العرب والغرب – استمرار إنتاج الهيمنة – ج1


 

لقرب العالم العربي من أوربا نتائج سلبية وإيجابية والتفاعل بينهما ظل مستمراً عبر التاريخ، بالوسائل السلمية وبالحروب أحيانا وقد تحملت الجهة الأضعف تبعات هذا التفاعل ومنذ عقود والمجتمع العربي يدفع ضريبة هذا التفاعل، وأصبح مجالاً لممارسة النفوذ وغير قادر على مواجهة تجاوزات الغرب الأوربي الذي صار يشعر بالأمن والأمان من هجوم الشرق عليه أو تهديده له، بل على العكس صارت كل الدول الغربية تستطيع التعدي والتجاوز على الشرق. وهذا ما يحصل يوميا مند حوالي قرن من الزمن.

أما عن حوار الحضارات وعن التفاعل بينها، فيجب ألا يغيب عن ذهننا أن لغة الحوار، الذي يفرضه الغرب، هي إحاطة واستيعاب ومن ثم تبديد وإفناء الحضارات الأخرى وهي عملية أشبه ما تكون بالغزو الحضاري.. في غياب تام لمساعي حسيسة للتفاهم السلمي وحل المعضلات بشكل ودي، ويستمر الضعف والاندحار سمة واقعنا السياسي والثقافي.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا التعسف الحضاري المستبد: ما مدى قدرتنا نحن كعرب على ضبط مسار آلية الاحتكاك والتفاعل مع الحضارة الغربية بما يخدم مصالحنا وخصوصيات وجودنا ومستقبلنا ؟
فالاحتكاك في الماضي كان لا يتعدى ساحة المعارك، أما مع التقدم التكنولوجي فقد سبب هذا التطور في التأثير على الكثير من الجوانب الحياتية وشكل أيضا الكثير من الإرباك للأفراد.وأدى إلى ظهور تيارات متباينة، يقترح كل منها أسلوباً للتعامل مع هذا الغزو الحضاري، وتراوحت هذه التيارات بين الانكفاء على الذات، والتقوقع على إنجازات الماضي والتباهي بها، وبين الالتحاق بالآخر دون قيد أو شرط. إلا أنني لست لا مع هذا ولا مع ذاك بل علينا التفاعل من موقع التميّز والاختلاف والاستقلال، لا من موقع الالتحاق والضعف والتملق.

وفي خضم هذا التفاعل يجب التمييز بين ما هو مشترك وإنساني شامل لكل الإنسانية حيث لا تتغير الحقائق والقوانين بتغير المعتقدات وتبدل القيم والتراث، وبين الخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع العربي حيث تبرز عدة متغيرات حتى ولو كانت بسيطة لكنها تميز كل حضارة عن أخرى.

فثنائية الشرق و الغرب، الأصالة و المعاصرة، نحن و الآخر عبارات تداولت في الخطاب العربي المعاصر لتعبر عن جانبين متوازيين ولا يتقاطعان، حتى صار الغرب ليس بقعة جغرافية بقدر ما أصبح يعرف ككيان ثقافيً واجتماعي وسياسي وعسكري، وصار الشرق مجرد تابع ثقافيا وسياسيا وحضاريا.

وقد استخدام مصطلح الشرق الأوسط المؤرخ الفريد ماهان سنة 1902 لأول مرة وهو ضابط البحرية الأمريكية و صاحب نظرية القوة البحرية في التاريخ ، ومنذ ذلك الحين صار المصطلح شائعا وفي السنين الأخيرة صار الحديث أيضا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا وهي التسمية التي سبقت العاصفة والخراب الذي لحق بالمجتمع العربي.

ولازلنا نستخدم هذا المصطلح الخاوي من أية علاقة تربطنا به، والذي وجد فيه الغرب الإسم اللائق ليتجنبوا استخدام اسم الوطن العربي، فالشرق الأوسط كلمة ليس فيها مجال للوحدة والانسجام فهي ليست نابعة من خصائص طبيعية للمنطقة، أو اجتماعية أو بشرية. بل هي مصطلح سياسي غربي إمبريالي ليضم دولة غير عربية، ويستبعد دولاً عربية أخرى كعملية ممنهجة لتفكيك كل أواصر الوحدة والتلاقي بين الشعوب العربية.

فالشرق والغرب مفهومان جغرافيان على الخريطة العالمية، لكن في العلاقات الدولية الحالية يراد به حضارتين مختلفتين ومجالات ثقافية ودينية متمايزة تعني أيضا التقدم والتخلف. أما في حوار العرب بينهم عرف المشارقة والمغاربة كتجمعين بشريين لهما نفس الدين واللغة والتاريخ وينتشران في بقعتين جغرافيتين تمتد من طنجة غربا إلى بغداد شرقا.

الرؤى التي تكونت عن الشرق لدى الغربيين بدأت مع نهاية الوجود الإسلامي في الأندلس وتطورت بتطور الصراع الحاد بين الجانبين، ولا زال العديد من الغربيين من متوسطي الثقافة يجهلون الكثير عن التاريخ الثقافي العربي الإسلامي وحتى بعض المستشرقين وبقصد يحاولون تزوير الحقائق لإعطاء صورة قاتمة مليئة بالخوف والرعب عن واقعنا وماضينا فكانت أحكامهم جاهزة وقطعية وقاسية اتجاه ثقافتنا.

كما أن نظرة الغرب للإسلام لم تتبدل تاريخيا حيث لازمه مفهوم العنف والبدائية مند الأندلس حتى القرن الثامن عشر، حيث نادى بعض المتنورين بتكافؤ الإنسان كيفما كانت ثقافته أو ديانته وذلك راجع لانفتاحهم على الثقافات القديمة وإعطاءها قيمتها اللازمة في التطور الإنساني. إلا أن هذه النظرة المتوحشة عن الدين الإسلامي عادت لتلوح بالأفق مع نهاية القرن العشرين حيث أصبحت واضحة في السياسات الغربية اتجاه مجتمعاتنا العربية.

لا تعليقات

اترك رد