التلصصية

 

وهي اكثر الانماط انتشاراً وطبيعية ً،وابتعاداً عن المناطق الايروتيكية في الجسم اذ انها تنبني على مشاهدة الفعل الايروتيكي و التاثر بهذه المشاهدة.وتنبغي الاشارة إلى ان نمط التلصصية رغم انتشاره وعموميته لا يزال غير مفسر علمياً الا بدافع الفضول الانساني الذي يدفع إلى الرغبة في مراقبة الاشياء وملاحظتها. غير ان هذا التفسير لا يبين البعد الايروتيكي للتلصصية، الذي يصل احياناً إلى ان يكون فعلاً جنسياً قائماً بذاته، ونمطاً اوحد عند بعض الناس. لا عجزاً عن غيره من الانماط وانما لتحقق ايروتيكيتهم في هذا النمط حصراً.الامر الذي يبعده عن كونه فضولاً لا سيما مع ثبوت الية الفعل الجنسي المشاهد وتقنياته، اذ ليس هناك من تفسير فعلي للرغبة الملــحة في مشاهده افلام البورنو والتاثر بمعطياتها (إلى حد تغيير السلوك الجنسي وفقاً لها).

ولعل من الطريف هنا ملاحظة اصالة التلصصية في السينما، اذ هي فعل تلصصي اصالةً وينتج لذة مقاربة للّذة التلصص الجنسي فالمشاهد هو متلصص على متلصص، فالمخرج هو متلصص اول والكاميرا هي متلصص ثانٍ فيما المشاهد متلصص ثالث.وهذه الاصالة ليست في بنية العرض فقط انما هي في بنية النص ايضاً كما انها ليست ايروتيكية فحسب انما شاملة إلى حد يجعل مفهوم الايروتيكية موازياً للتلصص السينمائي بعمومه، بغض النظر عن موضوعه وهو ما يعيدنا إلى القول ان ثمة دافعاً غريزياً خفياً وهو الذي يعطي التلصص كل هذه اللذة وينقله من باب سرقة خصوصية الاخر، إلى باب تحقيق لذة الذات وهو ما يسوغه ايروتيكياً حتى على المستوى الاجتماعي فالكل متلصص ومتلصص عليه، والغاية هي تحقيق هذه اللذة الخفية لقد وجدت السينما السائدة في التلصصية بعداً ايروتيكياً ماموناً اخلاقياً فسعت إلى توظيفه في الايهام وهو ما نجده في كثير من افلام هوليوود، وهو ايضاً ما يبدو هوساً اجتماعياً باستعمال المناظير المكبرة لاختراق الاخر ايروتيكياً.

غير ان تطورات الحرية الايروتيكية في الخطاب السينمائي المعاصر لم تلغ هذه الامكانية الايروتيكية وانما جعلتها اكثر صراحةً وتفصيلاً واضفت عليها بعداً جديداً باستخدام التكنولوجيا ولا سيما كاميرات المراقبة التي قامت مقام المناظير وقد بني فلم (سلفر) على هذه التلصصية في تحقيق الايروتيكا والجريمة، كما استخدم الوسيلتين: الكاميرا والمنظار.فيما يمكن عده اعلى مستويات التوظيف السائد لايروتيكية التلصصية.

اما على مستوى الوعي المبدع، فان حقل التلصصية المشاع يجعل من الصعب الافادة منها في انتاج دلالة مغايرة او توظيف غير ايروتيكي، غير ان اسلوب التعبير الفني هو الذي يعطي لهذه الايروتيكية بعداً خلاقاً مغايراً رغم تشابهه دلالياً للنمط السائد.ففي (كازانوفا) فلليني تؤسس التلصصية مصدر القوة الاحتفالية للايروتيكا في المشهد الاول بين كازانوفا والخادمة، الامر الذي يجعلنا نحس ان كازانوفا يحتفل اكراماً للسيد المتلصص من وراء الجدار، وليس لرغبته في الاحتفال. كما ان التلصصية تاخذ شكلاً استعراضياً في مشهد اخر من مشاهد كازانوفا هو مشهد المسايقة الجنسية، حيث يتجمع المشاهدون في اقوى تعبير عرفته السينما الايروتيكيه تمثيلاً لاصالة التلصص في الوعي الايروتيكي. ويقوم (فلليني) بتحية تلصصية السينما، من نظرة ايروتيكية، عندما نشهد مع النظارة في السيرك عرضاً للصور الجنسية.

ويبدو ان احتفاء فلليني بالتلصص في فلم كازانوفا مبني على رغبته ورغبتنا في التماهي مع المتلصص عليه، دون التعرض لما يتعرض له، وهو ما بني عليه المشهد الاول في الفلم، غير ان هذا الاحتفاء يظل اقرب إلى الفرح واحتفالية السيرك منه إلى الغور في تامل الظاهرة وفلليني هنا امين لوعيه المحتفي بالحياة كما هي مهما كانت افعالنا فيها ساخرة او غير معقولة.

وإلى مثل هذه الرؤية ذهب بازوليني في مشاهد من (حكايات كانتربري) بنيت على التلصص اصالةً، ولكن الفرق بينهما ان بازوليني اراد اعطاءها طابع السرية المخترقة تعبيراً عن سرية الفعل وخطورته،ولذا فقد جنح إلى ادائها جزئياً بالتصوير من الشق الذي يتلصص منه المتلصص، ولكنه ايضا لمً يضعها موضع تاملٍ ايروتيكي بل هي اقرب إلىاحتفالية (فلليني) ولكن بالمحرمات البازولينية التي تنتهي بالوشاية والابتزاز والحرق حياً.

ان موضع التامل الوحيد فيما وقع تحت يدي الباحث من افلام كان في فلم اوشيما الموسوم (امبراطورية الحواس)، فمشهد التلصص الاول الذي تقوم به الخادمتان على سيدهما وهو يضاجع زوجته، يؤسس مسار الفلم كله من خلال رفع مستوى الايروتيكي اداءً.لان اوشيما يعطينا لقطة كبيرة لوجه الفتاة في دلالة معبرة عن الشهوانية الخارقة،متجاوزة الفضول الجنسي العابر الذي نراه في وجه الخادمة الاخرى ويصل الامر باوشيما إلى اقصى مدى دلالي عندما تكتشف البطلة ثنائية الموت والجنس التي بني عليها الفلم وعياً، من خلال تلصصها على مضاجعة عشيقها للمغنية العجوز وهي المضاجعة التي اقترحتها هي في ومضة مزاج غريب وبالطرقية ذاتها، أي اللقطة الكبيرة،ينقل اوشيما كل دلالات تلك الثنائية في تعبيرات وجه الفتاة في سعيه المتواصل إلى اثبات خطورة حسيتها وانفرادها الايروتيكي، لان هذه التلصصية لم يكن لها دلالة اكثر من الفضول المتماهي، في مشهد آخر من الفلم عندما يضاجع البطل البطلة امام مجموعة من الفتيات اللواتي يلفتن نظر احداهن إلى التلصص و التماهي، لينتهي المشهد بجنس جماعي فاقد لدلالةٍ اخرى تتجاوز حسيته الايروتيكية.

ان طاقة التلصصية في انتاج الدلالة الايروتيكية التي تبدو قليلة ومحدودة،يمكن ان تنفتح، رغم محدوديتها البصرية، على معانٍ ابعد من سطحها الايروتيكي المباشر ولكن هذه الطاقة تحتاج وعياً مقارباً، فضلاً عن حاجتها المتاصلة إلى توظيف سياقي متامل يدخلها في سيرورة متكاملة مع المغزى العميق للادوات الفلمية ويجعلها تعطي اقصى ما فيها من امكانيات البث الايروتيكي، وهي امكانات لا يمنع شيوعها واتجاهها البصري واعتمادها على التماهي والتخيل والطابع الاستمنائي الكامن فيها، الذي يقربها من افلام البورنو.لا يمنع كل هذا من امكانية انتاجها لدلالات مغايرة وعميقة.

ان سر التلصصية يكمن في اتاحتها فرصة التامل ومراقبة جمالية الفعل الايروتيكي امامنا.وهي فرصة غيرممكنة عندما نكون منشغلين بالفعل الايروتيكي. اذ نكون امام خيار اما ان نتامل واما ان نفعل، ولولا التلصصية المباشرة بصرياً، او التكنولوجيه،حتى على ذواتنا عبراشرطة الفديو، لما امكن لنا ان نتمتع ايروتيكياً بجمالية الفعل الايروتيكي.

وهو ما صار معطىٍ شعبي له دلالته الخطرة كما اوضحها ستيفن سويدنبرغ في فلمه (جنس واكاذيب واشرطة فيديو). غير انه ما زال يمتلك قدرته الشفافه على انتاج جماليته الخاصة رغم انكشاف سرها وابتذال خصوصيتها في هذا السيل العارم من الخطاب الاباحي.
ولعل اجلى مثال على هذه القدرة ما نراه في فلم (خفة الكائن التي لا تحتمل) في مشهد مضاجعة توماس وسابينا في غرفة مليئة بالمرايا، في توظيف بارع للايحاء بحركة الفعل الجنسي عبر حركة الكاميرا على المرايا، ولكن البعد التلصصي، بكل جماليته كامن في هذا المشهد في وعي النص، من خلال سعي البطلين إلى رؤية فعلهما في المرايا،وفي وعي التلقي من خلال ادراكنا للمماهاة المذهلة بين المرايا وما تعكسه في انهما يكشفان لنا بصورة تكاملية فعلاً ايروتيكياً مليئاً بالحياة والاصالة والتحقق.

المقال السابقمقارنة خاسرة
المقال التالىالاستاذ والتلميذ
فراس عبد الجليل الشاروط مخرج من مواليد بغداد 1967*خريج كلية الفنون الجميلة/ بغداد 1996*ماجستير بالإخراج السينمائي عام 2002 عن رسالته (توظيف الوعي الايروتيكي في بنية الفلم الروائي ودلالاته السينمائية).*له تحت الطبع (سينمة النص القرآني).*له مخطوطة: (السينما العراقية: الذاكرة والتاريخ الـ (99) فلماً ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد