المعنى بين الاستفهام والإثبات – ج١

 
المعنى بين الاستفهام والإثبات - ج١

من عيون القصائد التي ترسخ فى الاذهان وتترك دوياً في الآذان تلك التي صدح بها أبو المستهل الكُمَيت بن زيد الأسدي في مدح آل بيت النبي -عليه وعلى آله افضل الصلاة والتسليم- والتي بنيت على الصدق والمحبة والموالاة فجاءت ابياتُها نسيجاً رائعاً يليق بهم فيقول فيها.

طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ … ولاَ لَعِبَاً مني وذُو الشَّيبِ يَلعَبُ
ولــم يُلْهِـنِي دارٌ ولا رَسـمُ مَـنـزِلٍ … ولم يَتَطَرَّبْنِي بَنانٌ مُخَضَّبُ
وَلاَ أنَــا مِمَّـن يَـزجـرُ الطَّـيرُ هَمُّهُ … أصَاحَ غُرَابٌ أم تَعَرَّضَ ثَعلَبُ
ولا السَّانِحَاتُ البَارِحَاتُ عَشِيَّةً … أمَرَّ سَلِيمُ القَرنِ أم مَرَّ أَعضَبُ
وَلكِن إِلى أهلِ الفَضَائِلِ والنُّهَى … وَخَيرِ بَنِي حَوَّاءَ والخَيرُ يُطلَبُ
إلى النَّفَرِ البيضِ الذِينَ بِحُبِّهم … إلى الله فِيمَا نَابَنِي أتَقَرَّبُ
بَنِي هَاشِمٍ رَهطِ النَّبِيِّ فإنَّنِي … بِهِم ولَهُم أَرضَى مِرَاراً وأغضَبُ

غير ان مطلع هذا الابيات وبرغم جماله الا انه ينطوي على بهمة في الفهم وحيرة في الادراك والسؤال هو: ماذا اراد الكُميت ان يقوله في قوله (وذو الشيب يلعب) فهي تتعدى الى معنيين أو اكثر، وقد ذهب معظم الشراح في طريقين للشرح والتوضيح في تفسير هذا المطلع الذي لم يخلُ من آيات الجمال وحسن الاستهلال كما لم يخلُ من العفوية والانطباع الذي زاد المطلع حسناً الى حسنه وجمالاً الى جماله ناهيك عن وقعه واِثره في القلب لحسن القصيد ومكانة والمقصود
والأمران أو الشرحان الباديان اللذان ذهب اليهما الشراح والمفسرون في هذا المطلع هما:
إما أن يُقرأ البيت بالإستفهام فنقول:
طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ … ولاَ لَعِبَاً مني، وذُو الشَّيبِ يَلعَبُ؟ اي: وهل يلعب ذو الشيب؟
فَيُطوى المعنى على نفي حالة اللعب لذي الشيب واستبعادها، وهل من لعب لرجل بعد ان اعتراه الشيب والوقار وحال به العمر الى الركوز والاستقرار فيكون استفهاما نافيا وقد وردت هذه الصيغة في القرآن الكريم وفي كلام العرب.
اما في القرآن الكريم فقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه؟ ومعنى الآية هو (لا أحدَ يشفع عنده إلاّ بإذنه) كذلك قوله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ومعنى الآية هو (لا جزاء للإحسان سوى الإحسان)، وأما في في كلام العرب قول الفرزدق:
أينَ الّذِينَ بِهمْ تُسَامي دارماً … أمْ مَنّ إلى سَلَفَيْ طُهَيّةَ تَجعَلُ
(اي لم يبق أحد من الذين تُسامى بهم دارماً)
كذلك قول بشار بن برد:
متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه …إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدم
(اي لن يبلغ البنيان تمامه)

واما ان يقرأ بالتقرير والإثبات فنقول: طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ … ولاَ لَعِبَاً مني، وذُو الشَّيبِ يَلعَبُ. اي اقراراً منه ان ذا الشيب يلعب
فيكون المعنى ان ذا الشيب وان بلغ به العمر مبالغه فهو لعوب طروب خفيف الروح أخضر القلب وهذا المعنى وان كان فيه بعض الكراهة لتعارض الشيب واللعب الا انه مذهب ذهب اليه بعضهم وهو جائز ووارد وفيه نوع من المبالغة الجميلة والمحمودة

ولكن، هل هناك تأويل آخر لهذا البيت؟ إن تمعنا في المعنى وتقصينا ما خفي بين طيات المفردات وخبايا الكلمات اهتدينا الى معنى آخر لم يَبُنْ كما بانَ في القولين السابقين وهو:
طَرِبتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطرَبُ … ولاَ لَعِبَاً مني (بالرغم من أن) ذُو الشَّيبِ يَلعَبُ
فيكون المعنى انه : وبالرغم من ان ذا الشيب يلعب في بعض احايينه لا يمنعه لعبَه ذاك كبَرُه وشيبتُه، إلا ان ذلك لم يكن غايتي في طربي الذي انا فيه فالمقصد اكبر والغاية اسمى وهذا من التنبيه الجميل في الاستهلال للتنبيه الى عظمة وأهمية ما سيقال بعده، ولعل ما يرجح هذا التأويل ان المعنى يأخذ بُعداً جميلاً وجديداً سيما اذا علمنا ان الشاعر قد نظم هذه القصيدة -على اغلب الروايات- وهو ابن ست وعشرين فهو لم يبلغ عمر المشيب بعد بل هو في زهو الشباب والفتوة وانما قال ذلك على سبيل المثل ومقصد الحكمة.
ولعل كثرة التأويل والشرح وتَحُملِ الكلام معنيين أو اكثر يزيد من جماله سيما اذا لم يكن احد المعاني مخالف ومتضاد مع الآخر، وتأتي هكذا انواع من الشعر إما بتقصد مسبق من الشاعر في تحميل الكلام معنيين او اكثر او يأتي عفواً دون قصد أو تعمد فيكون الكلام اجمل واسلس واقرب للنفس كما جاء في مطلع قصيدة الكميت هذه.
ومما يذكر في هذا الباب ومثال على ذلك ما جاء في بيت المتنبي والذي احتمل معنيين في تأويل (ما):
الحُبُّ ما مَنَعَ الكَلامَ الألْسُنَا وألَذُّ شَكْوَى عاشِقٍ ما أعْلَنَا
فيحتمل المعنى ان يكون: الحب لم يمنع الالسنَ من الكلام.
أما المعنى الآخر فهو: الحب هو الذي يمنع الالسنَ من الكلام.
ولعل الباحث المتقصي لهكذا انواع من الدلالات والمعاني سيجد الكثير منها في كلام العرب سيما في الشعر.

لا تعليقات

اترك رد