة في مواجهة أعدائها. فبعد انتصار ثورة الأنوار وبزوغ العلمانية والليبرالية والرأسمالية تكونت الحضارة بجهود الانسان المنتج والمبدع، ولكن ليس المحارب، إذ لم يواجه الحضارة الغربية ما يهدد كيانها سوى انتكاسات اقتصادية وتحديات النيوليبرالية والصراعات السياسية البسيطة، بمقابل تمدد الإسلام بقوة حتى بنى مرجعيته بالطرف الآخر من العالم بغياب تام للحريات والديمقراطية وحقوق الانسان وهي البيئة التى تصنع الوحوش السياسية والدينية بالإضافة الي استمرار هيمنة العقلية القبلية والسلطة الأبوية والتقاليد الاجتماعية الرجعية. ونظرا لكون الاسلام عقيدة ومشروع مبنيين على عداء المختلف وضرورة أسلمة العالم، فقد شكلت الحداثة، بما انها الإنسانية الكونية، ذلك العدو الخطير الذي يجب تشويهه أولا وايقاف تمدده ثانيا ثم القضاء على تمظهراته ثالثا. وهو ما لم يعد أمرا مخفيا لدي دوائر التحليلات الغربية وكبار القادة السياسيين.

ولهذا كان ضمن خطاب الرئيس ترامب بعد اداء اليمين، وضع مكافحة الإرهاب الاسلامي في صلب سياسته الخارجية، حيث تعهد بالعمل مع حلفاء بلاده للقضاء على تهديدات الارهابيين. وقد أكد بعد تنصيبه رسمياً أنه ينوي تعزيز التحالفات القديمة وتشكيل تحالفات جديدة وتوحيد العالم المتحضر ضد الارهاب الاسلامي الذي سيزيله تماما من على وجه الارض كما قال وكما يتمنى كل انسان يعشق الحياة ويتمنى السلام والتعايش.

ولكن هل سيكون طريق ترامب مفروشا بالورود والتصفيق والمباركة؟. بالطبع لن يكون كذلك. فقد واجه عدة تحديات منها اشتعال المظاهرات في عدة ولايات. ومنها رفض القاضية الفيدرالية “آن دونيلى”، التى أصدرت أوامرها للسلطات الأمريكية بعدم ترحيل أى من رعايا الدول السبع المشمولة بالحظر الرئاسى، كما ايضا أدانت العديد من المنظمات والدول قرار الرئيس ترامب. ولكن ماهو غائب عن العقل المسلم وكثير من المنظمات الحقوقية وخصوصا العربية والاسلامية ان تلك

القرارات التى أصدرها ترامب لم تكن وليدة اللحظة بل هي اساسا قرارات ادارة اوباما السابقة التي حددت الدول السبعة في قرار تنفيذي صدر عام 2015 تحت أسم “قانون منع سفر الارهابي” وأطلقت على الدول السبعة ب “دول المخاوف أو القلق”. ولهذا فإن كل ما فعله ترامب هو تنفيذ القانون وتوقيعه.

في الواقع، فإن آلية العمل الرئاسي الأمريكي وغناه الحداثي، لا تنبع من التوافق كما نتعايش نحن مع الإسلام حيث نرى الحاكم الواحد والرئيس الواحد والكاهن الواحد والدين الواحد ليخلق هذا النمط من السلوك أدلجة وقولبة اقرب الي العبيد منها الي التنوع والثراء. بل تتمايز الحداثة الغربية بكونها سلسلة من القرارات والإجراءات التى تمر في اقنية دبلوماسية واجتماعية وقانونية تعالج نفسها وتتغير وتتبدل الي أن تصل الى مداها السياسي ليتم اتخاذ القرارات التى تهم مصلحة الغالبية بعد إعطاء الأذن لرفضها او حتى معارضتها سياسيا. وهنا علينا أن نعلم ان خروج المظاهرات ما هو الا تعبير لذلك الرفض، وعادة تتم بشكل إعلامي مبالغ فيه من قبل الديمقراطيين وهم الخصم الرئيسي للجمهوريين ليخرج في المظاهرات كل من يكره ويغضب من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وليس فقط المعنيين بالأمر. وهو أمر لم يتعايش معه الإسلام أو يقبله ففتاوي تجريم الخروج على الحاكم يتم تلقينها في التعليم والمعابد والإعلام ليصبح المسلم طائعا خانعا مسحوق الكرامة والحرية والإرادة.

إن الحداثة تحول جذري على كافة المستويات في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ، إنها بنية فكرية كلية، وهذه البنية عندما تلامس بيئة اجتماعية وثقافية اصولية، فإنها تصدمها، وتكتسحها بالتدريج، لأن من طبيعة الحداثة الانتشار والاكتساح، ولأن مكتشفاتها تتطلب جغرافيا وتداول وأسواق، وهذا الاختيار يتم في الغالب عن طريق الإنتخاب الطبيعي وبقاء الأقوى والأصلح، كما حدث مع الاستعمار سابقا والعولمة حاليا، فبالتأكيد يعتبر امتداد الإسلام في الغرب ووضوح معاداته للحداثة دليل او نضج المواجهة المقبلة. إذن، على المستوى

التصادمي يصبح الصراع حتميا وموضوعيا بين الحداثة والإسلام، ولا يستطيع أي أحد أن ينزع شوكته، فالإسلام دخل في صراع مع الحداثة بمستويات ودرجات مختلفة في الجانب الفكري أكثر منه في الجانب التكنولوجي بعد أن رفض المصالحة مع التطور والإصلاح او العودة الي اسلام المعبد.

أخيرا ، حين تمنع الفن والموسيقي والغناء والإختلاط والحريات والديمقراطية تحت حجة الحرام والتغريب والزندقة ، فإنك بالمقابل تخلق وحوشا بشرية، وحين تجعل من الدين قانونا وتشريعا وأحكاما وسياسة، فإنك تخلط الوحشية بالعدائية والتدمير والقوة والقهر.. وهنا نحن، لا محالة، أمام تحديات جديدة لن يكون فيها ترامب سوى البطل الذي يجب عليه بالضرورة مواجهة أعداء الحداثة.

3 تعليقات

  1. لم نمنع أحد من دخول مكة الله من منعهم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ
    واللوحة على خط سريع كما تفضلت ولا أحد يسألك هل أنت مسلم أو غير مسلم وأنت ماشي 120 كلم متجاوز اللوحة

    • 1. الآية تتحدث عن مشركين ذلك الزمان، لأنهم كانوا “رجس” وينبغي لأي رجس أن يتم طرده.

      2. إذا وقفك الشرطي بعد اللوحة بقليل عند التفتيش وظهر من هويتك انك غير مسلم، هل يسمح لك بالدخول؟ طبعا لا.
      إذا القانون لا يسمح، واعتراضك غير صحيح.

  2. أعتقد أن الإسلام بسعته وبسماحته وبقدرته على التواصل والانفتاح باستطاعته مسايرة الحداثة شريطة اجتهاد المسلمين من أجل إبراز كل الجوانب المشرقة التي لها علاقة بجوهر الإنسانية وحقوقهابغض الطرف عن جنسية هذا أو ذاك.

اترك رد