ديدنة انتقاد الأفكار

 

من المحاذير التي انتجتها تجارب الشعوب واجتهادات الفلاسفة والمصلحين بشأن السلطة والشعب والتي اتفقوا عليها جميعا ” بأن مَنْ يعتل ِ كرسي الحكم عن طريق الجهلاء يسع َ حتما لتكريس جهلهم بصورةٍ أعمق؛ لأن وعي الجهلاء يهدد سلطته”
وعليه يبذل هكذا نوع من الحكام شتى الجهود للحفاظ على مستوى الضعف والتراجع والجهل، مستعينا بفلاسفة اللعب على أوتار تخلف العقل وتشويه الرؤى، موظفين كل شيء من اجل تحقيق ذلك، وبالتالي يحْرفون تفكير العامّة ويجعلون عقولهم وتفكيرهم منشغلا في انتقاد فكر الآخر واقصاء دينه أومذهبه أو الاستهزاء حتى بملبسه وأسلوب حياته، المهم أن لا يهدد ذلك أمن وسلامة الكرسي أو يكشف الفساد.
إذن الهدف هو العمل على توجيه اهتمامات المجتمع _ لا سيما الجيل الجديد _ بعيدا عن الالتفات الى شؤون الحكم والشؤون السياسية ومراقبة المسؤول، كي يكون المجالُ واسعاً لابتلاع الدولة وخيراتها في غياب أي دور رقابي شعبي أو رسمي يذكر ، من خلال أدلجة تفكير وتوجهات العقل وتعطيله عن التعلم والاجتهاد وإشاعة ثقافة التنابز بين البسطاء ،وهم بالطبع الأكثرية الفعّالة باعتلاء المسؤول لمنصبه في ظل ديمقراطية مشوّوهة .
فبدل أن يمارس المواطن متمثلا بمنظمات المجتمع المدني والنخب الثقافية والرأي العام دوره الرقابي والتقويمي على المسؤول ، بات يغوص في اقصاء الآخر لأسباب غير علمية لا تجدي له نفعا سواء في الدنيا أو الآخره! وأصبحت ظاهرة الانتقاد ديدنا لا بديل عنه شائعا في مواقع التواصل الاجتماعي، ومحورا في المقاهي والمجالس العامة وهو ما يعمق الشرخ الاجتماعي ويؤسس للضغينة بين شرائح المجتمع المختلفة، وتحوّل أسلوب التعامل مع الآخر من أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق، إلى أخٌ لك في التوجّه أو نظيرٌ لك في الانتقاد.
إن هذه الظاهرة التي اصبحت تقليدا شائعا في الشارع أدت إلى إضعاف مراقبة الناس للمسؤول واحساسهم بوضعهم وحالهم الذي تدهور جراء سوء إدارته، كما ألهاهم عن التطلع للّحاق بمجتمعات أكثر تقدما.
كل ذلك لا ينفصل عن التدهور العام في البلاد الذي من نتائجه تفشي الفساد وبيع العباد وتقسيم البلاد، وإعلاء شأن من لا شأن له، وغياب الإجابات الصريحة الشافية عن أسباب كل ذلك، فحين يرد سؤال: من هو الفاسد؟ ومن باع الوطن؟ لا جواب سوى أن كل جريمة تقيد ضد مجهول.
وهذا بالضبط ما تنتجه منظمة التجهيل التي تعمل بطرق مختلفة لخلق جيلٍ مغيّب عن مصالحه ومصالح بلاده الأساسية، طائعا لطبقة سياسية تدور على ارادته في كل انتخابات في إطار مقولة ( الشعوب مصدر السلطات) التي حولتها الأحزاب الحاكمة إلى عنوان للتندر، بعد أن صنعت لها اتباعا على النمط الذي تريد، وهو أمرٌ لا بد أن يجابه بصحوة جماهيرية تعيد الوعي لأجيالٍ أمامها وأمام وطنها تحديات كبرى على الصعيد الداخلي والخارجي، في ظل متغيرات سياسية واجتماعية تشهدها المنطقة والعالم, لكي يكون الناتج فعلا سلطات مصدرها الشعب وليست قوّامة عليه.

لا تعليقات

اترك رد