الفنان التشكيلي بهنان داؤود بهنان: من بؤر الإنفجار إلى بؤر الإنفعال


 

إن حقيقة الأعمال الفنية وفقاً لأندريه بازان ليست مواضيع اللوحات , بل اللوحات نفسها , و لعل هذا القول نهمسه في أذن فناننا بهنان , فأعماله نازفة منذ البدء بكم هائل من المواضيع , التي تجسد وبهروب ما , و ببداهة فيها من المصالحة مع لحظات العودة فرص كثيرة , تجسد نمطاً من رؤية خاصة تقوم أساساً على تثبيت الموضوع مع ترك العمل لإنفعالاته و إن كان فيها من الإنهزامية الشيء الكثير , للتوصل لأنموذج لا يضيع ( بتشديد الياء ) الواقع , بل ينخرط فيه ,

و إن بصيغة إجتهادية تعبر هي عن نفسها , فبمقاربة مفتوحة لنمط ما من أعماله , و إن لم يكن كافياً للتنظير فيه , إلا أنه و بحماس بازان و مقبولاً لضبط تلك الإنفعالات , تاركاً المتلقي مشاركاً فاعلاً في نبضه , حزناً أكان , أو فرحاً كان , و كأن بهنان مقتنع بمقولة جان رينوار : ( أنا قبل كل شيء راوية حكايات , و تتملكني بإستمرار الرغبة التي لا تقاوم في أن أروي الحكايات التي تبدو لي ممتازة ,


و أود أن أشرك أصدقائي و الجمهور في فرحي ), فبهنان فنان راو و تتملكه الرغبة حقاً في مشاركة الآخر له , و لهذا يغرق عمله بنمنمات بها يتجنب الشروح و التفاصيل لتكون تلك النمنمات هي الأكثر جاهزية في الإستجابة لأسلوبه المبني على التقطيع إلى أشكال هندسية متجانسة بوفاق فني ووئام قيمي حيناً , و حيناً على خلاف لخلق بؤرة جاهزة للإنفجار الجميل في أي لحظة كانت , الإنفحار الذي يتملكه مع الإمعان في إضاءة تجربة مبنية على إرث تاريخي , و مفتوحة على كل التقنيات القادرة على توجيه إحالات مشروعية تقاطع أسئلة كثيرة كانت تدور في خلده لإستحضار الماضي البعيد بإشارات جريئة جداً , ففي عمله يرسم ميثولوجيا الإنسان دون أن تضيق عليه مفاهيم الخلق , فهو ينسج تحولات جميلة كالعلاقة ما بين الرب والطبيعة من جهة , و ما بين الرب و الإنسان من جهة ثانية , و ما بين الإنسان و الطبيعة من جهة ثالثة , عبر حياكة ذكية في الربط فيما بينهم , وفق أسئلة كثيرة مطروحة على المتلقي , من قبله ومن قبل الرب و كذلك من قبل الطبيعة ,

و كما أنه ( ليس للكردي غير الريح ) حسب مقولة الراحل محمود درويش , كذلك ليس للآشوري غير هذا الريح القادم من ضفاف الرافدين , و من ضفاف الخابور لتلفح ورقة بهنان الفنية , على نحو ما من مستوى التواصل الحضاري , الذي يضج بنزوعه نحو الكونية , وإن كان غارقاً في المحلية , فيكفي أنه خبر كناقب فني في تراثه الماضوي الجميل , بمعايير تعدد الآفاقات , كي تكتمل الإجابة على أسئلة كثيرة تخترق الحدود , و هذا ما يدعونا إلى عدم الحاجة إلى شيقرة لفك رموز لوحاته , فهي تضج بآهات الشرق القديم , و إيقاعات الحزن الدفين للخابور .

لا تعليقات

اترك رد