تغريبة ليبراليو الشرق


 

تشهد المنطقة العربية تنامي تيارات تسمي نفسها “ليبرالية” وهي تيارات ليبرالية في منطقة ﻻ تتوافر فيها ابسط مقومات حياة سياسية اذ ﻻ تسمح بأي نشاط اجتماع سياسي او تنظيم مدني..

ان عدنا لجذور الليبرالية فهي مذهب فكري يدعو للحرية الشخصية، و اﻻقتصادية، والسياسية؛ و تعلي من الحريات الفردية بحيث تكون سلطة المجتمع والدولة علي الفرد محصورة في نطاق ضيق للغاية؛ علي أساس ان الفرد هو غاية المجتمع، وبالتالي فإن راحته ورفاهيته مقدمة علي أي اعتبار آخر و ﻻ ينبغي تقييدها إﻻ بمبرر يستحق.

الليبرالية بهذا المعني هي مذهب ديمقراطي “ديمقراطية ليبرالية”، وبدونها تعود الممارسة الديمقراطية لعهودها الغابرة “ديمقراطية اثينا ومدن روما- قبل الميلاد”.. والتي يتم فيها انتخاب حكومة وتفويضها سلطات مطلقة لتقييد حرية الناخبين “الشعب”.
و فيما تطل ليبرالية العرب/الشرق اخيرا برأسها خجولة وضعيفة؛ يمكن ان توأد في اي لحظة يتحدث العالم عن الـ “نيوليبرالية”، و هذا مصطلح له معنيان اولهما يقصد به الديمقراطية اﻹشتراكية؛ وهي مذهب اليساريين، ويهدف علاوة علي الحرية، يهدف لتحقيق مجتمع الرفاهية و الرعاية و العدالة اﻻجتماعية … و المعني الثاني اطلقه اليسار في هجومه علي الرأسمالية التي يصفونها بالـ “توحش”، و يسخرون به من المجتمع الرأسمالي وتناقضاته و الفروق بين اثريائه القلائل و أغلبية معدميه!.
صحيح ان المنطقة العربية قد شهدت ما يسمي باللحظة الليبرالية وذلك في بواكير نشأة وتبلور الدولة الحديثة /المدنية فيها، كان ذلك تحديدا في مرحلة انسحاب الجيوش و اﻻدارات اﻻستعمارية في الفترة من عشرينيات الي ستينيات القرن الماضي حين بدأت ملامح حياة سياسية برلمانية، وتعدديات حزبية وتنافس برامجي وايدلوجي، وملامح دول مؤسسات لها برلمانات ذات صلاحيات حقيقية في التشريع و مساءلة الحكومة، و هيئات قضائية مستقلة تسري احكامها علي الحاكمين قبل المحكومين، و سلطات تنفيذية تخضع لحكم القانون والدستور؛ و تشرف علي جهاز خدمة مدنية وادارية مهنية غير مسيسة و قوات نظامية و شرطية احترافية غير مسيسة ايضا.. و ما الي ذلك من متطلبات الدولة العصرية و شروطها ..

كان ذلك حينما انتخب المصريون زعيم الوفد “سعد زغلول”، و السوريون هاشم الاتاسي وشكري القوتلي والسودانيون اسماعيل اﻻزهري و الجزائريون احمد بن بلة.. الخ لكن سرعات ما تلاشت تلك “اللحظة الليبرالية” في تجاويف زمن اﻻستبداد واﻻنفراد بسلطة، و عصر دولة الحزب الواحد و حزب الرجل الواحد، هذا فيما لم تعش بعض الدول هذه اللحظة اطلاقا اذ خرجت من عهد اﻻستعمار اﻷجنبي لتدخل مباشرة في عهود الاستبداد الوطني، سواء كان عبر حكم انظمة عسكرية او ملكية مطلقة..
ان محاولة اعادة غرس مبادئ “الليبرالية” في المنطقة العربية، بل وفي كل دول الشرق اﻻوسط بما فيها اسرائيل “التي اطلق الغربيون فرية كونها دولة ديمقراطية في محيط استبدادي؛ ولم نصدق نحن تلك الفرية فقط بل رحنا نروج لها بغباء منقطع النظير”، فالديمقراطية ﻻ تعني سيادة رأي و حكم اﻷغلبية فقط “تلك ديمقراطية اثينا و روما كما تقدم ذكره”؛ و انما تعني قبل ذلك ضمان كل حقوق المواطنة المتساوية للأقليات، وضمان مبادئ حكم القانون، و سيادته علي اقليم الدولة وأجواءها بحيث ينطبق علي كل مقيم وعابر دون تمييز، و كفالة كافة الحقوق و الحريات اﻻنسانية كما تنص عليها العهود والمواثيق الدولية و اﻹقليمية..

ان اعادة غرس “الليبرالية” تعترضه صعوبات جمة؛ أولها ان مفردة ليبرالية نفسها مفردة غريبة علي المنظومة اللغوية السائدة في المنطقة، بل و حتي مقابلها في اللغة العربية “علي سبيل المثال” كحرية و تحرر مثلا ليس لها مدلول ايجابي مطلق، فتطاول امد الاستبداد جعل لتلك المرادفات معني يقترب من السلبي “فوضي وانحلال” اكثر من دﻻلته علي اﻻيجابي،

لذا فان اي محاولة لتسويق المذهب الليبرالي هنا ينبغي ان يضع هذا التحدي نصب عينيه، هذا علاوة علي ان سدنة اﻻستبداد يتربصون بهذا التوجه الدوائر؛ و هم علي استعداد لفعل اي شئ يحول دون نشره، ابتداء من محاربته بالتيارات الرجعية الدينية او العرقية و الطائفية التي تمتلك ميدان الاعلام و التعليم!، و انتهاء بمحاربته باجهزة الدولة المادية و المعنوية “القانون المطوع و المخابرات و الجيوش” و تصرف “تلك الجهات” في هذا الصدد صرف من ﻻ يخشي الفقر!
علي ذلك فان علي دعاة المذهب “الليبرالي” أن يعوا حجم ما يدعون له و اﻻ ستكون محاوﻻتهم مجرد محاوﻻت طفولية تخصم من مستقبل الحرية السياسية الذي يأملون فيه؛ اكثر مما تضيف، وسرعان ما ينصرفوا عن دعوتهم متضجرين من صعوبة “ان لم يقولوا استحالة” ما يدعون له..

لا تعليقات

اترك رد