التوجهات الروحية في الفن الإسلامي

 

يحتل الفن جزء هام من المعرفة البشرية بحيث لا يمكن الفصل بين الإنسان والفن ، ويعد الفن من الوسائل المهمة للتعبير عن حاجات الإنسان واهتماماته الروحية والنفسية ، كما انه يعبر عن غايات جمالية منها ما ترتبط بجمال الحقيقة الإلهية ، المتمثل بالجمال المطلق ، والتي من خلالها يجسد الفن أسمى الغايات عبر التسامي والارتقاء بالواقع المادي والحسي ، إلى ما هو روحي ، ويتم ذلك عبر البصيرة النافذة للفنان والغور في أعماق ذلك الواقع للكشف عن ماهيات الأشياء وجوهرها الحقيقي . ويعد الفن الإسلامي ثمرة فنون العالم القديم ، ووليد رؤية إلى الوجود والكون والحقيقة ، والتي تعتبر جزء من رؤية إسلامية اشمل وأكمل ، والتي بدورها تعد أنموذجا خاصا ومتميزا تتمثل بالرؤية الدينية ، رؤية الإنسان الأكمل للوجود ، والتي ينبعث منها وعي بالقدسية والمعنى .

فالإسلام كمعتقد ديني له تقاليده ومعالمه التي لها الفضل في خلق الفن الإسلامي ، لما له من أبعاد وجوانب وتوجهات روحية تتعالى نحو عالم الحق ، الأمر الذي جعل من الفنان المسلم ان يخلق نتاجات تتوسم تلك التوجهات ، وتطفح بالروحي الذي يتسامى تمظهرات عالم الحس ، وبعيدا عن محاكاة مباشرة للواقع ، وبالتالي فالعقيدة الدينية ألزمت في روحية الإنسان (الفنان) تحوير الواقع بكل معالمه والابتعاد عن التشبيه بالشيء ، والأخذ بالتجريد وصولا إلى ماهية أشياء الواقع وغاياتها .

ان الارتقاء بالعالم المادي إنما يتم من خلال تجربة روحية متعالية ، تتمثل بتجربة الذات الإنسانية عبر مجاهدات روحية ، وذوقية من خلال استبصار ما وراء عالم الواقع من جهة ، والوصول إلى الحقيقة الكامنة خلف ذلك الواقع من جهة أخرى ، الذي يفضي إلى الوصول إلى الذات الإلهية والتماهي فيها . وغالباً ما ترتبط التجربة الروحية للفنان بالمعتقدات الدينية (الطقوس والعبادات) ؛ بوصف ان هذه المعتقدات لها غايات لا متناهية ومطلقة ، بعيدة عن الحدود الزمكانية للعالم المتناهي والمادي الزائل ، فيعمل الفنان بذلك من خلال رؤيته الباطنية الروحية إلى تجسيد موضوعه ، للوصول إلى تلك الغايات ، فالحاجة الكلية للفن هي حاجة الإنسان العقلية ليرفع العالم الباطني والخارجي إلى وعيه الروحي في شيء يتبين فيه نفسه من جديد .

ويمثل الفن الإسلامي كل ما هو روحي ، فهو ثمرة الرؤية الروحية للعالم والوجود والحقيقة ، إذ يعبر عن الفكرة المطلقة التي تعد محور الكون ، وبذلك يعبر عن الجمال اللامتناهي والمطلق ، الذي هو أصل الموجودات ومصدرها ، فالفنان المسلم يسعى إلى المعاني الكامنة وراء الأشياء حيث المعنى الإلهي ، لذلك فان هدف الفنان من الفن ليس غرضاً نفعياً مادياً وإنما ممارسة الكشف ؛ الامر الذي سمح الى تبلور فكرة التجريد لدى الفنان المسلم ، كما في فن الرقش على سبيل المثال وليس الحصر، إذ ترتقي فيه الأشكال فوق ما هو حسي من خلال التكرار والتتابع والتنوع والحركة .

ومما لا شك فيه أن الفن الإسلامي تعددت أساليبه وتقنياته ، وغدت نتاجاته تتوسم كل ما هو تجريدي خالص تتجاوز المحاكاتية التسجيلية ، إذ تعد ذات محمولات بضرورة داخلية وطاقة روحية ترتبط بمرجعيات وتأثيرات دينية وتوجهات إسلامية ، والتي تشكل حيزاً من خبرة الفنان المسلم بتشظياتها الروحية وانعكاساتها على مكونات وموضوعات سطحه التصويري ، وهي مكونات وموضوعات تبحث في الماهيات وتتجاوز الحيثيات والمسميات التسجيلية إلى ما ورائها والوصول إلى خطاب بصري جمالي يتسم باللامحدود من خلال تجاوز شيئيته الضيقة ؛ بوصف ان هذا الفن ليس مرآة تعكس العالم المرئي ، بل يحكمه منطق تشكيلي داخلي وتنظيم دقيق ، وبهذا اكتشف الفنان المسلم المبدأ الجمالي الخاص ، الذي يتجاوز به مظاهر العالم المرئي ، واتخذت فيه الأشكال مواضعها تبعاً لمسوغات الجمال الحسي والروحي الخالص ، وليس تبعاً لمسوغات المحاكاة الطبيعية .

إن الفنان المسلم تنوع في اشتغالاته الفنية التي تتوسم البعد الروحي والوجداني فكانت نتاجاته تتجسد في العمارة وفن النحت والتصوير وفن الخزف والخط العربي والحفر وفن الرقش العربي ، اذ أبدع الفنان المسلم جمالية روحية ، من خلال الزخارف المتنوعة (الهندسية والنباتية) والرقش العربي (الارابسك Arabesque) والفنان يبحث عن مدلولات روحية تتجلى في إشارة أو رمز ، بعيداً عن التشبيه بالواقع ؛ بوصف إن الفن الإسلامي ليس فناً واقعياً ، وليس فناً فوق الواقع وليس هو فن ما بعد الواقع بل هو فن حدسي يلتقي في منطلقه مع منطلق الفن المبدع ، حيث يشترك العقل ممتزجاً بالعاطفة دون أن يتاح لواحد منهما أن يستقل في انفعاله ، لتكوين عمل واقعي يقوم على المحاكاة والمنطق ، أو لتكوين عمل صوفي يقوم على معاكسة الواقع .

بذلك ان نتاجات الفنان المسلم ومن خلال استخدامه التجريدات الهندسية فإنه يتخذ من المنظور الروحي أساسا لتجربته ، ففي التكوينات الهندسية تصبح الأشكال الواقعية مجردة مطلقة عندما تنقلب إلى أشكال هندسية تتداخل فيما بينها بتناسق وتناسب ووضوح . ان ما يصدر عن الفنان المسلم هو محاولة للتعبير عن الملامح الروحية الكامنة خلف المظاهر، فهو بالتالي لا يجهد نفسه لتشخيص أحداث اليوم .. انه يطمح إلى ما بعد الواقع اليومي إلى تجاوز القدرة البشرية .. لقد هندس تجسيده للشيء فوجد داخل هذا الشكل الهندسي رمزاً للحقيقة الروحية .

إن التشكيل الفني الإسلامي يعتمد على ثلاث ظواهر : الأولى الطريقة الوحدانية في إقامة العلاقات بين الصور ، والثانية تسطيح الشكل ، والثالثة اختزال اللون ، ويتمثل ذلك بصورة جلية في فنون الزخرفة ، حيث يعود إلى مفهوم الروح العام ، أي الروح الإعلائية المتسامية التي تكمن خلف الأشكال .

لذا فان الفنان المسلم يتجه من خلال نظرته الحدسية إلى الكشف عن ما هو جوهري وخالد ، فالعقيدة الروحية والوجدانية للفنان المسلم تتمثل بمبدأين : الأول هو تحرير معالم الواقع وفق أسس التشكيل لدى الفنان ، والثاني هو الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته ؛ بوصف ان الحقيقة التي يبحث عنها الفنان هي ليست الصورة المماثلة والمشابهة للشكل ، وإنما الحقيقة في الشكل المشابه للمعنى الكلي.

لذا فمن حيث المضمون يعد الفن الإسلامي فن الإدراك المتجه إلى العقل ، معتمداً بذلك الرمز أساساً في تشكيل منجزه الفني ، حتى يتحول من وظيفته التزينية إلى وظيفة جمالية روحية إنسانية ذات معنى ومضمون فكري له علاقة وثيقة بالعقيدة والمجتمع ، بغية الوصول إلى الصلة المباشرة بالجمال المطلق والكمال الإلهي ؛ على اعتبار ان الرمز يستبطن العالم الخارجي ويستظهر العالم الداخلي ، وهذا ما دعت إليه العقيدة الإسلامية في الغور من جانب الاستبطان فيما يعطيه الوجود من حقائق تظهر في الأعيان والصور ، فلم يقف المسلم عند التأمل الباطني ، وإنما ذهب إلى الاندماج الحقيقي من خلال تجربته الروحية وتصفية النفس ، فهو يعيش حالة من الوجد يتلاشى فيها باللامتناهي وتذوب أناه في الآخر في عملية تواصل واتصال ، لمعرفة الحقيقة التي تتجلى في المطلق، وهنا يتم قراءة الأشياء قراءة ذوقية استبطانية ، بمعنى معرفة الأشياء من حيث هويتها الباطنة ، وهذا ما يسعى إليه الفنان المسلم في نتاجاته التي تجسد المعنى الباطني والروحي ، ليس تجسيداً لتمظهرات الوجود الحسية .

بهذا إن التجربة الروحية تعد طرحاً لرؤيا فكرية جديدة على العقل الإنساني ، إذ أن هذه التجربة تقوم على نبذ حطام الدنيا وتصفية القلب والتعلّق بالمعبود وتربية الروح والاستغراق والذوبان في الاعتبارات الروحية ، وهذا ما طرحه الفنان المسلم من خلال نتاجاته الفنية التي تعبر عن كل ما هو مثالي بعيداً عن مظاهر الحس الزائل ، فكشف المنجز الفني الإسلامي البحث عن الحقيقة الروحية للوجود ، الأمر الذي سهّل على الفنان المسلم التماهي مع ما هو كلي دون الجزئي ، والأزلي السرمدي دون الزائل الفاني ، وهذا ما قاده بالضرورة إلى الاشتغال على حقائق متعالية ، فاتحاً آفاقاً متّسعة ورحبة باتجاه البحث عن حقائق اقرب منها إلى عالم الروح منها إلى عالم المادة .

لقد امتلك الفن الإسلامي لغة خاصة تتمثل بلغة البحث والتقصي في منظومة القيم التي تتجاوز كل ما هو محدود إلى كل ما هو متسام ؛ بوصفها لغة حافلة بنزعة مفاهيمية وجمالية وروحية ، تنبع من كون العديد من المنجزات البصرية تحمل حضوراً دائماً للمضامين والمعاني ذات العلاقة بين الحق والخلق ، فجاءت الخطابات البصرية الإسلامية رمزية ومتحررة من كل القيود المكانية والزمانية .

المقال السابقعيد الحب
المقال التالىالجزء الأول (نص مفتوح)
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد