ذوي الاحتياجات الخاصة


 

سأتوقف في الحديث هنا عن فئة من الناس شاءت الاقدار ان يكونوا معاقين نتيجة لنقص خلقي في قدراتهم الجسمية أو العقلية .. إنهم المعاقون أو ذوي الاحتياجات الخاصة .

وتعني كلمة معاق هو العجز كليا أو جزئيا في عضو من أعضاء الجسم نتيجة خلل وراثي أو عرضي ما يؤثر على القدرة الجسمانية أو الفكرية مما يؤدي دون أن يعيش الشخص حياة طبيعية كسائر البشر وبالتالي يتسبب في خلل في قدرته على القيام بالوظائف الحياتية أو أن يحد ذلك من قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة من الوظائف الاساسية في الحياة اليومية كالعناية بنفسه أو ممارسة صلاته الاجتماعية مع المحيط الذي يعيش فيه .

غالبا ما تسبب الإعاقة في عدم تمكن المرء من الحصول على الاكتفاء الذاتي مما تجعله في حاجة مستمرة إلى معونة الآخرين ليتمكن للإستمرار في حياته اليومية .

يعتقد البعض بأن ما يصيب المعاق هو ابتلاء من الله لأمر لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى ولحكمة نعجز عن ادراكه إدراكا كاملا ولكن بغض النظر عن هذه النظرة فإنه لا شك أن منـزلة ذوي الاحتياجات الخاصة وبمقتضى العقيدة الإسلامية ينبغي تقديرها على إنها قدر الله عز وجل ولا رادّ له إلا هو حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز ” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ”

فالابتلاء سنة ربانية ماضية على ما إقتضى حكمة الرب وعدله وقد يأخذ الله من شخص شي ما وبالمقابل يمنحه قدرات تفوق الناس العاديين.

وقد ذكر في العهد القديم قصصاً كثيرة عن أشخاص كانوا معاقين جسديّاً، وأوّلهم كان النبي موسى الذي كان يعاني من ثقل في اللّسان ( سفر الخروج -الإصحاح 12) ومع هذا اختاره الرب ليحدّث الناس بكلامهم وكانوا يستهزئون به لثقل لسانه ويقولون “لماذا لا يشفي الربّ موسى وقد أعطاه سلطاناً لأن يصنع عجائب كثيرة” ولم يدركوا إن مفاهيم الله تختلف عن مفاهيم البشر، فقد منح الله النبي موسى حجة بالعجز الذي عنده ليكون تدبيراً لإيصال الكلام للناس وقدر له الله أن لا يشفى من داءه وبالمقابل منحه صفة التحدث والكلام مع الله مباشرة دونه من البشر وجعله كليم الله .

للأسف الشديد إن نظرة المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة نظرة لا ترحم وفي بعض الأحيان نظرة دونية وغير منصفة وينظر لهم على إنهم يختلفون عن باقي البشر، وقد يعاملون بما لا يليق بالإنسانية في مجتمعات تفتقر إلى ثقافة التعامل الإنساني مع هؤلاء الفئة من الناس ، فهم يعاملون بأسوأ انواع القسوة خصوصا في مجتمعاتنا التي فقدت الرحمة وماتت في قلوبهم الشفقة والإنسانية.

أما المجتمعات الراقية تنظر إليهم كفئة تستحق الرعاية والإهتمام بدلا عن اللامبالاة والنكران لحقوقهم سواء كان على المستوى الإنساني أو الأخلاقي خاصة وانهم حرموا غصبا عنهم من أبسط الحقوق الانسانية وابتلوا بلاءا لا ذنب لهم فيه. وتخصص هذه المجتمعات مؤسسات خاصة ترفدها بميزانية كافية لترعى المعاقين.

من الملفت للنظر في مجتمعاتنا العربية نلاحظ نماذج لشخصيات مشهورة تبرأت من اخوة لهم او أبناء لمجرد انهم يعتبرون من ذوي الاحتياجات الخاصة ، ويتنكرون لهم ويرفضون ان يصرحوا بهم في الاعلام . يحتاج ذوي الاحتياجات الخاصة قدراً كبيراً من العمل والجهد لمساعدتهم والإهتمام بهم لتسهيل الحياة لهم عبر تعليمهم وتنمية قدراتهم الذاتية للوصول بهم للتمكين الذاتي والوظيفي للاعتماد على النفس ومواجهة ظروفهم الخاصة .

ولكي لا يبقى المعاق في مجتمعاتنا غير مرغوب فيه على المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني أن تروج لثقافة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال النظام التعليمي ووسائل الإعلام لامكانية تعليمهم وتأهيلهم وتنمية قدراتهم الذاتية للوصول بهم الى بر الأمان كي يتمكنوا من الاعتماد على النفس ومواجهة المجتمع ولابد من تغيير نظرة المجتمع اليهم ، لأن هذه الفئة يمكنها أن تكون منتجة ومفيدة للمجتمع لو وضعت خطة مدروسة حتى يشعر ذوي الاحتياجات الخاصة بأنهم ليسوا عالة على المجتمع بل جزء لا يتجزأ من قواه المنتجة ماديا وفكريا.

ولو انه برايي الشخصي المعاق ليس هو فقط المعاق جسديّا أو عقليّاًً، بل المعاق الحقيقي هو الذي ينظر لمن اقل منه قدرة او تفكيرا بسبب الوضع الاجتماعي، ويبقى الاضطهاد السياسي والقهر والظلم أو الحالة المادية المتردية هو اشد واقوى اعاقة ممكن ان تقف في رقي وتطور اي مجتمع بل هو مرض مميت يفوق هؤلاء المعاقين من ذوي الاحتياجات الخاصة بعشرات المرات .

9 تعليقات

  1. احسنت استاذة فذوي الاحتياجات الخاصة فعلا يستحقون الكثير ولاد من تحويلهم من فئة عاجزة الى فئة منتجة ومنجزة في المجتمع
    احسنت النشر استاذة ليلى

  2. ان ذوي الاحتياجات الخاصة لابد ان يكون هناك موسسات حكومية تدعمهم لانهم أناس يستحقون الرعاية والاهتمام
    احسنت النشر استاذة

  3. مقال جميل جدا وياريت البعض ينظر إلى هذه الشريحة في المجتمع نظرة أفضل وأرقى من نظرة العطف والشفقة. .تحياتي واحترامي لك عزيزتي

  4. كيف تغمض لنا عيون وهناك عيون لا تنام سواء ان كانوا مرضى أو ذوي احتياجات خاصة …
    ربنا يبارك لك أستاذة لطرحك الممتاز

  5. ليلى عيسى
    ذوي الاحتياجات الخاصة

    ( برايي الشخصي المعاق ليس هو فقط المعاق جسديّا أو عقليّاًً، بل المعاق الحقيقي هو الذي ينظر لمن اقل منه قدرة او تفكيرا بسبب الوضع الاجتماعي، ويبقى الاضطهاد السياسي والقهر والظلم أو الحالة المادية المتردية هو اشد واقوى اعاقة ممكن ان تقف في رقي وتطور اي مجتمع بل هو مرض مميت يفوق هؤلاء المعاقين من ذوي الاحتياجات الخاصة بعشرات المرات )
    سيدتي لم تتركيني لنا شئ نقوله
    لقد اشبعت الموضوع تحليلا وبحثت باسلوبك الآخاذ بالسرد و التحليل ..
    و عبرت بنا بعيدا عن هذا الزمن الذي أصبحنا في آخر القائمة لتؤكدي أن لهذا المعاق حق مثلما لنا حقوق
    و علينا توفير المكان و الجو المناسب
    و الخدمات الذي تناسب إعاقته و تجعله يشعر بأنسانيته ..
    وهذا الإهمال الحاصل يعود إلى سببين جهل المجتمع الذي بات يركض وراء لقمة العيش فقط
    وانشغال الحكومات الوطنية بالنهب و السلب
    و بناء الأطيان خارج حدود الوطن و شراء ذمم رجال الدين و السياسة
    لكن من يقرأ و من يسمع ..!! خليها على الله
    تحياتي و تقديري

  6. أن للاشخاص من ذوي الأحتياجات الخاصة معانات كثيرة ، وكل حسب الأعاقة التي ابتليه بها ، ولاهالي هؤلاء معانات ايظاً لا تقل عن معانات المعاق نفسه ، وان الكثير من هؤلاء الأهالي قد عملوا على الجوانب الأبداعية والمهرات التي يجدونها في أبنائهم المعاقين ومساعتهم على اظهار هذه المهارات وتنميتها ، ونرى اليوم الكثير منهم ذكورا واناثاً في شتى المجالات ، منها الأجتماعية والعلمية والثقافية والمهنية ، وقد دخلوا مجال الرياضة والعاب القوى ايظاً وحصلوا على مداليات كثيرة في كل مجالات الرياضية ومنها الالعاب الاولمبية ، وكل هذا لم يحدث ما لم يكن لدا الكثيرون من هؤلاء المعاقون العزيمة والاصرار لاثبات وجودهم في مجتمعاتهم وان لا ينظر اليهم كمعاقون بل ينظر اليهم كمبدعون ، ان نظرة المجتمعات لهؤلاء المعاقون قد تغيرت كثيراً في العقود الماضية ، وهي نتيجة التوعية الاجتماعية داخل هذه المجتمعات واندماج لؤلاء المعاقون واثبات وجودهم في مجتمعاتهم .
    أن من واجبات الدول اعداد برامج الوقاية من الاعاقة بشكل عام ، والعمل ما أمكن على تقليل حدوث الاعاقة عن طريق البرامج الوقائية ، منها الحوادث على الطرقات وحوادث داخل المصانع والورش العمالية وغيرها من المجالات التي تحدث فيها حوادث تؤدي الى اعاقة عند الاشخاص ، ولا ننسى بان الكثير من هذه الاعاقات تاتي عن طريق زواج الأقارب وهنا ياتي دور هؤلاء بان يخظعوا الى تحاليل مختبرية دقيقة للحيلولة دون وقوع اعاقات مستقبلية تدمر لهم حياتهم وحيات ابنائهم وحتى لاينطبق عليهم قول الشاعر ابو العلاء المعري وهو كان معاقاً حين سأئل عن عم زواجه ، قال ( هذا ما جناه عليّ ابي …ولكن لا اجني على احداً ) …… سلامي وتحياتي لك سيدتي والى الكثير من الانجازات والتوفيق .

  7. لو كان باختياري قدري لاخترت لتمنيت ان أكون معاقا. بالمقابل كان الله سيعوضني بالأفضل كما كرم سيدنا موسى
    احسنت الطرح أستاذتي

اترك رد