ترامب وما بعد العولمة!!


 

هل يمكن القول إن اتجاهاً جديداً يشهده العالم اليوم، مضادّاً للعولمة التي كانت انهيار جدار برلين، وفيما بعد انحلال الاتحاد السوفييتي إيذاناً لدخول مرحلتها المتقدّمة؟ وإذا كان مثل هذا الاتجاه الجديد قد ترافق مع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية العام 2008، والتي لا تزال تأثيراتها مستمرّة، فإن واحدة من المفارقات التي أعقبتها، هي أن الصين التي كانت مناهضة للعولمة، إلاّ أنها تمكّنت من التكيّف معها، وأصبحت مستفيدة منها، وهو ما عبّر عنه الزعيم الصيني “شي” في خطابه الأخير في مؤتمر دافوس، في حين أن الغرب ضاق ذرعاً بها، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية.

​وكانت ردود الفعل المناهضة للعولمة مختلفة ومتنوّعة، ابتداءً من الوقوف ضدّالهجرة والمهاجرين، ومروراً بالعودة لمناقشة دور الدولة في الاقتصاد وحرية التجارة والمؤسسات والتحالفات الدولية والتجمعات الاقتصادية، وقد أدى ذلك إلى انعكاسات ليس في أمريكا فحسب، بل في أوروبا، فانسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعد اليمين في النمسا وفرنسا وإيطاليا، وعدد من دول أوروبا، وارتفعت الدعوات إلى تعزيز دور الدولة القومية، والأهم من ذلك هو وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة في أمريكا.

​وإذا كان النقد قد طال العولمة بشكلها القديم حتى من جانب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وأنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، وطالبا بتصحيح مسارها، فإن ترامب بدأ بشن هجوم عليها، وهو ما عبّر عنه في خطابه الأخير الذي طرح فيه حزمة من الآراء تجعلنا نميل إلى – “استراتيجية أمريكية” جديدة للعولمة أو ما بعدها قد توضع موضع التنفيذ؟

​لقد مرّ الطريق إلى العولمة عبر الليبرالية الجديدة الانفتاحية والرأسمالية الريعية التي فرضت الهيمنة على الأسواق المالية العالمية واقتصاديات بلدان كبرى وصغرى، وحوّلتها إلى اقتصاديات ريعية لجني الأرباح بلا حدود، لكن هذه العولمة كان لها مظاهر ارتدادية وعوارض جانبية بعضها خطير، وقادت إلى اشتداد المنافسة بين المنتجات الأمريكية العالية الكلفة، وبين منتجات دول نامية وصاعدة اقتصادياً، وفي مقدمتها الصين، التي تمتاز منتجاتها بكلفة منخفضة، الأمر الذي اضطرّ الشركات الرأسمالية الأمريكية إلى نقل مصانعها خارج أمريكا، لتتمكّن من منافسة الصين، إلاّ أن ذلك أدّى إلى ركود للاقتصاد الأمريكي وشحّ فرص العمل، وتخفيض الأجور وتغيير بعض عقود العمل وشروطه، بزعم قلّة الأرباح.

​ما بعد العولمة أو العولمة من منظور جديد، جاءت على لسان ترامب حين خاطب الأمريكان بشعبوية جديدة في حفل تنصيبه رسمياً رئيساً حين قال: “معاً سنجعل أمريكا قوية، ثرية وفخورة مرّة أخرى، سنحمي حدودنا من الفوضى. الأولوية لشراء المنتجات الأمريكية وتوظيف أمريكيين”، ولم ينسَ أن يقول: “إن أمريكا قدّمت الدعم لجيوش أخرى على حساب الجيش الأمريكي”، كما لم يتورّع من القول: “إن حلف الناتو عفا عليه الزمن”، كما قال: “… سنوحّد العالم المتحضّر ضد التشدّد والإرهاب (الإسلامي)وسنمحوه من على وجه الأرض…”.

​لقد اعتاد الرؤساء الأمريكان على طرح استراتيجياتهم وخطط عملهم في خطابات القسم، فهل يشكّل خطاب القسم الترامبي رؤية جديدة للعولمة أو ما بعدها، لا سيّما بالعودة إلى العزلة الأمريكية التاريخية أو الانعزالية، خصوصاً من خلال السياسة الحمائية التي أعلن عنها لدعم الاقتصاد الأمريكي وذلك من خلال: وقف الهجرة غير الشرعية وإطلاق مشاريع إعادة تأهيل البنى التحتية، وحل مشاكل البطالة، ورفع معدلات النمو، والسؤال ماذا سيتبقى من العولمة؟ بعد توقيع قرار بناء جدار حدودي مع المكسيك، وتوقيع قرار بشأن الهجرة، ومنع مواطني سبع بلدان (إسلامية) من الدخول للولايات المتحدة.

​ثم كيف ستتم مواجهة الصين، العملاق الآسيوي الذي يمثل تحدّياً للولايات المتحدة، ولا سيّما للاقتصاد الأمريكي، حيث المنافسة على أشدّها، ليس من خارج الولايات المتحدة، بل في داخلها؟ ويمكننا إضافة التحدّيات التي ستواجه ترامب من داخل المعسكر الغربي التي يمكن أن تشهد توترات، خصوصاً وأنه اشترط مقابل الحماية تحمّل تكاليفها، وهكذا تراه يتصرّف بعقلية تاجر، لا يسعى إلاّ إلى الربح، ويريد تأمين الأموال من جميع الجهات لدعم اقتصاد بلاده الذي يعاني من أزمة حقيقية، فهو يطالب الخليج بتسديد الفواتير، ويتوعّد أوروبا والمكسيك وكندا، بفرض ضريبة جمركية على منتجاتها، ويلغي اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية، ويضغط على اليابان التي ستكون بين نارين (الصين وأمريكا).

​ويبرّر ترامب الذي يرفع شعار أمريكا أولاً، ذلك بأن هدفه هو إعادة ازدهار أمريكا، فهل سيكون الاقتصاد الأمريكي حتى لو تمكّن من الحصول على دعم وحماية قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية؟ أم أنه سينكفىء إلى الداخل، الأمر الذي سيعني أن الرفاه المنشود لن يكون سهل المنال، لأن النمو الذي سيشهده سيكون محدوداً، كما أن ذلك سيضعف الدور الأمريكي على المستوى العالمي، وقد يقود إلى خلق توازن جديد في إطار تعددية كونية تنهي الهيمنة الأمريكية الأحادية على العلاقات الدولية وتفتح آفاق توازن جديد لما بعد العولمة.

لا تعليقات

اترك رد