الكتلة التاريخية الغائبة!


 

انشغل الكثيرون من المثقفين العراقيين، في السنين الاخيرة بمراجعة تاريخ الدولة العراقية، التي تاسست مطلع العشرينيات، وقد خلص البعض منهم الى ان (دولة) العهد الملكي، مثلت النموذج الافضل، وان سقوطها وضع العراق في مهب الصراعات الداخلية والدولية، بعد ان فقدت الدولة بوصلتها، وسط الايديولوجيات المتناشزة. نستطيع القول ان هذه القراءة، على الرغم من دقتها في جانب معين، لكنها مختزلة وفيها قدر كبير من الرومانسية، فضلا على عدموجود واقع موضوعي يدعمها، لان (دولة) العهد الملكي بكل ما لها وماعليها، فشلت في بناء (كتلة تاريخية)، تصمد ولو لسويعات بوجه التغيير الذي حدث في 14 تموز 1958 وما بعده، مثلما فشلت على مدى اربعة عقود تقريبا، في بناء تنمية شاملة حقيقية تفعّل قدرات الشعب في بناء دولته التي ظل يراها،طيلة تلك السنين، ليست له. بمعنى ان القطيعة بين المواطن والدولة كانت طاغية. وان الفشل في خلق (كتلة تاريخية)، ناتج اساسا عن خلل بنيوي في جسد الدولة تلك، بسبب ضعف العلاقة بين مؤسساتها او تفاعلها مع الشعببما يخلق مصالح بين قطاعات مختلفة تتداخل وتنصهر في مشغل موحد تلتقي عنده قوى سياسية متماثلة في توجهاتها العامة في الاقل، مع قوى ثقافية وصناعية ومنظمات مجتمع مدني وصناعيين وزراعيين، ليشكلوا الكتلة التاريخية المطلوبة، لتعبر عن نفسها بممارسة يومية، حيّة، تكرس وجودها،ومن ثم تدافع عن مصالحها وتقف بوحه التحديات التي تواجهها، بل ان العهد الملكي تكرس على شكل نظام اوليغاريشي معزول عن الشعب ومتعال عليه،مثمثلا بشريحة البرجوازيين وكبار الضباط والموظفين مع اخطبوط الاقطاعية الطفيلية، الذين ذابوا جميعا امام طلائع عاصفة العام 1958 .
لاشك ان المعايير التي تقاس بها الامور الان، تشوبها عاطفة جياشة، هي في الحقيقة نضح واقع عليل اتى على خلفية مراحل من الضغط النفسي الذي تعرض له الفرد العراقي، وصار ينتج ثقافة شوهاء تسعى كنوع من الاشفاق على النفس الى تجميل صور الماضي لتعود الى حضنه التي تتصوره دافئامقارنة بواقعنا البارد المتكلس!

لقد تمخض التغيير الشامل في تموز 1958 عن جنين كتلة تاريخية، كان من الممكن ان تنمو وتتجسد بشكل فاعل على الواقع، لانها تمتلك اسباب التكامل والديمومة، لاسيما في مادتها الاساسية، الجماهير، الاّ ان الخلافات العقائدية الحادة بين قوى مابعد الثورة، والاستقطابات الدولية التي طبعت تلك المرحلة، فتّت هذه الكتلة وعطل فاعليتها، على الرغم من ان عقد السبعينيات شهد محاولة لبنائها، لكن الخلافات بين اقطاب تلك المرحلة حالت دون تكريسها بالشكل المطلوب.

اليوم، يبدو الانقسام واضحا بشان اعادة احياء الكتلة التاريخية، ويتمثل هذا بظهور شريحة من المثقفين الناقمين، ليسوا فقط اولئك الذين يجّملون صورة العهد الملكي من دون ان يقرؤوا اسباب انهياره، وانما ايضا اولئك الذين يمارسون نشاطهم اليومي من دون مشروع ثقافي حقيقي، وسط غياب واضح لمشروع سياسي واضح للدولة، يستوعبهم من خلال مؤسسات. فبات هؤلاء المثقفون لايجيدون سوى الرفض السلبي وهجاء الواقع بطريقة انفعالية تحاكي واقعنا المنقسم عقائديا وثقافيا، بعد ان توزعت البلاد مشاريع سياسية متناشزة بشكل غير مسبوق. حيث تشكلت كتل صغيرة من قوى سياسية احاطت كل واحدة منها بجماعات مؤثرة (لوبيات) اقتصادية طفيلية، سواء في الداخل او تلك التي تعمل في الداخل وتتنافذ مع الخارج سياسيا واقتصاديا، يدعمها مثقفون مجندون لتسويقها من خلال ميديا تمتلك قدرة لاباس بها على التاثير بالراي العام، بالاضافة الى منظمات مجتمع مدني متناغمة معها او تدور في فلكها، وقد ادى ذلك الى ضياع الفرصة في بناء كتلة تاريخية عراقية تعيد التوازن لبلاد، خاضت غمار تجربة قاسية ، كان ينبغي ان توحّد وجهتها باتجاه دولة مدنية تستوعب الاختلافات العقائدية داخل مشروع وطني ينهض بها بدلا من هذه الكتل، النتف، التي باتت تهدد وحدتها، تحت ضغط المصالح الضيقة المتعارضة. منوهين هنا الى ان غياب الطبقة الوسطى مهد الطريق امام هذه الاستقطابات التي اسهمت في صناعتها ظروف متداخلةومعقدة استمرت لاكثر من ثلاثة عقود بسبب الحروب والحصار الاقتصادي.

لاشك ان دور المثقفين سيكون مهما لو توحدت وجهتهم باتجاه بناء هذه الكتلة، لكن كيف يحصل ذلك وهم منقسمون اصلا؟ .. ان نبذ الاسلاميين من قبل العلمانيين يتعارض مع فكرة العلمانية ابتداءا، وان نبذ العلمانيين من قبل الاسلاميين، يتعارض مع طروحاتهم الحالية في بناء دولة للجميع او الدولة المدنية التي يتحدثون عنها، ومن هنا فلابد من التقاء الجميع، او في الاقل الذينيمثلون منهم المنطقة الوسطى بين هذه التجاذبات الحادة، لتشكيل كتلة تاريخية، ستكون حكومة الاغلبية السياسية، ان تحققت في الانتخابات القادمة، نواتها الاولى .. فمن يبدا بذلك وكيف ستكون بداية الانطلاقة؟ … سؤال برسم الاجابة من قبل الجميع !

لا تعليقات

اترك رد