قراءة في تجربة النحات عامر خليل

 

الحلم يتراص بإعادة التخليق وإعادة التشيء ونزع أغلفة الكينونة وإلباسها بأغلفة جديدة قد تتخذ ذات الشكل للكائن، لذا ما على الحطاب (النحات)

إلا أن يفجر نواة أشيائه ليعيد رحلة الخلق ويثوٍر كينوناته لتتشظى أحلاما رمادية قد تبدو للوهلة الأولى، ولكن ما أن تنظر بنظرات عميقة تكتشف عوالم ومخابئ الكائن المخلَق برؤية ناصعة كما خلقها الحطاب وأراد لها أن تكون بشيئيتها وماهيتها التي خطط لها ومارس سحره وشعوذته (أدواته النحتية) لتماثل النوع أو تتوازى معه وفي كل الأحوال لا تشكل تضادا مع الحلم الذي أراد أن يحلمه بعد أن ابتلع دخان علبا من سجائره وأكوابا من القهوة البرازيلية المغشوشة وترك أطباق طعامه تتراكم عليها موجات الذباب وبقايا الطعام .

الحلم واليقظة شيئان لا يتضادان في ذاكرة النحات عامر خليل , والآدمية بالنسبة له أنف طويل ممتد إلى ما لا نهاية كامتداد جذع الأبنوس لا يعرف نهاية جذوره والى أي عمق انتهت والى أية جهة تفرعت واتجهت إلى الشرق أم الغرب؟ أم انطوت وغارت بذاكرة عامر خليل و لفنهِ لينحدر إلى ما أنحدر أقوامه وشعوبه التي تناثرت أشلائهم ونعلهم السومرية فوق الاهوار؟ أو محاذاة البطحاء؟ أو تحت فيافي سومر؟ أو تحت سقوف الجينكو لسوق الشيوخ؟ أو خبأته قرَويةِ تحت عباءتها جاءت لتفترش الأرض لتبيع القيمر للذاهبين إلى الموت أو الهاربين منه .

أعمال عامر خليل وخاصة الوجوه السومرية تتميز كما جسدها بشفاه تتدلى كما يتدلى الرطب أواخر أيلول ويتدلى أكثر كلما هبتْ نسائمُ الخريفَ لتبحث عن رجولةٍ مسمرةٍ حَفها لهيبُ الصيف القائض لكي يٌقبلٌها قبلة المهزوم والمنكسر بفعلِ الحروب والثورات وهشيم الدفوف والصنادل ..

تتدلى الشفةُ السفلى وتزم العليا على الأسنان المصطكة بفعل موجة بردْ هبتْ من الشرق لتصفع مياه هور الحويزة وتصطك أسنان الاهوارين (نسبة إلى الاهوار) .

عامر خليل لم يمارس العريَ على منحوتاته أو حطبه , فلم يكشف عن لٌحا أحطابه بل كشف عن الجلد الأول للجذع وترك اللٌحا مستورةَ ولم يمارس عليها لعبة الكشف فربما لا يجيد ذلك خوفا من سياط الآلهة , بل تعمق إلى إبراز خطوط الخشب في بعض أعماله (صورة رقم 1) وتركها على استقامتها وامتدادها بل برزها أكثر قد تأخذ لوناَ أشد بياضاَ من ساق الخشب لتفعل فعلتها بتجذرها وانفتاحها دائما للأسفل , أي يحاول أن يَغور في متاهة الحلم السومري أو يحاول أن يحاكي شعب سومر أو ربما يحاول أن يوجه لهم نداءَ أو خطاباَ ما أو ربما رسالة وجع من الحاضر إلى سفر سومر الغابر فشكلَ لخطابه وامتداد خطوط جذوعه زوايا حادة طويلة ممتدة بامتداد الخطوط للوجنتين والفكين والعنق والرأس , أي أراد عامر خليل أن يدق الآسفين أوان يضع إسفينا أو بساميرا ليدقها على نعش سومر ومارس القسوة أكثر ليشكل رأسا معمما بهيئة قبضة سيف آشوري ووجه سومري حاد الزوايا ليصنع منه نصلا لمقبض سيفه الآشوري ليغرزه في البياض ليمارس لعبة الرجولة المفترضة التي تحمل سيفا في الحلم لتغرزه في اليقظة لكي لا تترك أثرا للجرم أو لفعل الرجولة التي إكتوت بسموم ريح صيف ذي قار ورطوبة هور الحمار .

في العمل الثاني صورة رقم (2) إستمر النحات في لعبة هياكل الأجساد المكبلًة بفعل الاستلاب والقهر والتي توحي إلى الظلم الأبدي, فترك ضحيته الأنثى عارية عن فعل الأنوثة لم تفلح بإغوائها لآدم وهو يحط قدميه للوهلة الأولى على ارض سومر وتركها ليمارس نشوة أخرى على هذه الأرض الغريبة , نشوة التكبيل والسادية لكي لا تنفذ من فعل الأنوثة إلى فعل الحياة لكي لا تقول وتطلق صوتها وتانبيها إلى على ما إكترثه قابيل وتربعه على العرش .

لقد جسد النحات صورة المرأة في صورة (رقم 2) امرأة ممشوقة ذات جسدا ابيضا دلالة لعنف الأنوثة ولبراءتها, وتركها بهيئة مصلوبة وبلا رأس وكل هذه إشارات على ممارسات التعنيف التي تمارس على النساء الشرقيات بشكل خاص وتبقى المرأة هي أسيرة الشفقة ورحمة الذكورة الذي يمارس عليها كل أشكال القهر والتركيع والطاعة , والنحات كما يبدو في لوحته جسدها مشدودة اليدين للأعلى أي أراد أن يقول ليس هناك مفر من هذا الجرم إذ لم يكتفي الشرقي بالعزل والتهميش للمرأة بل أرادها أن تقبع تحت رحمته أسيرة ومصلوبة وخانعة لرغباته وشهواته

المقال السابقلذا … أسميتك العزيز
المقال التالىمظاهرات التغير بين (( بوخارست)) وساحة التحرير
رياض الدليمي - العراق - كاتب واعلامي - ماجستير تربية - دكتوراء فخرية- مدرس - الاصدارات- مجموعة شعرية بعنوان تسلقي عروش الياسمين- مجموعة قصصية بعنوان - غبار العزلة- مجموعة شعرية مشتركة بعنوان - غوايات - مجموعة قصصية مشتركة بعنوان - انطلوجيا القصة- كتاب اقتصادي- رئيس سابق لمجلة الان الثقافية- نائب رئي....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar رياض الدليمي

    اتقدم بفائق الشكر والاحترام الى الدكتورة خيرية منصور ولكادر اسرة الصدى نت تمنياتي لكم مزيدا من النجاح

اترك رد