أهمية-المرسم الصغير- للفنان خالد جبر

 

إذا كان دور التدريسي في المراحل الدراسية الإبتدائية والمتوسطة، ومايليها، تكمن في حدود أعداد طلبته في الصف الذي يحتوي على فئات منها موهوبة تحب الرسم، وأخرى مجبرة، لديها إتجاهات فكرية ومواهب أخرى، فإن – المرسم الصغير – الذي سعى في تأسيسه الفنان – خالد جبر – عام 1985، يمنح أعدادا كبيرة من خلال القنوات، عبر مراحله المتوالية، تأتي أهمية هذا البرنامج التربوي، بأبعاد متعددة، لاتقتصر على التعليم الحرفي – المهاري – إلى – براعم – النشيء المبكر في الأعمار فقط، وإنما، الهدف منه تنمية فعالية المدركات الحسية، والجمالية، وأقصد بالجمالية العامة، الطبيعة، والفن ، الذي يسمى – بالأستاطيقيا – أي تحويل جمال الطبيعة التلقائي، إلى عمل فني مهاري، ينمي القدرات الأدائية لهؤلاء البراعم، وفي نفس الوقت تنمو لديهم مشاعر التلقي الإبتدائي، يعقبه مراحل الإدراك الحسي للتفسير والمقارنة والإعجاب، ثم تعقبها مراحل تطورالرقي – للتذوق الفني – الذي يؤهله أن يكون مبدعا حقيقيا، تنمو في أعقابها سلوكيات التفرد الشخصاني، في هذه الظروف وما سبقها، تحتاج المجتمعات لاسيما – المجتمع العراقي – إلى تنمية القيم الجمالية في كل اختصاصاتها، الرسم والنحت والخزف والخط والتصميم الزخرفي والهندسي، فضلاً عن الجوانب الأخرى للفروع الجمالية، منها السمعية والمرئية كالموسيقى.

ربما البعض يقول لماذا لا توجد برامج أخرى لهذه الفروع التي ذكرتها ؟ والإجابة تكمن بمحورين

1 – إن برنامج المرسم الصغير يمثل الرسم في جوانبه، التخطيط والألوان، بأنواعها المختلفة، وأحيانا إستخدام تقنيات الكولاج ومواد الكرافيك، لذلك تعد هذه الأمور هي العامل الأساسي لفروع الفن التشكيلي، لأن أعمال النحت تبدأ بعمل – سكيجات – بالرسم، ثم تليها تطبيقات التقنيات بمواد الخام النحتية التي تحتاج إلى خبرة وإختصاص منفرد، والأمر ينطبق على الفروع الأخرى، منها السيراميك والتصميم، إذ تستخدم نفس المواد في التخطيط والألوان.

2 – لو كان التشجيع للمرسم الصغير عالي المستوى من الجهات الرسمية وغيرالرسمية، وأقصد بغيرالرسمية، حتى من ألوسط الفني والثقافي، أقول لو كان هنالك تشجيع راقي المستوى، لظهرت برامج أخرى تكميلية للفروع التي تم ذكرها، وهي مكملة للرسم، لكن الأمرعكس ذلك تماما، ومن خلال متابعتنا الشخصية للفنان – خالد جبر- قد واجه معرقلات حادة وعنيفة في إجهاض هذا المشروع الراقي الأبعاد والمستوى، البعض منهم فنانين حتى أسماء معروفة، لانريد ذكرهم ، إذ يعتقدوا بأن الرسم, وغيرها من الفنون تحتاج إلى كتمان لإسرارالتقنيات المنهجية التعليمية، بطريقة غير معلنة إعلاميا، إضافة إلى إقتصارالتمظهر المعلن للنتائج الفنية، بطرق العرض، وليس بطريقة التعليم بمراحله المبسطة إلى الأطفال، كي لا تقلل أهمية النظر العام إلى المستويات المجهولة في التفسير والأداء، إن هذه الضنون هي من مصادر- الأنا – والأنغلاق، أما المواجهات الأخرى المعرقلة، من جهتين، الرسمية، وخاصة بعد مجيء موجة من المسؤولين غيرالمثقفين الذين تنقصهم مشاعرالرقي في التذوق الفني والتقديرالجمالي، وهي أعلى مرحلة يصل إليها الإنسان، وفي نظرهم إن فن الرسم غير مهم، والإهتمام المعلن هولإجراء لقاءات مكثفة ولساعات طويلة إلى إعلاميين الأحزاب السياسية للترويج لهم، وتغطية عيوب سرقاتهم وتقصيرهم الواضح في إعطاء الخدمات للمجتمع، وكذلك من الفرصة، إلى مسلسلات، تسمى كوميدية، ولكنها مبتذلة لاتحمل في مضامينها أية غايات وفوائد للمجتمع، وقد حصلت هذه الموجة قبل عام 2003 بمبررات مفادها، إن الشعب متعب من الحروب والحصار,إذ يحتاج إلى ترفيه كوميدي، مما فسح المجال أمام منتجين ومخرجين غير كفوءين، وهي فرصة لمكاسبهم المادية، فجلبوا ممثلين من الشوارع والأسواق البعض منهم يبيع شاي في سوق جميلة جلبوهم للمسرح الشعبي التجاري لرخص أجورهم، ووصل الحال ببعض المسرحيات بإدخال حمار إلى المسرح، وفعل بعض الممثلين السذج إلى خلع ملابسه أمام الأنظار، أما الممثلين الحقيقيين فقد غادروا البلاد، والآخرين التزموا الصمت والإنزواء والمسايرة، ولقد تطور إلتردي إلى أدنى مستوى، وخاصة في إنتاج قناة السومرية، وتم بثها في القنوات الرسمية، إن هذا التدني في الإنتاج يفضل عندهم على برامج من شأنها رفع مستويات الرقي في الذائقة الفنية والجمالية، التي تذهب النفوس والسلوك ومنها – المرسم الصغير- والأمر ينسحب إلى مفاهيم تدني الرأي الجمعي للمجتمع، بعد التركيز على موجات التخلف والجهل الذي دونه البعض في- المناهج التعليمية- وقد تمهد إلى التقسيم السايسلوجي – الإجتماعي – فكرا وسلوكا، ولم يعلموا بأن من أسباب ظهورالإرهاب بأنواعه المختلفة، هي فقدان التركيز على الأفكار الحرة المرنة، والإهتمام بدروس الفنون بأنواعها منذ الروضة ومراحلها الاحقة،وليس إطلاق النار كل يوم الخميس باحتفالية تنصيب العلم، تلك المفاهيم الخاطئة لاترفق مع أعمار برامج الأطفال، وإنماالمفروض تطبق في مجالها الخاص، العسكرية والأمنية، وبعد مراحل تتناسب مع العمر وإلاختصاصن. ونلاحظ إن بعض المدرسين في العلوم الأخرى، يتطاول على دروس تعليمية الرسم والمسرح والموسيقى والرياضة أحيانا، لأخذها بديلا، وتتم الموفقة من هؤلاء المدرسين لأنهم قاموا بالتدريس وهو ليس إختصاصهم، لم يحافظ على قيمة اعتبارهم الإختصاصي والشخصي، ولايعلموا بأن الطالب يحتاج إلى ريلاكس، وتغيير أنماط التقبل المعرفي العلمي، إلى فني جمالي وأدبي ورياضي، ومنح الفرصة إلى أصحاب المواهب لتطوير قدراتهم المهارية، كما واجهناها نحن تلك الصعاب في سنواتنا تلك .

-منجزاته الفنية –
تندمج في نتائج منجزاته التشكيلية، للفنان – خالد جبر- عوامل التطبيق التعليمي الذي يأخذ مجريات الأصول للنسب الذهبية للأشخاص والكائنات الأخرى منها الطيور والحيوانات وجماليات الطبيعة، فلو عدنا إلى متابعة الطريقة التدريسية له، يتبع إختصار مجريات الخطوط الرئيسة التي ترتكز عليها النسب المنضبطة، دون الخوض في تفاصيل التعقيدات التي تتعب إستيعاب الإستلام للفئة العمرية التي تقوم بمتابعته، والأمر ينطبق كذلك على فرش الألوان بصيغتها الجاهزة، دون الأنغمار في مداخل تعقيدات مراحل التكنيك، إلا إن أعماله الشخصية التي يختلي بها، يمنحها دفقا من الجهود الوقتية،في التعبير والأداء، لأنها إنعكاس لمكنوناته الخاصة التي يجسد بها أفكاره وسايكلوجيته المنعكسة من هواجس الوجدان والمعرفة، وتأخذ أبعادا وإمتدادات زمكانية، أي زمن تراث وادي الرافدين، ومكانات الوجود، تنفذ صيغ إسلوبيته الخاصة بالتراث القديم، والفن المعاصر،

إذ نرى ملامح تكنيك الفنان بيكاسو، وغيرها من الفنون المعاصرة، تتعانق مع الألوان الشرقية، ولكن ملامح التعبيرالرمزي يوحي إلى هواجسه النفسية المضطربة أحيانا، خاصة في نتاجاته الأخيرة، حيث مربأزمات صحية له ولأبنه الذي عانى مراحل عمليات خطرة، دون وازع من إسناد الجهات الرسمية له، بما يتناسب مع أهمية العطاء التدريسي والإبداعي لمرحلة قطع شوطا طويلا فيها، تركت آثارا إيجابية لمراحل من الأجيال، إذ نرى ملامح الحزن والدموع المذرفة تتساقط حتى في مساحات التكوين الفضائي للمفردات البنائية الإنشائية للأعمال، إضافة إلى الألوان الغامقة والحيادية، وعيون مغمضة برموش ذات سمك متدلي في إنغلاق، ولكن في أعمال أخرى لوجوه نسائية مبتسمة تحمل علامات الحنين والحب والتفاعل بصفاتها وأدوارها الإجتماعية المتنوعة، لذلك فإن الفنان بشكل عام ومنهم الفنان- خالدجبر- تكون إستجاباته لردود الأفعال للظروف المحيطة به أكثر إنفعالا وإحساسا،

وهي صفة من صفات الفئات الإبداعية، وللأسباب تلك، فإن تأثيرات الألم والعاطفة وصفاء القلوب، لتضحية الأوقات من أجل الآخرين، ومنها التعليم، وإختيار دروب الفن وأنواع الثقافة، دون التفكير بمردودات المصلحة الإقتنائية الخاصة، هذه التضحيات في مجتمعات وأنظمة،لاتقدرها تماما، إذ تجعل بعضا من المبدعين، يراجعو أنفسهم أحيانا، هل تضحياتنا بتلك السنوات من العمر،دون مردودات نفعية حياتية لاتتناسب لا من بعيد ولا من قريب مع فئات منتفعة، لم تقدم أية عطاءات إنسانية تربي أجيالا، يحملون أعلى مستويات الرقي،وهو التذوق الفني .

المقال السابقمن هو الثَّوْر الذي باعَ الخور
المقال التالىأبجديات فهم المشهد الليبي
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد