الدولة المؤقتة

 

مرة اخرى تتعكر الاجواء السياسية والشعبية بين العراق والكويت .. وهذه المرة بأزمة تحمل مسمى “خور عبدلله” .. وهنا يجد المتابع للازمات بين العراق والكويت في الاونة الاخيرة ان اغلبها “مائية” وتتحدث عن سلطة كل طرف على الملاحة البحرية بين الجانبين .. وقبل الخوض في واقع هذه المشاكل والازمات والتي باتت تفرض واقعها وبقوة على العراقيين .. علينا اولاً ان نعرف ماهو “خور عبدالله” وماهي اهميته ..

يعرف موقع “ويكيبيديا” الموسوعي “خور عبدالله” بأنه خور يقع شمال الخليج العربي ما بين جزيرتي “بوبيان” و “وربة” الكويتيتان وشبه جزيرة “الفاو” العراقية ويمتد هذا الخور إلى داخل الأراضي العراقية مشكلاً خور “الزبير” الذي يقع به ميناء أم قصر العراقي، كما يقول الموقع: أن الحكومة العراقية قامت عام 2010 بوضع حجر الأساس لبناء ميناء “الفاو الكبير” على الجانب العراقي من الخور فيما بدأت الحكومة الكويتية ببناء ميناء “مبارك الكبير” على الجانب الكويتي في الضفة الغربية لخور “عبدالله”.

بعد هذا التعريف بأهمية وموقع “خور عبدالله” اعتقد ان الرؤيا باتت اكثر وضوحاً حول هذا الموضوع وكيف ان الكويت تعمل جاهدةً على قطع العراق مائياً وجعله بلد من دون اي منفذ بحري وبشكلٍ كامل … وكما يعلم الجميع ان مباشرة الكويت ببناء ميناء مبارك فأنه في الحقيقة سيلغي الاهمية الاقتصادية للموانئ العراقية كلها وسيجعل منها مجرد مقبرة للسفن خاصة وسط تأخر وعرقلة بناء ميناء الفاو الكبير

بسبب كثرة الازمات الحكومية في العراق والواقع الامني المتردي له وسيطرة الفساد المالي والاداري والرشاوى على أغلب المشاريع الستراتيجية فيه وحتى المشاريع الصغيرة بالتالي كانت هناك فرصة حقيقية للكويت باستثمار كل هذه الظروف لمتابعة مسيرة “ميناء مبارك” … خاصة إن ضعف موقف العراق دولياً خلال مدة حكم النظام البائد عقب غزوه الكويت واستغلال الاخيرة للموقف الدولي السلبي تجاه العراق مكنت السياسيين في الكويت من تثبيت هذا المخطط وان يكون “خور عبدالله” خطوة جديدة وانتصار اخر يحققونه تجاه مشروعهم الستراتيجي …

لكن يبقى التساؤل هنا … مااهمية مشروع “ميناء مبارك” بالنسبة للكويت وهل هي فعلاً تحتاج الى انشاء مثل هذا الميناء الذي يستنزف اموالها .. خصوصاً ان علمنا ان اغلب حدودها هي عبارة عن ساحل بحري مريح … اذا ما القصد من وراء انشاء هذا الميناء .. ؟

الكويت تستنزف نفطها بشكل كبير كما هو حال معظم دول الخليج التي تخوض حروبات وتحديات امنية خارجية اضافة الى ماعليها من التزامات دولية لقاء حمايتها من الاعتداءات الخارجية وهو امر أكده الرئيس الامريكي المنتخب دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية .. وهناك بعض الدراسات الغير مؤكدة تقول انه بمجرد رفع الانتاج مليون برميل يومياً … سينقص عدد الاعوام المخصصة لنفاد البترول بحدود الــ 10 اعوام .

وتؤكد الدراسة أيضاً ان البحرين سيكون قريباً بلد مستورد للنفط وسيتبعها عمان ومن ثم قطر .. ومع الزياده بالسكان واحتياج الميزانيات الخليجيه للاموال تشير التوقعات الى ارتفاع عدد البراميل المنتجه ليقل في المقابل عدد السنين بالاحتياطي وسيكون على هذه الدول تنويع مصادر دخلها خلال اقل من 40 عاماً … اذاً ان صحت هذه التوقعات فان بلد مثل الكويت يعتمد في اساس تكوينه على النفط سيكون بحاجة حقيقية الى مصادر اخرى .. والمصدر الشبه مؤكد الذي لديه هو قطع العراق عن البحر نهائياً وان يكون ميناء مبارك هو الوحيد الذي يمكن استئجاره من الكويت او ان يكون شريكاً للصادرات والاستيرادات العراقية مقابل خدمات هذا الميناء .. للحفاظ على ديمومة وستمرارية هذا البلد … ووفق هذه الرؤيا اعتقد ان هذا التخطيط “الساذج” ( إن صح ) فهو في حقيقته لن يصمد طويلاً امام خنق العراقيين بحرياً الامر الذي قد يكون حافزاً جديداً لرفض هذا الاستفزاز البحري مستقبلاً من قبل العراقيين انفسهم .. هذه الرؤيا لواقع التحرك الكويتي تجاه المياه والحدود العراقيتين تبلورت وفرضت نفسها بشكل كبير بعد الاصرار الكويتي على ترسيم الحدود مع العراق بهذ الطريقة وبعد كثرة التصريحات المتشنجة من بعض الاطراف والساسة الكويتيين تجاه العراق وماتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي والجهات الاعلامية بهذا الخصوص لتعبر هذه التصريحات عن عمق المخاوف من مستقبل العلاقة وشكل الحدود بين البلدين … في وقت كانت هناك فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة مع العراقيين وحكومة العراق بعد التخلص من النظام البائد وبما يكفل اعادة العلاقات الثنائية الوطيدة والقديمة الى طبيعتها الحقيقية بين الشعبين .. لكن دائماً للسياسة والسياسيين رأي اخر يبنى على فرض الواقع واستغلال ضعف الاخرين لتحقيق مساعيهم .. لكن الموقف الدولي يبدو مختلفاً من كل هذه التخطيطات والتوقعات فقبل سنوات قليلة وتحديداً عام 2011 شدني تصريح تم الكشف عنه عبر وثائق ” ويكيليكس” للسفيرة الامريكية في الكويت بعد مغادرتها البلاد “من المفترض انها تقول فيها”: ان الكويت لن تبقى لسنة 2020 .. لأن القائمين عليها واعيان البلد مشغولين بنهب ثرواتها كأنها دولة مؤقته .. كما بررت الوثيقة كلام السفيرة بأنه يعود الى ان الكويت تقع بين اقوى دول المنطقة “العراق وإيران والسعودية” وان كل هذه الدول لها مطامع واضحة في الكويت .. وهنا اذكر ماتؤكده الهيئة العامة للإستثمار الكويتية وهي المسؤولة عن إدارة صندوقي الاحتياطي العام ومايعرف بـــ”إحتياطي الأجيال القادمة” من خلال مكتب الاستثمار الكويتي في لندن بأنها تقدر أصول الهيئة من الاستثمارات بما يقارب 70,2 مليار دينار كويتي اي مايعادل (264.4$ مليار دولار) وبذلك فانه هذه الهيئة تعد أحد أكبر صناديق الأستثمار الحكومية في العالم.

الوثيقة السابقة نفسها استشهد بها الفريق “ضاحي خلفان” نائب رئيس شرطة دبي عبر تغريدات على موقعه الشخصي في تويتر نقلتها وكالة (CNN) الاخبارية بتاريخ الثالث من ايلول عام 2014 وعلى موقعها الاخباري حيث قال: إن صحت
الوثيقة وثبت ان الكويت لن تكون موجودة عام 2020 فإن أمريكا تلعب لعبة “قذرة” وتريد نقل الفوضى الخلاقة الى العمق الخليجي، واضاف ان مجرد نشر السفيرة لهذه الإشاعة فإن هدفها هو احداث بلبلة وزعزعة للثقة والأمن معاً وطالب بمذكرات احتجاج تقدم للخارجية الامريكية رداً على هذه التسريبات …

وهنا تبرز تساؤلات عدة وهامة .. منها .. أنه هل يمكن ان تصح تسريبات ويكيليكس وتصريحات السفيرة الامريكية … ام سينجح ميناء مبارك في ان يجعل من العراق دولة مغلقة مائياً .. وكم من الجهد والعمل سيحتاج القلق الكويتي لمجاورة العراق … كل هذه وغيرها من الاسئلة ربما سنجد الاجابة عليها في عام 2020 .. للتبين من صحة هذه الوثائق وحقيقة اطلاقها .. ام ان من اطلقها تعمد ارعاب الكويت وباقي دول الخليج التي لاتزال تنظر الى الامريكان نظرة التلميذ المطيع لاستاذه .

لا تعليقات

اترك رد