رسالة فِي وعَنِ العشق من أسماء غريب إلى فلانتينو دا تيرني


 
الصدى-رسالة فِي وعنِ العشق

بسم الله الرحمن الــرحيم، وبهِ نستعين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. والسلامُ على صاحب الحرف الطيّب الكريم، سيّد العشّاق وشهيدهم المُحبّ الأمين، فلانتينو ابن مدينة تيرني الإيطالية.

أمّا بعد،
إنهُ لمِنْ دواعِي فيوضاتِ العشقِ في هذا اليوم المُباركِ أنْ أكونَ أوّل منْ يكتبُ إليكَ رسالةً أحَدّثُكَ فيهَا عنْ هموم العشق والعشّاق. والأجملُ في هذا كلّهِ يا سيّدي الكريم أنْ أكتبَ لكَ وأنا السيّدةُ القادمةُ مِنَ المغربِ الحبيب، أرضَ الشّمس والكمالات النورانية، والخيرات الجامعة بيْنَ تجليات الحرفِ المحمدي والحرف العيسوي، وبيْنهُما معاً والحرف الموسوي، والمقيمةُ في الوقتِ ذاتهِ على أرضٍ معطاءة طيّبة فوّاحة بأزكى عطور المحبة، هي إيطاليا وطنُكَ الأمّ، ووطنِي الثاني الحبيب، أو بيتِنا الذي مشينا معاً فوق ترابه، وشربنَا من مائه، وأكلنا من خيراته، ونثَرْنَا معاً بين ناسهِ زهور العشقِ كما تَنْثُرُ الغيمةُ الحبلى قطراتِ الغوث والغيثِ فوق قلوب الناسِ العطاشى، والسالكين الحيارى.

وإنّي إذ أكتبُ إليكَ، لا تعنينِي مئاتُ الأعوامِ التي تفصلُ بيننا، لأنّ الزمن في عُرف العارفين لا يعني شيئا، ولا حتّى المكان يا سيّدي، أمَا سمعتَ بمولانَا صاحب العرش المجيد وهو يقول مخاطباً العباد: ((وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ))؟ على هذا فإنّه لا يفصلُ بيني وبينكَ سوى يوم ونصف اليوم. ويا ليتكَ تعلمُ ما الذي حدثَ في هذه المُدّة الوجيزة التي تلتِ استشهادكَ: لقدْ ضلّ الناسُ طريقَ العشقِ، وأصبحوا يظنّون الحُبَّ مُجرّدَ أغنيات وباقات من الورود والزهور، وسهراتٍ رومانسية، أو حتى ليالٍ ماجنة يُباحُ فيهَا كُلّ شيء، ونسوا جميعهم المعنى الحقيقي لذاكَ الحُبِّ الذي استشهدْتَ من أجلهِ. إنّ هؤلاء الناس السائرين فوق سراط الحياة، يعتقدونَ أنّهُم محبّون وعاشقون، أو أنهم على الأقلِّ يبحثونَ عن الفردوس المفقود عبر مايسمونه “عشقا”، إلا أنّهم لا يعلمون إنهم في وسطِ الماء ويبحثون عن البحر. لا يعلمونَ أنّ فردوسهم الحقّ وحبّهم الأسمى يوجدُ على هذه الأرض قبل السماء. لقدْ أصيبوا بالعمى يا فلانتينو، وما أقسى أنْ يكون الإنسانُ أعمى هُنا وهناكَ. نعم، إنّ العمى يعني ألاّ يعرفَ الإنسانُ معنى الحبّ، والناسُ منذ سنين طويلة نسوا الحبّ، ولم يتبقّ لهُم منه سوى القشور والمظاهر الكاذبة الزائفة: ورود حمراء ودببة وردية، وقوارير من العطر، وهواتف ذكية، ومفاتيح سيارات فارهة، إلى ذلك من الماديات التي لا تعدّ ولا تحصى.

أجل يا أخي، هذا هُو الذي حدثَ في غيابكَ، ودعنِي الآن أكفكفْ دمعكَ النقي، وأنفخْ في جسدكَ منْ ضيمي علّكَ تُبعثُ حيّا منْ تراب ظلمات العصور البائدة، وتعيد طرحكَ من جديدٍ عبر حرفِي وبوحِي لسؤالِ العشق الأكبر في زمن الجهل الرقميّ، والعبودية المغلفة بأقنعة التقدم العلميّ، وزمن الحريّات السياسية وحقوق الإنسان والحيوان المزيفة. فما معنى الحبّ؟ أو ما معنى أن يكونَ الإنسانُ عاشقاً؟

إنّ من أكبر مظاهر شقاءِ الإنسان اليوم، أنّه تحدثَ كثيراً عن العشق، وكتبَ فيهِ بحارا ومحيطات من القصائد والنظريات الفلسفية واللاهوتية، ورتّل الآلاف من الأناشيد الدينية، وغيرها من تلكَ الغارقة في الإباحية والمجون، ومزجَ في كثير من الأحيان بين العشقيات (وأعني قصائد العشق) والخمريات، وبين العُذريات والغُلاميات، إلى غير ذلك من الألوان التي لا حدّ لها ولا حصر في أدبيات وفلسفيات العشق، إلى أن أصبحتْ كلمتَا العشقِ والحُبّ من أكثر الكلمات كذباً وزيفاً في لغة الإنسان. هذا الإنسان الذي لمْ يقُم طيلة حياتهِ سوى بإفسادِ وتلويثِ معنى الحبّ الحقيقي؛ لأنه بدلَ أن يتحمّل المسؤلية كاملةً ويعترفَ بذنبه أمامَ ما اقترفَ من جريمة تزييف معاني الحبّ، أصبحَ يتّهمُ غيرهُ، بلْ أصبحَ يتجرّأ حتى على خالقه مُدّعيا أنَّ الله هو من أراد للكونِ أن يَسيرَ ويُسَيَّرَ بهذه الطريقة.

هكذا أصبحَ الناسُ يبررونَ فسادَ الحبّ اليوم. لا ياسادتي، لا شيء ممّا صنع ملكُ الملك والملكوت فاسد، كلّ خَلقِه عسل مصفى وحليبٌ كوثري نقيّ زلال، أنتم فقط أيّها الناس من حوّل عسل الله إلى سُمّ زعاف. نعم أنتُم وكثيرٌ منكم، رجالُ دينٍ وسياسةٍ واقتصادٍ وعلم وتنظيرٍ. لأنكم أنتُم جميعاً اليوم أصبحتم ثمرة بذرة سامّة زرعَها منذُ الأزل رجالٌ سهروا وحرصوا على تَوارُث ثقافة مزيّفة قائمة على الكذب والتناقضِ والبؤس. لذا فماذا تنتظرونَ سوى أنْ يكون إنسانُ العصر مثلكم؛ شجرةً لا تطرحُ إلاّ ثمار الحقد والكراهية والعنفِ والحروبِ. لأنّه بدل أن يكون إنسانَ حُبّ، أصبحَ إنسان “دين” و”علم” و”ثقافة” و”حضارة”.

أعلمُ يا صاحبِي فلانتينو أنّكَ تفهمُ للعمق ما أقولُ، لكنّ القارئ قد يستغربُ هذا الموقف ولربما يجدُه مدعاة للضحك، لأنه لا يمكنه أن يتصور الحبّ بعيدا عن الدين وعن البعض من رجاله، ولا عن الحضارة، والتقنية والعلوم. فما رأيك أنْ تخبرهُ أنتَ وتقول لهُ أنه أصبح مصابا بأمراض خطيرة تراكمتْ فيه منذ آلاف السنين. لا، بل ما رأيكَ أن تقول له إنه أصبح متعفّنا وهو يمتدح صباح مساء وعبر كل الوسائل المتاحة ثقافته ودياناته وعلومه؟ وإنّي معكَ في رأيكَ يا سيدي، لكن دعْنِي أسأل القارئ الآن قائلة: إذا كنتَ مقتنعا بكل هذه الفتوحات العظيمة التي حققتَها في حياتك المعاصرة عبر مختلف النظريات الدينية والعلوم التقنية، فما هو سبب مانراه لليوم يا ترى من الحروبِ والتطاحنات القاتلة؟ ألا ترى معي أن الدين والعلم فشلا معا فشلا ذريعا في إنقاذ الإنسان مما هو فيه؟ ثمّ ألا ترى أيضا أنّ الإنسانَ خاطئٌ بسببِ ما توارثه من ثقافات ومعتقدات نخرة لم تمكنه لليومِ من أن يمتلئ بالحبّ، بل ثمة مِن بني جنسه من يرى أنّ الحبّ جهاد وحور عين يَقتُل ويَنسفُ لأجلهنّ كلّ من حوله من مخلوقات صباح مساء؟ فقل لي بالله عليكَ يا أخي فلانتينو، كيف ومتى سيقعُ الإنسان في الحبّ الحقيقي؟ بل متَى سيتدفّقُ نهر الحبّ والعشق في قلبِ كلّ إنسان، حتّى يخرج من هذه الهوة السحيقة من الضياع الأبديّ؟

إنّ الحبَّ يا سادتي، ليس حزاما ناسفا يقودُ إلى الحوريات، ولا قلباً من الشوكولاتة يُشترى، وليس بشيء يمكنُ استجلابه من مكانٍ ما، إنّه طاقةٌ موجودة داخل كل ذرة في ذرات الكون، بما فيها أنت أيّها الإنسان، وهُوَ محتجزٌ بداخلكَ، لكنّكَ لا تراهُ ولا تعرفُ معناه. وأنّى لكَ ذلك وأنتَ تعتقدُ أنّكَ ابن الخطيئة؟ هل يُعقلُ هذا؟ هل يُعْقَلُ أن تكون كلّ ذرية والِدَيْنا حوّاء وآدم عليهما السلام ذرية الخطيئة؟ وهلْ يُعقلُ أن يكون التواصلُ بين الرجل والمرأة عبر رباط المحبة السامية خطيئة؟ أمْ تُراك لا تعلمُ أنّ هذا التواصل يسميه الإنسان منذ الأزل جنساً معتبرا إياه دنسا وأكثر الأشياء حقارة في الوجود؟ لكنّي وصاحبي فلانتينو نسمّيهِ عشقاً. وفلانتينو حينمَا كانَ يجمعُ بيْنَ العُشّاق ويزوّجهم ببركة الربّ، كان يريدُ لكلمة الله أنْ تنتشرَ في زمنٍ كانَ يُحارِبُ فيه الوثنيون المسيحَ ودينَه الجديد. ففلانتينو كان يعرفُ جيّداً أنْ ما من طريقةٍ إلى فتْحِ عينِ القلب كيْ يصلَ الإنسانُ إلى مرحلةِ الكمال سوى بالحبّ والعشقِ عبر السّماح لزهرة الله أن تتفتّحَ داخل الأفئدة ليبلغ الناس أسمى درجاتِ العرفان.

هذا هُو العشقُ الذي كانَ يدعو إليه فلانتينو لا غيرُه، لأنّهُ كانَ يعلمُ أنّهُ هو هذا النّهر العظيم الذي إذا تدفّق من أعلى أعالي الوعْي والإدراكِ الإنسانيَيْنِ فإنه سيجرفُ كل هذه البشاعة التي خلقتْها الآلة والعلوم الزائفة.

تعالوا إذنْ يا أحبّتي لنتعلمْ من الوردةِ العشقَ، فهي لا تعرفُ شيئاً عن الحضاراتِ والخُطب المنمّقة، والنظريّات الفضفاضة، لكنّها تعلمَتْ درسَ العشق جيدا؛ إنّها حينما يُقْبِلُ الرّبيع وتتفتّحُ وسطَ الحقولِ تُعلنُ عن الحبّ كعاطفة جيّاشة متدفقة، وكذا العُصفور وهُو يغرّد فوقَ الشجرة يقومُ بالفعل ذاته، وكذلك الولدُ المراهق، فلمَ كلّ هذا التجاهُل والجحود. وإلى متى ستطول لعبة الغميضة هذه التي لمْ تَقُدِ الإنسانَ سوى إلى الجحيم.

إنّ العشقَ أمرٌ إلهي، لذا على كلّ رجلٍ أنْ يشعُر وهُو يقتربُ من زوجته بأنّه في معبدٍ، لا أنّها عبدة أو أمة عنده، يستهلكها ثم يرميها ولا يعود إليها إلا عند حاجته “الجنسية”، وكذا الزوجة تجاهَ حبيبها، عليها هي الأخرى أن تمتلئ بالاحترام وتُحِسّ بالقداسة كما لو أنّها في حضرة الله، إذْ في لحظات الحميمية هذه يتجلى الله، وفيهَا وفي كثير من الأحيان تبدأُ عمليّة الخلق والإبداعِ عبر ظُهور أحباب الله وعبورهِم أجنّةً إلى أرحام الأمّهاتِ، وما الشّعور باللذة والنشوة في كلّ هذا، إلا لحظة من لحظاتِ الإنسان الأكثر قدسيّة، أيْ تلكَ التي تجعلُه أكثر وعيا بالمعنى الحقيقي للعشق ومعنى الإنسان الكاملِ. ذاك العشقُ الذي ناديتَ بهِ قبلي يا صاحبي فلانتينو، وأنادي بهِ اليومَ من بعدكَ. وهُو العشقُ الذي يفتقدُهُ الناسُ اليومَ، لأن قلوبَ مُعظمهمْ خلتْ من اسم الله، وذِكرِه وحرفِه، فأفسَحوا بذلك الطريقَ لإبليس عدوَّهم الأكبر وجعلوه يتجلّى بقوة عبْر قسمه الأزلي حينما قال: (((فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين)).

فيا أحبّتي الكرام الأفاضل، ليسَ لنا سوى أن نعود إلى منبع الحبّ الأصيل، وليُحبَّ بعضنا بعضاً، لأنّ المحبّةَ من الله، وكلّ مُحبٍّ هو مولود وعارف بالله. ومَن لا يحبُّ لا يعرفُ الله. ولا تكذبوا في الحبّ أبدا، لأنّ الذي يكذبُ على الناس في الحُبّ وهُو يراهم ويعرفهم، لا يمكنُه أبدا أنْ يصدُق في حبّه لله وهو لا يعرف من هُو، ولا كيف ولا أين هو؟

فيا إلهِي وإله شفيع المُحبّين ومثال المحبّة أخي فلانتينو، ويا إلهَ الناس أجمعين ازرع في قلوبنا وردة المحبّة والسلام، وهبْ لنا كمالَ الانقطاع إليك وأنرْ أبصار قلوبنا بضياءِ نظرها إليك حتى تخرقَ أبصارُ القلوب حجب النور فتصلَ إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك. وعلّمنا يا مليكنا ومولانا وسيّدنا وسيد الناس كافةّ كيف يكونُ العشق عطاءً وبذلا للذات، لا كلاماً تذروه الرياح. علّنا نتقدّمُ في مسيرة حياتنا على خطى أنبيائكَ الطاهرين وأوليائك المباركين. حتّى إذا بلغنا الحياةَ الأبديَّة مجّدنا معكَ كلمتَكَ الحق وروحَك القُدُس إلى أبد الآبدين. رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.

1 تعليقك

  1. الأديبة المبدعة ، الشاعرة والمترجمة د. أسماء غر يب، نصُّكِ هذا يا صديقتي يرتقي إلى مصاف الآداب الراقية في ابتهالات بوح المحبة والعشق والتواصل مع الإنسلان، إنسان الحب، والفرح، والوئام مع بهجة الحياة، حيث تصفو الرّوح، وتتسامى عالياً نحو زرقة السّماء، كي تحبُكَ حنين الإنسان إلى نور الحياة على مدى انبعاث ابتهالات وهجِ الرّوح في زمنٍ تتلاطمُ فيه صخب الحروب، وأنت تزدادين سموُّاً وجنوحاً نحو أرقى مرامي الإبداع عبر الكلمة الممراحة، دمت رهيفة الرّوح والتجلّيات العشقية الروحية الشَّامخة نحو لدن السَّماء، المبلّلة بأشهى ابتهالات بوح القصائد!
    \
    صبري يوسف ـ ستوكهولم

اترك رد